«الرباعية» ..عنوان التواطؤ الدولي

e-mail icon
«الرباعية» ..عنوان التواطؤ الدولي
عوني صادق
مقالات
-
الخميس, 18 شباط (فبراير), 2016

لم يكن «مؤتمر مدريد» سوى حيلة تفتقت عنها عقلية الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الأب، لتخليص الكيان الصهيوني من الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987)، ولجر منظمة التحرير الفلسطينية إلى مواقع الاستسلام للمخطط الصهيوني، وتصفية القضية الفلسطينية تحت شعار «الأرض مقابل السلام»! هكذا بدأت ما سميت «عملية السلام في الشرق الأوسط»، والتي لم تكن في حقيقتها سوى طريقة مثلى لمنح الكيان الصهيوني ما يحتاجه من وقت لتنفيذ مخططه الاستيطاني التوسعي الهادف للاستيلاء على كل فلسطين من خلال اعتماد أسلوب المفاوضات وحيداً وحصرياً. وهكذا تم الإيقاع بمنظمة التحرير في شباك «اتفاق أوسلو» (1993) الذي أعطى الفلسطينيين «حكماً ذاتياً إدارياً محدوداً»، ووضعها على طريق لا نهاية له من المفاوضات العبثية باسم «حل الدولتين»! وإذا كان الخداع السياسي في «مؤتمر مدريد» هو الطريقة التي بها غدروا الانتفاضة الأولى، فإنه بعد أن انكشفت المرحلة الثانية من الأكاذيب، اندلعت الانتفاضة الثانية (2000)، وكان القضاء عليها عسكرياً في ما عرف بعملية (السور الواقي) التي انتهت بقتل ياسر عرفات مسموماً.
كانت «اللجنة الرباعية الدولية» التي تم تشكيلها لمتابعة «عملية السلام» المزعومة عنواناً لكل ذلك التضليل والخداع، وستاراً للتواطؤ الدولي على القضية الفلسطينية، وغطاءً لانحياز ما يسمى «المجتمع الدولي» للكيان الصهيوني وأهدافه التوسعية العنصرية. كان دور هذه «اللجنة» المرسوم هو أن تغطي الفترة بين الأزمة والأزمة، وإذا اتضح أن ألاعيبها وأضاليلها لم تعد كافية للمحافظة على «الهدوء والاستقرار» للمخطط الصهيوني، أتى دور الولايات المتحدة الأمريكية فتتحرك لترمي بحيلة جديدة تمتص بها ما حدث من «توتر»، ثم تعود الرباعية تمارس وظيفتها التي أصبحت تقليدية، رغم انكشاف هذا الدور وافتقاد الثقة فيه.
وفي الأسبوع الماضي، وعلى هامش اجتماع ميونيخ الذي بحث الوضع السوري، عادت «الرباعية» للاجتماع، وأصدرت في نهاية اجتماعها «بياناً» لم يختلف في مضمونه عن كل بياناتها السابقة، ما أكد دورها، بل ودور الأمم المتحدة و«المجتمع الدولي»، في مواصلة التآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته، وحماية المخطط الصهيوني ورعايته من خلال منح الوقت الكافي للحكومات «الإسرائيلية» لاستكمال تنفيذه. وقد جاء في البيان تأكيد «اللجنة» على التزامها العمل بالتنسيق مع أصحاب المصلحة الرئيسيين، بما في ذلك دول المنطقة، ومجلس الأمن الدولي «لتحقيق استقرار الوضع وتقديم الدعم الفعال لتسوية عادلة وشاملة ودائمة للنزاع الفلسطيني «الإسرائيلي»!! بعد اثنين وعشرين عاماً من «التنسيق والدعم الفعال»، ما زال دور اللجنة هو نفسه، لا يعدو «التنسيق والدعم الفعال».

لم يغب، ولا يغيب في كل بيانات «اللجنة» أن تسوي بين الجلاد والضحية، وبين المحتل والواقع تحت الاحتلال، فتنسى ما يسمى «قرارات الشرعية الدولية»، وتنسى معها أن الأراضي الفلسطينية محتلة وأن السياسات «الإسرائيلية»، سواء تعلق ذلك بمصادرة الأراضي أو بناء المستوطنات، أو التغييرات الجغرافية والديمغرافية، وغير ذلك من الوقائع التي تخلقها الإجراءات «الإسرائيلية»، غير شرعية في عرف القانون الدولي و«القرارات الدولية» ذات الصلة! وعلى هذا الأساس المتجاهل لأبسط القوانين والشرائع المتعلقة بالاحتلال، تدين الرباعية «جميع أعمال الإرهاب»، وتعرب عن «بالغ قلقها إزاء استمرار العنف ضد المدنيين»، وتجدد «دعوتها لضبط النفس، ودعوة جميع الأطراف إلى نبذ التحريض واتخاذ خطوات فعالة لتهدئة التوترات الحالية»! وذكرت اللجنة ب «خطورة استمرار التوجهات الحالية على حل الدولتين»، مؤكدة أنه «على كلا الطرفين أن يثبتا بسرعة من خلال السياسات والإجراءات الالتزام الصادق بحل الدولتين من أجل إعادة بناء الثقة وتجنب دوامة من التصعيد». هل سمع أحد بكلام صادر عن لجنة دولية، أكثر صفاقة وأقل احتراماً للعقل من هذا الكلام؟! ففي عرف «اللجنة الرباعية» أن المطلوب بعد كل هذه السنين العمل «من أجل إعادة بناء الثقة وتجنب دوامة من التصعيد»، لأن الدم الذي يغطي شوارع فلسطين منذ أربعة أشهر ونصف الشهر لا يمثل تصعيداً ولا يشكل قلقاً!
المضحك المبكي أن اللجنة الرباعية ما زالت تتكلم عن «حل الدولتين»، وليس في العالم كله من يتذكر هذا «الحل» إلا الولايات المتحدة ولجنتها الرباعية (والسلطة الفلسطينية)، بينما يعرف الجميع أن هذا الحل مات قبل أن يولد، وأنه لم يبق للفلسطينيين من الأرض ما يسمح بتنفيذ هذا الحل، لو وجد هناك من يقبل به. القيادة «الإسرائيلية»، تناغماً مع تضليل اللجنة الرباعية و«المجتمع الدولي» ومن أجل استمرار التواطؤ والتآمر، ترمي كل فترة بكلمة فيها إشارة ل«حل الدولتين» مع وضع شروط عدم تطبيقه، وتواصل البرنامج الاستيطاني الذي يلغيه !
فمن جهة، جاء في تقرير حديث لجماعة (السلام الآن) «الإسرائيلية» حول الاستيطان، أن السلطات «الإسرائيلية» نشرت مناقصات لبناء (11243) وحدة استيطانية في العام 2015، وأنه منذ انتخاب بنيامين نتنياهو رئيساً للوزراء تم بناء (8654) وحدة استيطانية إلى الشرق من الجدار الفاصل وذلك «في مناطق معزولة وهو ما يدمر بشكل خطر حل الدولتين»! (صحف- 15 / 2 / 2016). ومن جهة أخرى، قال نتنياهو في مناقشة في «الكنيست»، قبل يومين من اجتماع ميونيخ: إنه يؤيد «حل الدولتين، لكن من الناحية العملية لا يرى أن تطبيقه أمر ممكن»! لذلك «فإنه ليس أمام» «إسرائيل» «خيار في الواقع السياسي الحالي، إلا أن تواصل سيطرتها على الضفة الغربية»!
هذه اللجنة الرباعية ليست سوى العنوان الدائم للتواطؤ الدولي لتصفية القضية الفلسطينية!