«فتـح» أمــام التحديـات

e-mail icon
«فتـح» أمــام التحديـات
جميل هلال
مقالات
-
الأحد, 8 آيار (مايو), 2011

أمام قيادة حركة «فتح» تحديات في غاية الخطورة. يتمثل أبرزها في دور الحركة في إعادة بناء الوحدة الوطنية، واعتماد إستراتيجية وطنية في مواجهة السياسة الإسرائيلية القائمة على الزحف الاستيطاني السريع وعلى ممارسة التطهير العرقي في القدس وغور الأردن. كما بات واضحا رفض قادة إسرائيل وقف الاستيطان وقبول بمرجعية حدود 1967 كحدود للدولة الفلسطينية، وهما ما طالبت بهما قيادة «فتح» /السلطة/ منظمة التحرير. ومن الواضح تماما أن حركة «فتح» تحتاج إلى تجديد بنيتها التنظيمية وتوضيح رؤيتها الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية إن هي أرادت الخروج من ترهلها التنظيمي ومن حالة عدم اليقين في مواقفها السياسية والتباس رؤيتها إزاء القضايا الاجتماعية والبنية الاقتصادية والموضوعات الفكرية والثقافية. ما سوف أتناوله هنا هو مسؤولية حركة «فتح» في ما يخص إعادة بناء الوحدة الوطنية ومسؤوليتها في بلورة إستراتيجية جديدة بعد الفشل المدوّي لإستراتيجية المفاوضات التي تبنتها قيادة «فتح»، ووصول إستراتيجية المقاومة المسلحة التي تبنتها حركة «حماس» إلى رفع شعار «التهدئة».

 

«فتح» ومسؤولية بناء الوحدة الوطنية

الكيفية التي ستتعامل بها قيادة حركة «فتح» مع وثيقة المصالحة الموقعة في أيار 2011 وما تبعها من لقاءات وترتيبات سيكون لها أثر حاسم في مستقبل الحركة السياسية الفلسطينية، وفي مصير حركة «فتح». ما من شك أن دوافع عدة وراء اهتمام قيادة «فتح» بمصالحة حركة «حماس»، منها ما يتصل بسيرورة الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية وما أبرزته الانتخابات التي جرت في أثرها من نتائج لمصلحة تيار جماعة الإخوان المسلمين؛ ومنها الاستياء الشعبي (والشبابي بشكل خاص) من استمرار الانقسام ووقعه التدميري على الحركة الفلسطينية؛ ومن أبرزها وصول المفاوضات مع إسرائيل إلى طريق مسدود تماما؛ ومنها توظيف الولايات المتحدة للانقسام (في مجلس الأمن) لمنع حصول نصاب للتصويت على طلب عضوية دائمة لفلسطين في الأمم المتحدة. وقد يكون من الاعتبارات ما أظهرته حركة «حماس» من قدرة على حكم قطاع غزة وعلى ضبط حدوده مع إسرائيل، الأمر الذي قد يثير مخاوف لدى البعض في حركة «فتح» من اعتبار «حماس» شريكا مقبولا في المفاوضات في حال جرى استبعاد قيادة «فتح» عن هذا الموقع. وهناك اخيرا، وليس آخرا، ما دخل على مواقف قيادة «حماس» السياسية (القبول باستراتيجية مقاومة شعبية سلمية، دولة على حدود العام 1967، وغير ذلك).

لقيادة حركة «حماس» دوافعها للانخراط في عملية مصالحة، منها ما يعود إلى ما دخل على حركة «حماس» من تحولات داخلية منذ سيطرتها على القطاع وتوليها زمام الحكم وما نتج عن ذلك من تأسيس بنية سلطوية (من السلطة) بما فيها من أجهزة أمنية وعسكرية وإدارية ذات بنية بيروقراطية وتراتبية مختلفة عن ما يسود في تنظيم جماهيري. لقد حصل تداخل بين الهيئات الحزبية وهيئات بيروقراطية السلطة، وهو بالعادة يقود لتغليب مصالح البنى البيروقراطية على مصالح التنظيم، وهو ما أصاب حركة «فتح» عندما تولت سلطة الحكم الذاتي عام 1994. لكن تولي «السلطة» في قطاع غزة أتاح لقادة حركة «حماس» فرصة لإثبات قدرتهم على حكم قطاع غزة، وهو ما طوّر ثقة بالقدرة على حكم غزة والضفة معا في حال فازت حركة «حماس» في انتخابات قادمة (إن جرت)، أو إن انهارت السلطة في الضفة الغربية لسبب أو لآخر. كما لا بد أن تكون قد تشكلت لدى قيادة «حماس» مخاوف من انهيار محور إيران ـ سوريا نتيجة ما يجري منذ آذار 2011 في سوريا، وبالتالي التوقف عن الرهان على هذا المحور، والانتباه للنجاح الذي حققته حركة الإخوان المسلمين في انتخابات تونس، والمغرب، ومصر، وما انكشف من استعداد أميركي ـ أوروبي للتعامل مع حكومات تقودها حركة الإخوان المسلمين، و«حماس» هي امتدادها في فلسطين.

إلى طهران بالقوة

ما إن عاد الإمام الخميني إلى إيران من فرنسا، حتى كان ياسر عرفات يستعد للذهاب إلى طهران، وحاول استئجار طائرة من شركة MEA لنقله بسرعة إلى طهران فلم يفلح. فغادر إلى دمشق، ومنها حاول الاتصال ببرج المراقبة في مطار طهران بلا جدوى. وكانت إيران أغلقت مجالها الجوي أمام الطيران المدني تحسباً لمخاطر غير متوقعة. ومع ذلك أمر طياره الخاص بالتحرك إلى مطار دمشق للسفر إلى طهران. وحاول مدير الطيران المدني في مطار دمشق ثنيه عن السفر لأنه لم يتلق إذناً بالهبوط في مطار طهران، لكن ياسر عرفات أصر على السفر. وما إن دخل المجال الجوي الإيراني حتى أحاطت به طائرات من طراز أف ١٥ وطلبت منه الهبوط الفوري وأطلقت نحوه بعض الطلقات التحذيرية. عند ذلك خلع كوفيته وراح يلوّح بها للطيارين الإيرانيين، فعرفوه ورافقوه إلى مطار طهران. قلة قليلة من الفلسطينيين لا تملك قناعة تامة بأهمية إنجاز المصالحة بين حركتي «حماس» و«فتح» باعتبارها شرطا ضروريا لإعادة تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس كفاحية وتمثيلية جديدة. ولذا فإن الشعب الفلسطيني سوف يقيّم خطوات المصالحة الوطنية بمدى خدمتها النضال الوطني الفلسطيني في مقاومة المشروع الإسرائيلي الذي لم تعد أهدافه خافية على أحد، وليس لمدى استجابتها للمصالح الفئوية لحركة «فتح» أو لحركة «حماس»، أو لغيرهما من الفصائل. وإن ما تبين أن قيادة حركة «فتح» تزن خطواتها نحو المصالحة بمقدار خدمة هذه لمصلحتها الفئوية فإنها ستفقد الكثير الكثير من صدقيتها أمام الشعب، ويسري هذا بالطبع على حركة «حماس».

يترتب على المصالحة الوطنية الجادة الاستعداد لمجابهة فعلية مع سياسة الدولة الاستعمارية الاستيطانية، وتصادم أيضا مع سياسة الولايات المتحدة، وذلك لأن كلا منهما ينظر إلى إعادة بناء حركة وطنية فلسطينية جديدة باعتباره موجها ضد سياستهما. فإنجاز عملية إعادة البناء هذه على أسس كفاحية يعني الاتفاق على رؤية موحدة وإستراتيجية عمل موحدة ضد نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وضد السياسة الأميركية الداعمة لهذا النظام والمعادية لتطلعات الشعب الفلسطيني. فلا مفر من إعادة صياغة إستراتيجية وطنية قادرة على استنفار قوى الشعب الفلسطيني في مختلف مواقعه، وتحشيد كل أشكال التضامن الشعبي العربي والإقليمي والدولي. فالقضية الفلسطينية هي قضية تحرر وقضية تقرير مصير وقضية حرية وعدالة. من هنا، فقيادة حركة «فتح» أمام اختبار تاريخي ليس فقط من حيث قدرتها على إنجاز الوحدة الوطنية، بل وكذلك من حيث انخراطها في صياغة إستراتيجية كفاحية بعد أن تبين فشل إستراتيجية المفاوضات.

هل ستتراجع «فتح» عن شروطها؟

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لحركة «فتح» هو تراجع قيادتها عن الأسس التي وضعتها لاستئناف المفاوضات الثنائية مع إسرائيل، وهي أسس، لا تتعدى أن تكون متواضعة جدا إن أردنا أن نستخدم لغة دبلوماسية؛ فهي تطالب بوقف الاستيطان وليس بإزالة المستوطنات، وتدعو إلى اعتماد حدود حزيران 1967 كمرجعية لحدود الدولة الفلسطينية العتيدة، وليس حدود ما قبل 1948 ولا قرار التقسيم للعام 1947. وهي لا تشترط إقرار إسرائيل بحق اللاجئين العودة إلى الديار التي شردتهم إسرائيل منها، ولا بإقرارها بالقدس عاصمة لدولة فلسطينية، ولا باعتماد قرارات الأمم المتحدة ذات الشأن كمرجعية الوحيدة للمفاوضات. هنا كان للأخبار عن لقاءات فلسطينية ـ إسرائيلية (في الثالث من كانون الثاني) أولا بحضور «الرباعية» ثم بدونها، والاتفاق بعد ذلك على لقاءت أخرى وقع سيء للغاية، لأنه يشير إلى استعداد من قيادة «فتح» لتمييع الموقف الفلسطيني ويشي بأنها قد تعود للمفاوضات من دون الأخذ بالأساسيين الرئيسين اللذين أعلنت التزامها بهما، وأنها قد تنساق لسياسة إسرائيلية - أميركية جديدة في المماطلة والتسويف، بحيث لا تعود هناك محطة فاصلة بين مرحلتين (والتي أعلن رئيس السلطة الفلسطينية أنها السادس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 2012). إن هذا سيكون له نتائج وخيمة على حركة «فتح». كما أنه سيعني تقويضا لاتفاق المصالحة ولجدول خطواتها كما اتفق عليها.

لقاءات عمان تشي بالاستعداد للعودة إلى سياسة انتظارية اعتمدتها قيادة «فتح» منذ أيلول الماضي وما زالت سارية حتى كتابة هذه السطور تحت شعار انتظار مصير مبادرة اللجنة الرباعية، والتي تنتهي مهلتها في 26 من كانون الثاني/ يناير 2012، والخشية أن نشهد مناورة جديدة لتمديدها تحت مسميات جديدة في حين تستمر إسرائيل في سياسة فرض الأمر الواقع. إن سلوكا كهذا سوف يُقرأ، وبحق، من القوى السياسية والمدنية الفلسطينية بأن قيادة «فتح» ليست مستعدة لاعتماد إستراتيجية جديدة بدأتها بطلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، متحدية بذلك سياسة الولايات المتحدة الأميركية المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني، ومتحدية سياسة إسرائيل الاستعمارية العنصرية. لكن الخطوة في الأمم المتحدة كانت خطوة معزولة عن إستراتيجية مواجهة متكاملة، وحان الوقت لصياغتها، وعلى حركة «فتح» أن تشارك بقوة في تحديد بنودها وتفاصيلها.

إستراتيجية المقاومة الشعبية

من السهل جدا أن تفقد حركة «فتح» ما كسبته من تأييد شعبي بعد خطاب رئيس السلطة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذا تقاعست عن المشاركة الفعالة في إعادة بناء الوحدة الوطنية ومؤسساتها، وإذا عادت للمفاوضات الثنائية بشروط إسرائيل والولايات المتحدة. التأييد الواسع لخطاب محمود عباس، مصدره اعتماده، إلى حد كبير، الرواية التاريخية الفلسطينية وليس خطاب أوسلو. ومن السهل أن تفقد خطوة انضمام فلسطين كعضو كامل في منظمة «اليونسكو» في خريف العام الماضي مغزاها، إذا ما تم التخلي عما تضمنته من استعداد لخوض نضال دبلوماسي وحقوقي واسع في الأمم المتحدة والمحافل الدولية لعزل إسرائيل وكشف ازدواجية مواقف وسياسة الولايات المتحدة.

العودة إلى المفاوضات الثنائية على غير الأسس التي اتفق عليها من القيادات الفلسطينية سوف تعني تعطيل المصالحة، وتعطيل صوغ إستراتيجية جديدة قوامها المقاومة الشعبية التي بدا وكأن جميع القوى السياسية الفلسطينية وافقت على اعتمادها بعد فشل «إستراتيجية» المفاوضات كما مورست من قبل قيادة «فتح»، ووصول «إستراتيجية» المقاومة المسلحة كما مورست في السنوات الأخيرة إلى طريق مسدود. العودة إلى المفاوضات الثنائية تعني أيضا العودة إلى الرهان على الولايات المتحدة مع كل ما أبدته وتبديه من عداء للشعب الفلسطيني ومن دعم سياسي ومادي وعسكري للدولة العنصرية. وسوف تكون من نتائج ذلك العودة إلى التصارع الفلسطيني وشل الحركة الفلسطينية تماما.

الأكثر جدوى ونفعا للنضال الوطني الفلسطيني هو تولي القوى السياسية (ومن ضمنها حركة «فتح») الانخراط في ترجمة شعار المقاومة الشعبية الذي وافق عليه، كما يبدو، جميع القوى الفلسطينية، إلى إستراتيجية نضالية انطلاقا من فهم أن المقاومة هي فعل شمولي (سياسي، دبلوماسي، اجتماعي، ثقافي، تنظيمي)، وتحمل أشكالا كفاحية متنوعة تشمل مقاطعة البضائع الإسرائيلية، ومقاومة التطبيع، وقد تشمل العصيان المدني والإضراب وتسيير المظاهرات والمسيرات، والإضرابات، واستخدام الفضاء الإلكتروني، ومطاردة إسرائيل في المحافل الدولية والقضائية، وحضورا فلسطينيا فاعلا في المنابر والمحافل الإقليمية والدولية، وهي لا تستثني استخدام المقاومة المسلحة في المكان والزمان الملائمين. وحتى تصبح المقاومة الشعبية إستراتيجية فاعلة لا بد أن تربط بأهداف سياسية، ولا بد أن تتسع لمشاركة مختلف مواقع الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة وخارجها.

باحث وكاتب مقيم في رام الله.