«هكذا تبدأ النكبة»!

e-mail icon
«هكذا تبدأ النكبة»!
نهلة الشهال
مقالات
-
الأحد, 30 تموز (يوليو), 2017

تساحي هانغبي، وزير التطوير الإقليمي ووزير الاتصالات الإسرائيلي بالوكالة عن ليكود، كتب في صفحته على فايسبوك منذ أسبوع مخاطباً الفلسطينيين: «تذكروا 1948، وتذكروا 1967، هي بدأت بقادة متعصبين دينياً يعتبرون أن الله وعدهم بالعالم كله...»، وأكمل بهذيان مماثل لا صلة له بأي رواية تاريخية، بما فيها تلك المعتمدة من إسرائيل نفسها. وبالطريق، نعت «الكتلة الفلسطينية» بـ «الجاهلة» والحالمة بالاستشهاد

الوزير كان يهدد بمناسبة مقتل ثلاثة مستوطنين في حَلَميش غرب رام الله، وهي مستوطنة يحيط بها الجدار الذي بناه الإسرائيليون لمنع تسلل الفلسطينيين، قائلاً: «هكذا تبدأ أي نكبة»

يستخدم الوزير الإسرائيلي مفردة «النكبة» وكأنها تعبير محايد، واضعاً إياها مع ذلك بين مزدوجين، ربما تحفظاً عليها. وهو بذلك يسطّح حمولتها، موظفاً إياها للدلالة فحسب على معنى الكارثة الجسيمة التي لحقت بالفلسطينيين. كما يخرجها من أي سياق تاريخي، فيساوي بين 1948 و1967، بينما هما حدثان مختلفان، واحد تأسيسي يكرس قيام إسرائيل، وتختص به المفردة لهذا السبب، بينما لم يسبق أن وُصفت 1967 بالنكبة، بغض النظر عن المأساة التي عنتها تلك الهزيمة للفلسطينيين وخسارتهم لما كان تبقى من فلسطين التاريخية. في الأولى جرى طرد 780 ألف فلسطيني يمثلون أكثر من نصف عدد الفلسطينيين يومها (مليون و400 ألف)، بقي منهم 150 ألفاً في المناطق التي قامت عليها إسرائيل وقتها («عرب 1948»). وفي النكبة ارتكبت أكثر من 50 مذبحة موثقة تاريخياً وقتل أكثر من 15 ألف فلسطيني، واحتل 78 في المئة من مجمل مساحة فلسطين التاريخية، وانضمت الضفة الغربية إلى الأردن، وغزة إلى مصر.

إثر هزيمة 1967، طرد 300 ألف فلسطيني (نصفهم من لاجئي 1948 في الضفة الغربية) واحتُل ما تبقى منها، بما فيه القدس الشرقية التي نُظِّم في شأنها اتفاق خاص يضع الحرم الشريف تحت إدارة الوقف الإسلامي (حينذاك فاوض الأردنَ في شأنه موشي دايان، ويشار إليه بتعبير «الحفاظ على الستاتيكو»). وهو بقي سارياً حتى بعدما قررت إسرائيل ضم القدس الشرقية إليها واعتبارها «عاصمتها الأبدية» في 1980، في تشريع رفضته الأمم المتحدة، ودانته بقرارات صادرة عنها.

أي من «النكبتين» لم تبدأ «هكذا» إذاً! لكن الوزير الإسرائيلي يظن أنه يخاطب أناساً بدائيين بعقول أطفال، فيضيف: «وحين يريد المرء إيقافها يكون قد فات الأوان لأنها تكون قد انطلقت أصلاً»، كما بالنسبة لفيضان مثلاً أو حريق!

المهم في كلام هانغبي هو الاستنتاج: «سيؤدي مسلسل العنف إلى دفع إسرائيل للقيام بطرد جماعي كثيف آخر أو نقل الفلسطينيين»، مخاطباً إياهم: «دفعتم ثمناً مجنوناً مرتين من أجل قادتكم» (مطلِقاً على هؤلاء أبشع النعوت)، ومنهياً بـ «لا تجربونا مرة جديدة، فالنتيجة لن تكون مختلفة»، وبعدها: «ها قد أُنذِرتم!». الخلاصة هذه التي يصل إليها تعادل التهديد بالتطهير العرقي، وتقع بالتأكيد في نطاق مواصفات جريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية معاً. ومن اللافت أن الوزير لم يتعرض لأي مساءلة جراء خطابه ذاك، لا من حكومته ولا من أية جهة، ما يدل على أن الإسرائيليين صاروا يقولون ما يروق لهم ويخطر ببالهم، بلا تبعات عليهم، ولا مسؤولية.

 

هكذا دعا مسؤول إسرائيلي آخر، أكثر جدية وثقلاً من هانغبي ذاك، هو جلعاد إردان وزير الأمن الداخلي، الحكومة الإســرائيلية لفحص إمكانية هدم منازل منفذي عملية الأقصى، وهم من أبناء أم الفحم ويحملون الجنسية الإسرائيلية، مؤيداً الإجراء. لكنه حين سُئل عن إنزال عقوبة مماثلة بالإسرائيليين الذين يرتكبون جرائم قتل إرهابية، رفض ذلك باعتبار أنه «لا ظاهرة واسعة هنا»، وأيد قرار المحكمة الإسرائيلية العليا برفضها قبل شهر، وبعد عام من المداولات، لطلب هدم بيوت المستوطنين الثلاثة الذين اختطفوا وعذبوا الفتى المقدسي محمد أبو خضير في 2014 وأحرقوه حياً، وهي الدعوى التي تقدمت بها عائلته، بعدما دين المستوطنون بالجريمة.

والاستنساب في تفسير القانون لا يتوقف على المسؤولين، بل يطاول حتى كبار القضاة. فالقاضي روبنشتاين، رئيس تلك المحكمة العليا، برر قراره برفض طلب الهدم بالفترة الطويلة التي انقضت بين تنفيذ عملية القتل وبين الطلب، وكأن التوصيف القانوني للجريمة يتغير تبعاً لعدد الأشهر! وهو، على رغم إقراره بأن الصلاحية المعطاة لوزير الجيش الإسرائيلي بهدم بيوت منفذي «العمليات العدائية» تشمل اليهود والفلسطينيين، عاد فاعتبر أنه «يجب النظر إلى كل حالة بموجب ظرفها».

ولعله يمكن على ضوء سيادة الاعتباط والاستنساب، فهم الصمود الفلسطيني على الرفض القاطع للصلاة في الأقصى قبل إزالة كافة الإجراءات التي وضعت حوله، بعد مقتل شرطيين إسرائيليين فيه على يد هؤلاء الشبان الثلاثة، والاحتجاج الواسع الذي استمر أسبوعين ونجح في حمل السلطات الإسرائيلية على التراجع خشية تفاقم الموقف وإفلاته من تحكم إسرائيل بمجرياته (كما أشار إلى ذلك مدير الشرطة عند إزالة البوابات، وهو الذي دافع بالأصل عن نصبها معتبراً أنه «يمكن فرضها»). كما فهمه على ضوء خشية الفلسطينيين من تكرار ما نتج من جريمة باروخ غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي بالخليل في 1994، وأدى إلى تقسيم المكان «المتنازع عليه»، مع حيازة اليهود على أغلبه ومع منع رفع الأذان فيه، وهو السائد مذاك. وبما أن الإسرائيليين يعتبرون الحرم القدسي لهم (كما كرر أكثر من مسؤول سابقاً وفي الأيام الأخيرة)، وبما أنهم نظموا أصلاً وتدريجياً تقسيمه زمنياً بحيث يدخل اليهود اليوم للصلاة فيه صباحاً بين السابعة والحادية عشرة، وبما أنهم يستبيحونه بمناسبة أو من دونها، ويغلقون البوابات متى يشاؤون، ويستمرون في الوقت نفسه بحفرياتهم حوله وفي أساساته... كان متوقعاً، لولا رد الفعل الفلسطيني ذلك، أن يُستغل حادث قتل الشرطيين لمصادرته بحجة ممارسة «السيادة الإسرائيلية الكاملة» عليه، كما صرح المسؤولون الإسرائيليون، وأن تُقنن بسرعة وسهولة وبضربة واحدة، إجراءات فعلية متخذة فيه في شكل متصاعد، ولكنها تسير ببطء.

... سيتم حتماً التخطيط لـ «استيعاب» التراجع الذي اضطرت إليه إسرائيل، وذلك بالتفكير بخطط جديدة لتنفيذ السيطرة على الأقصى، وبمضاعفة القمع والإجراءات التنكيلية. وهكذا فالمنجز المتحقق اليوم لا يغلق باب الصراع، بل لعله سيضاعف كثافته.