«فتــح» بيـن النجــاح والفشـل

e-mail icon
«فتــح» بيـن النجــاح والفشـل
أيمن شاهين
مقالات
-
الأحد, 8 آيار (مايو), 2011

تصادف هذه الأيام الذكرى السابعة والأربعين لإنطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»،ففي الأول من كانون ثاني/يناير 1965مانطلقت «فتح» متحدية واقع الشتات الفلسطيني الصعب، وواقع التجزئة والانقسام العربي, والنظام الدولي الظالم المنحاز لإسرائيل.منذ إنطلاقتها،خاضت «فتح»النضال بكل أشكاله المسموح بها والمحظورة، من العمل السياسي إلى الكفاح المسلح. وعملت على تنظيم وتسليح الشعب العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة والشتات، مقاتلاً ومعبأً بعدالة قضيته الوطنية وحقوقه المشروعة. لقد وضعت «فتح» ومنذ تأسيسها هدف واحد، وهو تحرير فلسطين، وأخضعت كل تحالفاتها وإمكانياتها وقدراتها للوصول للهدف.

 

في 13 أيلول/سبتمبر 1993م، وقعت منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل اتفاق إعلان المبادئ (إتفاق أوسلو)، بموجب هذا الاتفاق تأسست السلطة الوطنية الفلسطينية في 4 أيار/مايو 1994م. لقد بدأت «فتح» مرحلة نضال جديدة، من الثورة إلى السلطة، إنها من قادت الثورة وهي من سيقود السلطة. ولكن مرحلة السلطة تختلف جذريا عن مرحلة الثورة. فوجدت «فتح» نفسها مسؤولة عن كل تفاصيل حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة من صحة وتعليم وزراعة وصناعة واقتصاد ومواصلات واتصالات وبلديات، وتوفير فرص عمل وكل متطلبات المواطن الفلسطيني الحياتية. هذه السلطة لم تكن سلطة الدولة المستقلة ذات السيادة، بل كانت سلطة حكم ذاتي تتداخل في مجال عملها إسرائيل بكل التفاصيل تقريباً. وهذه المرحلة كانت اختباراً كبيراً لـ«فتح» وقائدها المؤسس ياسر عرفات.

لست بصدد ذكر سلبيات أو إيجابيات أوسلو، أو لماذا وقعت منظمة التحرير الفلسطينية التي تقودها وتتحكم في قرارها «فتح»اتفاق أوسلو، ولكن السلطة الفلسطينية أصبحت واقعاً قائماً على جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وأصبحت مسؤولة عن كل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء فلسطيني القدس.مع وجود السلطة الفلسطينية تشكل نظام سياسي جديد له سلطاته الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

أجرت السلطة الوليدة أول انتخابات رئاسية وتشريعية في العام 1996م وبإشراف عربي ودولي وتمت بأجواء ديمقراطية وبدون تزوير، وقاطعت الفصائل السياسية الرئيسية الانتخابات بسبب إاعتراضها على اتفاق أوسلو، ولأن الانتخابات هي نتاج هذا الاتفاق المرفوض من وجهة نظرهم، فكل تبعياته مرفوضة أيضاً. كانت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية أكثر من 80%،حيث فاز الشهيد ياسر عرفات بأغلبية كبيرة من أصوات المقترعين لانتخابات رئاسة السلطة الوطنية، وحصد مرشحو «فتح» أغلب المقاعد في المجلس التشريعي.

وبسبب رفض كبرى الفصائل الفلسطينية الإسلامية (حماس) والوطنية (الجبهتان الشعبية والديمقراطية) لاتفاق أوسلو، ورفضها المشاركة بالانتخابات وفي بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، وكنتيجة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، أُتيح لـ«فتح» لوحدها تقريباً أن تبني السلطة الوطنية الفلسطينية بالطريقة التي تريدها، وهيمنت بشكل كامل على مؤسسات هذه السلطة.

أنشأت السلطة مؤسسات أمنية متعددة كالشرطة والأمن الوطني والأمن الداخلي والمخابرات العامة والاستخبارات العسكرية والبحرية وغيرها.استوعبت هذه الأجهزة عشرات الآلاف في صفوفها من الشباب الفلسطيني،خصوصاً كوادر وأعضاء «فتح»، وسيطرت الحركة سيطرة كاملة على قيادة هذه الأجهزة. أُنيط بهذه الأجهزة حفظ النظام العام، وتنفيذ إلتزامات السلطة الفلسطينية تجاه اتفاق أوسلو فيما يتعلق بمنع أي أعمال ضد إسرائيل. ولم تخل ممارسات الأجهزة الأمنية من السلبيات والتعدي على الحريات حسب تقارير منظمات حقوق الإنسان العاملة في أراضي السلطة الفلسطينية.

أما في مجال بناء المؤسسات والوزارات المدنية الفلسطينية، فعملت السلطة الفلسطينية على بناء الوزارات المختلفة، تبوأت قيادات «فتح» أعلى المناصب الإدارية في بيروقراطية السلطة الفلسطينية.وحققت هذهالمؤسسات والوزارات إنجازات مهمة في مجالات معينة في الوطن الفلسطيني،وأخفقت في غيرها، واتهم عدد من مؤسسات وقيادات هذه المؤسسات بالفساد الإداري والمالي، منها ما هو صحيح ومنها ما كان جزءا من حرب عليها سواء من المعارضة الفلسطينية أو إسرائيل. ولكن غياب مبدأ المحاسبة في مؤسسات السلطة الفلسطينية أوجد إنطباعاً بأن كل ما يكال من اتهامات هو حقيقي، ولم يحاسب أحد ممن أساء للشعب الفلسطيني. منذ الانقسام الفلسطيني في حزيران/يونيو 2007م، ترأس سلام فياض الحكومة الفلسطينية، وقد امتدحت الدول المانحة ومؤسسات مالية دولية، مثل البنك الدولي، أداء حكومة فياض، خصوصاً ما يتعلق ببناء المؤسسات والشفافية، ووضعت ميزانية السلطة الفلسطينية على الموقع الإلكتروني لوزارة المالية.

وفي ظل الانخراط في عملية بناء السلطة الفلسطينية،أولت»فتح» جل الاهتمام لعملية البناء هذه على أساس أنها اللبنة الأولى لإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، الذي أساسه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. تداخلت في هذه المرحلة مؤسسات السلطة ومؤسسات «فتح» التنظيمية، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الطرفين.

لم تستمر مرحلة بناء السلطة الفلسطينية طويلاً، فمع فشل مفاوضات كامب ديفيد لإيجاد حل نهائي للقضايا العالقة الأساسية مع الإسرائيليين في تموز/يوليو 2000م وإندلاع انتفاضة الأقصى بقرار من الشهيد عرفات في أيلول/سبتمبر 2000م، خاضت «فتح» مرحلة جديدة من النضال الوطني لم يُعَدُ لها جيداً، حيث أوضاعها التنظيمية مرتبكة ومأزومة. لقد أخطأت «فتح» عندما اعتقدت أن السلطة الناشئة ستستمر بدون معوقاتحتى الوصول للدولة المستقلة، ولم تأخذ في حساباتها أن العملية السلمية قد تنهار في كل لحظة أمام التعنت الإسرائيلي.لم تَعُدُ«فتح» العُدة لمثل هذا الاحتمال، والذي من الممكن ان تقوم به إسرائيل بتدميرمؤسسات السلطة الأمنية منها والمدنية، وهذا ما حصل بالفعل حيث اجتاحت إسرائيل مدن الضفة الغربية عام 2002م فيما عرف بعملية «السور الواقي»، وقامت بمحاصرة الرئيس عرفات حتى اغتالته في نهاية 2004م.

لم تنجح «فتح» إلى اللحظة في تحويل مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية إلى مشرع دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأرض الفلسطينية في حدود 1967م، ويعود ذلك إلى عدد من الأسباب، وهي:

أولاً: القيود التي فرضتها الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، سواءً الاتفاقيات السياسية أوالاقتصادية. فعلى الصعيد السياسي، أخذت الاتفاقيات أبعاداً أمنية متعددة، حتى أن الأمنى طغى على السياسي. أما الاتفاقية الاقتصادية (بروتوكول باريس 1994م)، فقد قلصت من إمكانية نمو وتطور الاقتصاد الفلسطيني وأخضعته للاقتصاد الإسرائيلي ولم تتم عملية مراجعة لها حسب نص الإتفاقية.

ثانياً: رغم إجحاف الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، إلاّ أن الحكومات الإسرائيلية لم تلتزم بما جاء بهذه الاتفاقيات، وتنصلت من تنفيذ الكثير من بنودها،وعملت على تفسير كثير من بنود الاتفاقيات حسب أهوائها، وحاولت فرض تحويلالمرحلة الانتقالية المؤقتة والتي مدتها من 3-5 سنوات (حسب إعلان المبادئ) إلى اتفاق نهائي.

ثالثاً: تقويض وتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية الأمنية والمدنية ومحاصرتها سياسياً واقتصادياً، وشل عملها، وإظهارها بمظهر العاجز عن تلبية متطلبات مواطنيها في الأمن والاستقرار والنمو، بل والعمل على إفقارها وإفقار شعبها وتدمير البنية التحتية للفلسطينيين.

رابعاً: وجود معارضة فلسطينية ذات طابع حزبي أكثر منه وطنيا،حيث حاولت هي الأخرى تدمير مشروع السلطة الفلسطينية، حيث لم تر هذه المعارضة في هذا المشروع بأنه الخطوة الأولى التي يمكن البناء عليها نحو الخلاص من الاحتلال. حاولت المعارضة الفلسطينية تقويض السلطة بشن هجمات عسكرية ضد الإسرائيليين، لأن الرد الإسرائيلي كان معروفاً،بمزيد من الضغط على السلطة وعدم الإلتزام بالاتفاقيات الموقعة،وهنا استغلت إسرائيل الظرف كحجة لسلوكها تجاه السلطة الفلسطينية. بل انتهى الأمر بسيطرة «حماس» على قطاع غزة في 14 حزيران/يونيو 2007م, مما أفقد السلطة الفلسطينية قوة حقيقية في إنجاز مشروعها الوطني.

خامساً: لم تولِ «فتح» الكثير من الجهد لتقوية وتعزيز مؤسستها التنظيمية،انتظاراً ليوم مواجهة عسكرية مع إسرائيل أو خصمها السياسي.

لا يزال مشروع السلطة الفلسطنية قائماً إلى اللحظة، ولكنه لم يصل لإنجاز مشروع الدولة المستقلة ذات السيادة، ولكن مما لاشك فيه أن «فتح» قد دشنت مشروع السلطة، والتي أصبح استمرارها وبقاؤها حاجة إقليمية ودولية، ويمكن استثمار هذه الوضعية من أجل الوصول للهدف الوطني وهو إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على حدود الأرض التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران 1967م. إن الشهور والسنوات القادمة ستكون شاهداً على نجاح أو فشل المشروع الوطني لحركة «فتح».

÷ رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر، غزة.