أربعة أعوام على حصول فلسطين على دولة "مراقب" في الأمم المتحدة

e-mail icon
أربعة أعوام على حصول فلسطين على دولة "مراقب" في الأمم المتحدة
محمد عز الدين حمدان
تقدير موقف
-
الخميس, 27 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2016

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*******

 مقدمة

حصلت فلسطين على مركز دولة غير عضو لها صفة المراقب في الأمم المتحدة وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (67/19) للعام 2012 ، الأمر الذي يمنحها أحقية التقدم بطلب الانضمام إلى عضوية الوكالات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، والعديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية العامة، إضافة إلى تحقيق جملة من المكاسب السياسية والقانونية. ومع مرور أربعة أعوام، يصبح من المبرر التساؤل: إلى أي مدى استفادت القيادة السياسية الفلسطينية من النتائج التي ترتبت على ترقية عضوية فلسطين إلى دولة مراقب في الأمم المتحدة؟

انضمت فلسطين إلى العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية العامة، والوكالات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، من أهمها "ميثاق روما" المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، في حين اكتفت القيادة بإجراءات شكلية بالنسبة لتجسيد مؤسسات الدولة الفلسطينية.

لقراءة الورقة أو تحميلها بصيفة PDF اضغط/ي على هذا الرابط 

 التدرج التاريخي لمكانة فلسطين في الأمم المتحدة

يعتبر قرار التقسيم رقم (181) للعام 1947 أول اعتراف دولي لإنشاء الدولة الفسطينية، وذلك بنصه على أن "تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان العربية واليهودية" ، وبدأ الرأي العام الدولي يهتم بالقضية الفلسطينية بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964، حيث أصدرت الجمعية العامة القرارين رقم (3210)  و(3237)  للعام 1974، لتؤكد بأن المنظمة هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ولتمنحها مركز المراقب في الأمم المتحدة، إضافة إلى القرارين رقم (160/43)  و(177/43)  للعام 1988، لتقرر بأن يستعمل لفظ "فلسطين" بدلًا من "منظمة التحرير الفلسطينية" دون المساس بوضعية المنظمة في الأمم المتحدة.

نقلت القيادة الفلسطينية في العام 2011 ملف القضية مجددًا إلى الأمم المتحدة، وذلك بسبب توقف المفاوضات، ووصول العملية السلمية إلى طريق مسدودة، إذ "تقدم رئيس دولة فلسطين، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس بتاريخ 23/9/2011 بطلب للحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة" ، وانتهت اللجنة المعنية بقبول الأعضاء الجدد في مجلس الأمن بتاريخ 11/11/2011 بعدم توافق أعضاء المجلس بالإجماع على الطلب، في حين "حصلت فلسطين على توصية من المجلس التنفيذي لليونسكو برفع مكانتها من عضو مراقب إلى العضوية الكاملة بتاريخ 31/10/2011" ، ما دفع القيادة الفلسطينية للتقدم بطلب الحصول على عضوية الدولة المراقب في الأمم المتحدة، حيث أصدرت الجمعية العامة القرار رقم (67/19) للعام 2012 ، لتمنح فيه فلسطين صفة دولة غير عضو "مراقب".

 

 المكاسب السياسية والقانونية

منح القرار دولة فلسطين الحق الكامل في الانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية العامة، وإلى كافة المؤسسات الدولية المتخصصة، ما يتيح للفلسطينيين الاستفادة من الآليات التعاقدية وغير التعاقدية لعزل دولة الاحتلال الإسرائيلي، وإدانتها، ومقاطعتها، ومحاسبتها، وصولًا إلى تجسيد الدولة الفلسطينية، حيث أدى حصول فلسطين على صفة دولة مراقب إلى إكسابها مجموعة من الحقوق، من ضمنها قدرتها على أن تصبح عضوًا في المؤسسات الإقليمية والدولية العامة، وطرفًا في الاتفاقيات الدولية العامة، والدخول في علاقات ديبلوماسية كاملة.

ومنح القرار دولة فلسطين أيضًا مجموعة من المكاسب السياسية، من بينها وضع حد للمزاعم الإسرائيلية بأن الأراضي الفلسطينية هي أراضٍ متنازع عليها، وتأكيد جديد لكافة قرارات الأمم المتحدة السابقة على أنها أراضٍ فلسطينية محتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس الشرقية .

كما حظيت دولة فلسطين على صفة الدولة في النظام القانوني الدولي، الأمر الذي يجعلها تمتلك وضعًا أفضل يمكّنها من المطالبة بحقوقها من المجتمع الدولي، وخاصة فيما يتصل بالوسائل التي تمكّنها من ممارسة الحق في تقرير المصير، وتحقيق عدد من المكاسب الإستراتيجية المرتقبة في حال قررت القيادة الفلسطينية ممارسة الضغط على المجتمع الدولي لكي يمتثل للمسؤولية الملقاة على عاتقه، التي يمليها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي بشأن مسؤولية الدول، والمادة الأولى المشتركة في اتفاقيات جنيف، في وضع حد لمخالفات دولة الاحتلال الإسرائيلي لقواعد القانون الدولي وأحكامه.

 

 الخطوات الفلسطينية الفعلية بعد الحصول على قرار (67/19)

قامت القيادة الفلسطينية إثر الحصول على القرار بالانضمام إلى المعاهدات والاتفاقيات الدولية العامة، حيث وقعت فلسطين على (33) معاهدة واتفاقية دولية، من أهمها: اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، وبروتوكولها الأول للعام 1977، واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات للعام 1969، واتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية للعام 1961، واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية للعام 1963، والعهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، واتفاقية حقوق الطفل للعام 1989، ونظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998، إضافة إلى تقديم طلب للأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف لبحث موضوع فرض حماية للمدنيين ، وترقية مكانة دولة فلسطين الديبلوماسية.

وحصلت فلسطين بناء على العضوية بصفة مراقب على قرار برفع العلم الفلسطيني في مقار الأمم المتحدة، واتخاذ بعض الخطوات السياسية والديبلوماسية لضمان اعتراف بعض الدول، وخاصة الأوروبية، بدولة فلسطين، إضافة إلى القيام بمجموعة من الخطوات الدولية التي ظهرت آثارها في رفع تمثيل دولة فلسطين في عدد كبير من الدول.

كما شجع القرار على توسيع اتخاذ إجراءات في العديد من بلدان العالم ضد بضائع المستوطنات، حيث أصدر الاتحاد الأوروبي قرارًا بوسم بضائع المستوطنات بوسم خاص، إضافة إلى استدعاء عدد من الدول الأوروبية لسفراء دولة الاحتلال الإسرائيلي، واعتراف بعض البرلمانات الأوروبية بدولة فلسطين، وكسب مزيد من التعاطف والتضامن الشعبي والرسمي مع حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. وإلى جانب ذلك، أتاح القرار للفلسطينيين الحصول على مزيد من قرارات الإدانة للاحتلال الإسرائيلي، واستثمار بعض الآليات التي أتاحها انضمام دولة فلسطين إلى الاتفاقيات الدولية.

أما على مستوى تجسيد مؤسسات الدولة وتعزيز انتقال السلطة إلى مستوى الدولة، فكانت الإجراءات أقرب إلى الإجراءات الشكلية منها إلى الخطوات الفعلية، حيث اكتفت القيادة السياسية باستبدال ترويسة المخاطبات بدلًا من السلطة بالدولة، إضافة إلى دراسة إصدار جوازات سفر خاصة، ولكن الإجراءات الإسرائيلية أعاقت ذلك.

 

 الحد الأدنى

يمكن القول إن موقف القيادة السياسية الفلسطينية قد اكتفى بالحد الأدنى من الاستفادة من حصول فلسطين على مكانة الدولة بصفة مراقب، وذلك بسبب الضغوطات الإسرائيلية والأميركية على وجه التحديد، وأظهر ذلك مدى غياب الرؤية الإستراتيجية الوطنية للتعاطي مع المكاسب القانونية والسياسية وفق إستراتيجية متكاملة تقوم على تدويل الصراع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى استمرار رهان القيادة السياسية على المفاوضات، وعدم سعيها الجدي للتحلل من التزامات اتفاقيات أوسلو، وعدم قيامها بأي إجراءات فعلية على الأرض، مثل إصدار قانون الجنسية، أو القيام بإصدار جوازات سفر، أو عملة فلسطينية، أو أي خطوات سياسية سيادية، مثل حل السلطة، أو إعادة النظر في شكلها ووظائفها، والتحلل من التزامات اتفاق أوسلو، ولو بشكل تدريجي، أو تغيير مؤسسات السلطة لتصبح مؤسسات دولة، من قبيل الدعوة لانتخاب برلمان دولة بدلًا من مجلس تشريعي للسلطة. كما لم يتم استعادة الوحدة الوطنية في إطار الكفاح من أجل الدولة.

يبدو أن خشية السلطة من ردود الفعل الإسرائيلية والأميركية الرافضة للخطوات التي قام بها الفلسطينيون قد أوقفها عن مواصلة تلك الخطوات، "فقد ردت دولة الاحتلال الإسرائيلي على قرار منح فلسطين دولة مراقب بالعديد من الإجراءات المضادة، فاعتبرت هذا القرار خرقًا لاتفاقات أوسلو، ورفضت الاعتراف بالسيادة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية المحتلة، وشنت حملة إعلامية تتهم فيها القيادة الفلسطينية بتقويض وإفشال عملية السلام، واتخذت إجراءات استيطانية توسعية، وخاصة في القدس الشرقية المحتلة. كما قامت بحجز العائدات الضريبية الفلسطينية، وعملت على استفزاز وإحداث تدهور في الوضع الأمني، وتشديد وتعليق بعض التصاريح الممنوحة للفلسطينيين، والقيام بحملة دولية مضادة على الفلسطينيين" .

كما اتخذت الإدارة الأميركية مجموعة من الخطوات، من بينها التلويح بوقف تمويل السلطة الوطنية استجابة لقرار صادر عن الكونجرس، وممارسة ضغوط جدية على القيادة الفلسطينية لوقف ما أسمته بالخطوات الأحادية ، حيث اعتبرت حصول فلسطين على العضوية الكاملة في اليونسكو من هذه الخطوات، فسارعت إلى الإعلان عن توقف دعم وتمويل اليونسكو، ما يعني خسارتها حوالي 22% من موازنتها السنوية .

تراجعت مكانة القضية الفلسطينية في ظل الانقسام الفلسطيني والانشغال العربي والدولي بما يحدث من صراعات في الإقليم، الأمر الذي أثّر على السياسة الرسمية الفلسطينية التي أخذت طابع المراوحة ما بين التردد والتخبط والانتظار، دون التحرك الفعلي لتعظيم الفائدة السياسية والقانونية الفلسطينية من حصول فلسطين على مكانة الدولة بصفة مراقب.

ويعزز ما سبق اكتفاء السلطة، وبعد تأخير دام أكثر من عام، بالانضمام إلى "ميثاق روما" المؤسس للمحكمة الجنائية، واختيار دعم مسار التحقيق الأولي للمدعي العام للمحكمة دون التقدم بملفات مباشرة لها، وعدم استخدام مبدأ الولاية القضائية الدولية، بما فيها تهيئة القضاء الوطني الفلسطيني للشروع في إجراءات جدية لمحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي على الانتهاكات الجسيمة التي اقترفوها بحق الشعب الفلسطيني، إضافة إلى عدم التقدم بمشاريع قرارات للجمعية العامة لتعزيز حملة المقاطعة للاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب الاستمرار في عدم تقديم طلبات الانضمام إلى الأجسام الدولية الأخرى للاستفادة مما يتيحه ذلك من آليات لعزل وإدانة الاحتلال الإسرائيلي، أو حتى توفير الحماية للشعب الفلسطيني.