أسماءُ نسائنا: "الشرف السمج"... والقيعان المتلاحقة!

e-mail icon
أسماءُ نسائنا: "الشرف السمج"... والقيعان المتلاحقة!
خالد الحروب
مقالات
-
الاثنين, 5 أيلول (سبتمبر), 2016

 


أنا خالد بن ميسر، زوج خلود، ووالد ميس، وشقيق نجاح، وعاشق ستي فاطمة وعمتي مريم وخالتي زريفة، أضم صوتي إلى صوت غالبية الفلسطينيين والعرب الذين استنكروا التفاهة التي فوجئنا بها في بعض القوائم المتُنافسة في الانتخابات البلدية الفلسطينية، والتي تُخفي أسماء النساء وتغتالهن وهن أحياء بنسبتهن إلى أزواجهن أو أشقائهن. وأعلن بهذه المناسبة انتسابي باعتداد إلى كل النساء الرائعات اللواتي كن سبب وجودي ونجاحي، وأتباهى بالتغني بأسمائهن، وذلك تأكيداً وملايين غيري على الرفض الشديد للسماجة المتزايدة التي «تخجل» من ذكر الأسماء الصريحة للنساء. 
عدد من القوائم الانتخابية أحجمت عن ذكر أسماء المرشحات النساء فيها، وعوضاً عن ذلك عمدت لنسبتهن إلى أزواجهن أو أشقائهن، مثلاً: المرشحة زوجة السيد فلان، أو المرشحة شقيقة السيد علان. 
نفس الممارسة البشعة رُصدت أيضاً في قوائم الانتخابات البرلمانية الأردنية. ويعود قصب السبق، على ما أعتقد، في ترسيم أول «إبداعات» هذه الظاهرة إلى الأحزاب السلفية المصرية خلال انتخابات ما بعد ثورة يناير 2011، عندما استبدلت رموز القبعة أو الملعقة أو البلوط بأسماء وصور المرشحات على القوائم السلفية.
هكذا إذن، يفكر بعضنا ملياً في ابتكار قفزة خلاقة في الانحطاط والتخلف ثم يصدموننا بها. لوهلة نظن بأننا فقدنا القدرة على الاندهاش من هول العفن والتخلف والتطرف والتعصب الذي يخنقنا، وهؤلاء جميعاً هم الحلفاء الموضوعيون والصادقون والدائمون للأعداء الخارجيين وحروبهم وتدخلاتهم في بلادنا وشؤوننا. 
نكتشف بعد ذلك كم كنا ساذجين في ظننا الأولي بأننا ارتطمنا في القعر الأخير ووصلناه. ذات مقال، منذ أكثر من عشر سنوات، كتبتُ عن «أركيولوجيا القيعان المتلاحقة»، وفيه قلت: كلما اعتقدنا بالوصول إلى القعر نكتشف خطأنا بأن هناك قيعاناً أخرى تتلاحق بانتظارنا. الوصول للقعر الحقيقي والأخير صار منتهى أمانينا، ذلك أن مسار الحركة بعد القعر الأخير يتحدد بخيارين: إما الثبات على ذلك القعر، أو التحرك رأسياً وابتعاداً عنه. 
في وضعنا الحالي لا تتبدى عزيمتنا إلا في القدرة الهائلة على الحفر عن قعر جديد فور وصولنا للقعر الذي نحن فيه، إذ سريعاً ما نمل منه ونتوق لقعر جديد. وينطبق هذا على السياسات الوطنية والقومية والخارجية والحزبية والدينية والاجتماعية، ويكاد لا يستثني جانباً من جوانب اجتماعنا السياسي والثقافي.  
«العبقري» الذي جاء بفكرة مبتكرة جديدة لوأد النساء، غير الأفكار والأساليب الكثيرة الموجودة والممارسة بشكل يومي، وتتمثل في اغتيالهن معنوياً واسمياً يستحق وسام الانحطاط نحو القعر الجديد. 
نقفز منحدراً جديداً من التردي الاجتماعي والثقافي المُحير والذي لا تفسير له إلا طوفان هذا الخليط العجيب من المحافظة والقبلية والتدين السمج والأخلاقوية الإسلاموية المتعالمة على فضاء مجتمعاتنا. 
الجديد في هذا التردي هو أنه مُقحم على سياق المجتمعات العربية لجهة عنف الاغتيال المعنوي الذي يصل إليه. ليس هذا معناه أن مجتمعاتنا قديماً وراهناً وفرت بيئات وردية تسير الإناث على حرير دروبها، بل إن المسألة هنا هي عمق درجة التردي. ثم وعلى ما في هذه المجتمعات من قمع مُستبطن ضد المرأة، فلقد بقيت مساحات ضوء هنا وهناك يتسلل منها الوجود النسوي سواء أكان ممثلاً في رائدات وقياديات أو مبدعات فرضن أنفسهن على الفضاء المجتمعي رغم قيوده وإكراهاته. 
إلى وقت قريب جداً، خاصة في المدن المحاذية للبحار حيث يذهب الرجال لصيد السمك واللؤلؤ ويغيبون بالشهور، كانت المرأة عماد البنية المجتمعية. هي رب البيت، ترعاه داخلياً، وتمثله خارجياً في المجتمع، وتتسوق له في الأسواق، وتتاجر مع الغرباء، وتعود للبيت تستقبل الضيوف وتكرمهم. كانت معروفة بالاسم والوجه والنسب. لحسن الحظ لم يكن عباقرة اليوم من مصممي القوائم الانتخابية موجودون في تلك الأيام. كما لم يتواجدوا يوم جُمعت كتب السيرة النبوية فعرفنا زوجات النبي بالاسم وبناته، وبنات وزوجات الصحابة، وبعدهن قوائم طويلة بداياتها جزيرة العرب، ولم تقف نهاياتها مع ولادة بنت المستكفي في الأندلس، ولا الملكة ممتاز في هند المغول والتي بُني لها قصر محل الشهير.
نستنجد على «عباقرة» اليوم ببلقيس وزنوبيا وشجرة الدر ورابعة العدوية، وفاطمة الفهري مؤسسة جامعة القرويين في المغرب. نستنجد بـ «هيباتيا» الفيلسوفة الأفلاطونية المتألقة وفخر الثقافة الإسكندرانية في القرن الرابع الميلادي لتعنف ذكورتنا المتضخمة كبالون فارغ، ولتشير إلى أسماء الإناث العديدات المنضويات في درسها الفلسفي. 
ظلت هيباتيا تنشر العقل وتدافع عن التفكير وتقول إن الحقيقة لها وجوه عديدة إلى أن تفاقم حولها التعصب الديني والمحافظي فأطلقَ عليها الغوغاء في وسط الطريق، جروها من عربتها، عروها، وسحلوها على حجارة الشارع حتى تسلخ جسدها وكتب دمها على الأرض مذبحة العقل في هذه المنطقة وتسيد الغوغاء. 
اليوم يشتد عواء الغوغاء في فضائنا الحزين ويستهدف المرأة ضمن من يستهدف: المرأة أصل الغواية، وأصل الفساد، وأصل الفضيحة، وأصل نقصان العقل والدين، وأصل كل الرذائل. كل ما فيها مُخجل للذكورة التافهة حتى اسمها يجب أن يختفي أو يُخفى. 
في فلسطين التي نتباهى بصور رائدات الثقافة فيها في حيفا ويافا والقدس ونابلس وغزة، بما في ذلك صور الفرق الرياضية النسوية، قبل انزراع الكيان الغريب في أرضنا نتلقى صفعة إثر أخرى: من قتل الشرف بدعوى الدفاع عن الشرف، إلى القمع اليومي المتواصل للإناث، وصولاً اليوم إلى إخفاء أسماء النساء في القوائم الانتخابية. 
في عقود النضال ضد المشروع الاحتلالي الكولونيالي ترصعت سماء النضال الفلسطيني بأسماء قائمة طويلة من القلائد النسوية من ليلى خالد ودلال المغربي وعائشة عودة إلى وفاء إدريس وآيات الأخرس وهنادي جرادات، عدا عشرات الألوف من أمهات المخيمات وغيرهن من الجنديات المجهولات. 
في ساحة العمل الوطني تتكاثر القلائد عن القدرة على التعداد في كل مجال من المجالات، وأحدثهن حنان الحروب التي فازت بموقع أفضل معلمة في العالم. ومع ذلك لا ترى فيهن الذكورة المنتفخة سوى «قنبلة العار الموقوتة». 
في الأردن أيضاً، وتعميماً للتخلف، تقضي محكمة الاستئناف الشرعية بأن شهادة المرأة غير المحجبة مرفوضة لأنها «فاسقة»، نعم هكذا بالفم المليان لأنها فاسقة. ما تقوله لنا المحكمة العتيدة بين السطور: إنه ليس هناك أي «فاسقة» بين ملايين المحجبات، وأن الفسوق الأنثوي عنوانه الحجاب أو عدمه.
إن التمأسد الذكوري المتواصل ضد الإناث وكما التمأسد البطولي الديني ضدهن يتحول إلى سياسة ناعمة تسابق النعام عندما يتعلق الأمر بتهديد المصالح الانتفاعية لـ»الأبطال» المذكورين المنتفخين بالعواء.