«فتح» والبحث عن تجديد الشرعية

e-mail icon
«فتح» والبحث عن تجديد الشرعية
خليل شاهين
مقالات
-
الأحد, 8 آيار (مايو), 2011

فرضت «فتح» شرعية قيادتها للحركة الوطنية الفلسطينية منذ سيطرتها على منظمة التحرير، على حساب مشروعية سياساتها في محطات تاريخية عدة، بل كانت «الشرعية» أحيانا مظلة لتمرير «لا مشروعية» السياسة والمواقف المنفردة وأساليب العمل والقيادة، من دون أن ينال ذلك من مبدأ «الشرعية» الفلسطينية، وعمادها «فتح» منذ نهاية ستينيات القرن الماضي وحتى إبرام اتفاق أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية عام 1994.

كان مثال ذلك ساطعا في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي كرس شرعية قيادته لـ«فتح» ومنظمة التحرير والشعب الفلسطيني حتى في أصعب المراحل وأكثرها إثارة للجدل والخلاف على مشروعية بعض المواقف السياسية، ليس أقلها التوصل إلى اتفاق أوسلو من وراء ظهر قيادتي «فتح» والمنظمة، وسائر الشعب الفلسطيني ومؤسساته.

 

هذه الحالة من التعايش بين «الشرعية» و«عدم المشروعية» ليست حكرا على الحالة الفلسطينية، فهي تظهر في العديد من النظم السياسية، لكنها تمتد لتشمل الحركات والأحزاب السياسية أيضا. وكان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر قد سعى لتفسير الشرعية كظاهرة اجتماعية، حيث حدد ثلاثة أنواع من الشرعية السياسية هي: السلطة التقليدية (القائمة على التاريخ والعادات)، والسلطة الكاريزمية (القائمة على قوة الشخصية)، والسلطة الرئيسية القانونية (المستندة إلى إطار من القواعد الرسمية القانونية). وعموما، يتعامل علماء السياسة مع مفهوم الشرعية من منطلق علم الاجتماع كتعبير عن إرادة الامتثال لنظام الحكم بغض النظر عن كيفية تحقق ذلك.

ويرى البعض أن «الشرعية هي التعبير عن حالة الرضا والقبول التي يبديها المواطنون إزاء النظام السياسي وممارسة السلطة، وتمثل قاعدة قانونية للسلطة، تفترض وحدة فعلية بين السلطة والمجتمع، وممارسة فعلية للأهداف المشتركة بينهما، وترتبط بالسيادة، والمساواة، والشعور بالوطنية، والعدالة الاجتماعية، فهي صفة للسلطة القائمة على إجماع عام» (أنظر عرض كتاب «إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية»، الجزيرة نت، المعرفة، 3/10/2004).

«فتح» ومصادر الشرعية

حظيت «فتح» ومنظمة التحرير الفلسطينية بقبول فلسطيني عام بالشرعية التي مثلتها ما بعد انطلاق الثورة الفلسطينية، وكثيرا ما أطلق عليها تعبير «الشرعية التاريخية»، التي استمدت من مصادر عدة تحيل جميعها إلى ترسخ الطابع التحرري للحركة الوطنية في سبيل الخلاص من الاحتلال وعودة اللاجئين إلى الوطن وممارسة حق تقرير المصير، وإن اتخذت تسميات عدة مثل «شرعية البندقية»، «شرعية القرار الفلسطيني المستقل»، وصولا إلى تعميم القبول الشعبي بمنظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب، بل وانتزاع إقرار عربي وعالمي، بما في ذلك من الأمم المتحدة، ولاحقا من إسرائيل نفسها، بهذه الصفة التمثيلية للمنظمة. وفي كل ذلك، وبالرغم منه، كانت الإرادة الشعبية تدين بالولاء للثورة وفصائلها طالما أنها تواصل رفع راية النضال والتضحيات حتى تحقيق أهداف الشعب التي انطلقت لأجلها الثورة.

غير أن ذلك كله ما كان ليتحقق لولا اعتماد الشرعية على مصدرها الأساس، الإرادة الشعبية، التي دانت بالولاء للمنظمة كقائدة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، وطليعتها «فتح» قائدة الثورة، وتجلى ذلك عبر تمثيل في الاتحادات النقابية والقطاعية ذات الحصة في مؤسسات المنظمة، ولو عبر انتخابات شكلانية يحسمها مسبقا تقاسم «الكوتا» بين فصائل امتثلت هي الأخرى لمبدأ «النصف زائدا واحدا» لـممثلي «فتح» في الاتحادات. وبذلك، بات يصعب في أحيان عدة التمييز في خطاب «فتح» ما إذا كانت منظمة التحرير مصدر شرعية «فتح» المهيمنة على مؤسساتها وأطرها، أم العكس، مع تشوش الاستخدام المكثف لمفهوم الطليعة والريادة التاريخية. ومفهوم الطليعة هنا أيضا استخدم كمصدر لفرض الشرعية في الخطاب السياسي للعديد من الفصائل الفلسطينية، كل من موقعه السياسي والأيديولوجي. فقد اعتبرت «فتح» نفسها طليعة الكفاح الوطني، «أول الرصاص.. أول الحجارة»، و«كلنا فتح»، فيما صنف كل من فصائل اليسار نفسه طليعة للعمال والكادحين والفئات الشعبية حتى وإن لم تفوضه بذلك!

لاحقا، سوف تتآكل الشرعية بتآكل مصادرها التاريخية والكفاحية، والتمثيلية أيضا، ولا سيما بعد فقدان الثورة لقاعدة ارتكازها ووجودها المسلح في لبنان عام 1982، وتشتت الفصائل وكادرها وراء طليعتها الفتحاوية في تونس وغيرها من مواقع الشتات. وسيلعب اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 دورا رئيسيا في خلخلة مصادر الشرعية التاريخية والكفاحية لصالح الشرعية الآخذة بالترسخ على إيقاع احتدام المجابهة مع الاحتلال في قاعدة الارتكاز المركزية للشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني على أرض الوطن. تطور لعب دور مفصلي في تحفيز البحث لدى «فتح» عن مصادر جديدة للشرعية، تحركها «غريزة البقاء» في الطليعة ضمن سلطة جديدة قامت بموجب محددات اتفاق أوسلو، حتى وإن ابتلعت شرعية تمثيل المنظمة للشعب.

وفي سياق رحلة البحث عن تجديد الشرعية، لم يكن إبرام اتفاق أوسلو حدثا يماثل مثلا إبرام اتفاق عمان في ظل استخدام الشرعية غطاء لعدم المشروعية، فقد ترتب عليه توجيه ضربة قاصمة لمصادر شرعية «فتح» التاريخية، وفي مقدمتها الطابع التحرري الوطني لحركة سرعان ما تماهت مع السلطة الناشئة بموجب اتفاق أسهم في تفتيت المصدر الأساس للشرعية، المتمثل في الإرادة الشعبية. لقد تآكلت شرعية تمثيل المنظمة المستمدة من ولاء الشعب لدورها كحركة تحرر في مواجهة الاحتلال لصالح تنامي شرعية السلطة المستمدة من اتفاق مع الاحتلال، ومن غطاء دولي لعب فيه المانحون دورا في توسيع نطاق شبكة العلاقات الزبائنية بين السلطة وجمهور واسع من المنتفعين، معظمهم من «فتح»، في مؤسسات السلطة المدنية والأمنية والنخب الجديدة التي تبوأت أهم المناصب في هرم السلطة، ودانت بالولاء لرأس السلطة و«فتح» في آن واحد. وما عاد يمكن تجديد امتثال الإرادة الشعبية لشرعية الطليعة الفتحاوية، في ظل تهميش المنظمة ومؤسساتها، وإقصاء الشتات عن صنع القرار، وتجاهل فلسطينيي 1948، وتهميش المجتمع الفلسطيني على مقاس تقسيمات أوسلو لمناطق أ وب وج، وتأجيل بحث قضايا بحجم القدس والاستيطان واللاجئين إلى مرحلة تفاوضية قد لا تأتي أبدا.

وكمحطة أخرى في محاولة تجديد الشرعية، جاءت الانتخابية الرئاسية والتشريعية عام 1996 لتكرس هيمنة «فتح» على توزيع نظام المنافع الذي غذاه الدعم المالي المشروط للسلطة من المانحين، وإنشاء شبكة مشايعين تدين بالولاء لرأس السلطة و«فتح»، ولتشيع استقرارا وهميا مؤقتا للنظام السياسي على مستوى السلطة أطلق عليه البعض شرعية جديدة مستمدة من «انتخابات» لم تشارك فيها فصائل رئيسية عارضت اتفاق أوسلو وإفرازاته حينذاك، فيما اختار التيار الإسلامي، وفي مقدمته «حماس»، أن يسير على خطى «فتح» الأولى في اكتساب شرعية عبر المقاومة تكون منافسة للشرعية التاريخية المتآكلة للمنظمة و«فتح». وقد مهدت «شرعية المقاومة»، والخطاب السياسي والأيديولوجي الديني المستمد من «الشرعية الإلهية»، للنجاح الذي حصدته «حماس» لاحقا عام 2006 في انتخابات كانت تأمل «فتح» من خلالها أن تعيد تجديد شرعية فقدت أبرز مصادرها باستشهاد الرئيس ياسر عرفات، بعد تعمق مأزق تحويل السلطة إلى دولة عبر المفاوضات، واندلاع الانتفاضة الثانية.

لقد خاب رهان «فتح»، فالاعتماد على السلطة لتثبيت شرعية الحركة وصل إلى نهاية الطريق، لأن السلطة ذاتها باتت تفتقر إلى مصادر الشرعية بعد تنصل إسرائيل من التزاماتها بموجب اتفاق أوسلو وإعادة احتلال مدن الضفة الغربية في عملية «السور الواقي» عام 2002، وتعميق اعتماد السلطة في بعض مصادر تعزيز شرعيتها ومشروعية سياساتها على سلطة الاحتلال نفسها (تحكم دولة الاحتلال بتحويل العائدات الجمركية، إنهاء الإشراف الفلسطيني على بعض المعابر، بناء الأجهزة الأمنية والتنسيق الأمني...)، ومن ثم انتهاء ولاية كل من الرئيس والمجلس التشريعي، وعدم القدرة أو الرغبة في إجراء انتخابات جديدة، واستمرار الانقسام بين سلطتين في الضفة والقطاع، واتضاح مأزق القدرة على العبور بسلطة الحكم الذاتي المحدود إلى الدولة المستقلة. وكانت النتيجة الكارثية لمحاولات فرض القبول بشرعية كل من السلطة القائمة في أجزاء من الضفة الغربية، كما هي الحال في قطاع غزة، ومشروعية ما تنفذه من سياسات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، العمل لاستعارة نموذج السلطة الاستبدادية العربية، أي فرض القبول بالواقع القائم، عبر سلطة ذات طابع أمني يرسخ العلاقة الزبائنية مع المنتفعين من بقاء السلطة.

وواقع الحال أن شرعية الإنجاز باتت، مع إسدال الستارة الأخيرة على الشرعية التاريخية برحيل عرفات، على محك تخبط السياسات الفتحاوية، وبرز التساؤل حول مبرر وجود «فتح»، وليس مجرد شرعية تصدرها القيادة، خارج نطاق تأمين مصالح مواقع القوة والنفوذ في السلطة وما يرتبط بها من علاقات انتفاع زبائنية وشبكة مشايعين في المؤسسات المدنية والأمنية. وفي الوقت ذاته، بقي مدى نجاح مؤتمر الحركة السادس في تجديد مصدر شرعية «فتح» المستمد من أعضائها وأنصارها موضع شك، مع استمرار مظاهر وتجليات أزمة الشرعية فى «فتح» عبر تكريس معظم السلطات والصلاحيات بيد رأس الحركة والسلطة والمنظمة وما يرتبط به من علاقات انتفاع ومشايعة، والتفرد في صنع القرار على المستوى الوطني، وانعدام الرقابة والمساءلة والشفافية في أطر الحركة، وتدنى مستوى الإدارة الديموقراطية للخلاف الداخلي، وفي إطار العلاقات الوطنية.

غير أنه ما كان لأزمة السلطة أن تستفحل إلى هذا الحد لو لم تقابلها أزمة فى شرعية القوى المعارضة لها ولاستمرار هيمنة «فتح» عليها، إن جاز التعبير، فهذه القوى ذاتها تحاول أن تستمد شرعيتها من شعارات وبرامج تواصل ادعاء تمثيلها لمصالح الشعب، لا سيما الفئات الشعبية، من دون أن تحصل على تفويض شعبي يعزز هذا الادعاء، لا عبر صناديق الاقتراع، ولا عبر إعادة الاعتبار لشرعية المقاومة ضد الاحتلال، ولا بالتمرد على شرعية فقدتها السلطة القائمة في كل من الضفة والقطاع، وقبل ذلك من دون تجديد ديموقراطي في بناها التنظيمية يكسر معادلة تأبيد القيادة وعجزها عن تطوير برنامج حركة التحرر الوطني الفلسطيني ووسائل وأدوات كفاحها الجمعي ضد الاحتلال والعنصرية.

المصالحة والانتخابات كمصدر لتجديد الشرعية

تشكل محاولات الانتقال من الانقسام «التناحري» إلى الانقسام «التوافقي»، عبر عملية مصالحة تدير الانقسام بدلا من أن تنهيه، ولا سيما بعد طعن تقرير لجنة العضوية في مجلس الأمن الدولي بطلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين على خلفية الانقسام، محاولة لاسترداد جزء من شرعية متآكلة للسلطة، لتفتح المجال إذا فشلت في إعادة بناء نظام سياسي يستمد شرعيته من الإرادة الشعبية المطالبة بإعادة بناء التمثيل السياسي في إطار منظمة التحرير أولا عبر الانتخاب حيث أمكن، ويقوم على أساس القبول الشعبي ببرنامج كفاحي، أمام تعميق الأزمة الراهنة بصفتها أزمة شرعية مركبة، شقها الأول وجود كيانين سياسيين يداران بالتوافق لكنهما يفتقران إلى أبسط مقومات الشرعية، وشقها الثاني أحزاب وفصائل وأطر جماهيرية ذات مشروعية منقوصة، تمتد لتطال «حماس» ذاتها في ظلال خطابها السلطوي الجديد، حتى وإن اتفقت الفصائل على تأليف حكومة انتقالية قد يطول عمرها أبعد مما يعتقد البعض في حال عدم إجراء الانتخابات لأسباب وعقبات فلسطينية، أو إسرائيلية، قد تضاف إليها عوامل إقليمية ودولية.

لحل أزمة الشرعية، لا يمكن استمرار الالتفاف على وجوب بناء شرعية جديدة تقوم على تعزيز مصادر هذه الشرعية عبر الإرادة الشعبية في سياق إعادة بناء الحركة الوطنية ضمن منظمة التحرير التي تشمل كل المكونات السياسية والاجتماعية للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وبالاستناد إلى برنامج سياسي يعكس أهداف وطموحات الشعب ذاته. إن مثل هذه العملية تعني في الواقع إعادة بناء شرعية النظام السياسي، وهي تبدو مستحيلة من دون استعادة شرعية مكوناته الأساسية، وأهمها القوى السياسية، وفي مقدمتها حركة فتح.

وقد قدمت ثورتا تونس ومصر نموذجا عن فرض شرعية الإرادة الشعبية على أنقاض شرعية النظام السياسي القائم على الاستبداد وتزييف الإرادة الشعبية في صناديق انتخابات وهمية، كمصدر لفرض القبول به، حتى بانتفاء عنصر الرضا عنه في أوساط الرأي العام. وفي الحالة الفلسطينية، تعني ترجمة هذا الواقع استحالة نجاح «فتح» في إعادة بناء مصادر شرعية قيادتها للحركة الوطنية بمعزل عن اعتماد الإرادة الشعبية مكونا رئيسيا لبلورة إستراتيجية تعكس تطلعات الشعب في التحرر من الاحتلال والعنصرية وحق اللاجئين في العودة إلى الديار التي هجروا منها، وتعتمد على الوحدة الوطنية وإعادة بناء التمثيل الوطني في إطار منظمة التحرير، واعتماد خيار المقاومة بكافة أشكالها. مسار قد يكون قد فات زمن تبنيه من «فتح» مع استمرار بقاء السلطة على حالها، وعجز الإجابة عن أبسط أسئلة الشرعية في حالة التحرر الوطني: هل يمكن أن تنتهي الثورة وشرعيتها قبل أن تحقق أهدافها؟

كاتب وباحث مقيم في رام الله.