أما آن الأوان لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للسلطة الفلسطينية؟

e-mail icon
أما آن الأوان لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للسلطة الفلسطينية؟
عزام أبو السعود
مقالات
-
الأحد, 20 كانون اﻷول (ديسمبر), 2015

نشكو دائما، وكل شهر من مشكلة دفع الرواتب، ونشكو دوما من ترهل الكادر الإداري في السلطة، ومن نظام الترقية بالأقدمية، الذي يوصل كوادر غير مؤهلة الى درجات عليا في الكادر الوظيفي، ونتندر بأن لدينا في السلطة الفلسطينية 64 عسكريا برتبة جنرال، وهو رقم يفوق عدد الجنرالات في أمريكا وروسيا مجتمعتين، ونشكو أكثر من أن لدينا عددا هائلا من وكلاء الوزارات المساعدين، والمدراء العامين في كل وزارة، بينما حاجتنا فقط لوكيل مساعد واحد في كل وزارة، ومدير عام واحد لكل وزارة!

نشكو دوما من تضخم الكوادر ومن فاتورة الرواتب، فلدينا أكثر من تسعين ألف موظف مدني، و أكثر من ستين ألف عسكري وشرطي! ولا يوجد لدينا جيش رسمي، أو يحظر علينا أن يكون لدينا جيش رسمي! والأدهى من ذلك أن إجمالي رواتب العسكرين الستين ألفا يزيد عن إجمالي رواتب الموظفين المدنيين التسعين ألفا بكثير!!!

ومع توالي السنين، وحسب قانون أن الترقية من درجة الى درجة أعلى، ومن رتبة عسكرية الى رتبة أعلى تتم كل اربع سنوات اوتوماتيكيا، فاننا كل عام سنجد أن فاتورة الرواتب تزداد سنة بعد أخرى، وشهرا بعد شهر، دون أن يكون لدينا زيادة في دخل الدولة من مصادرها الذاتية، ونبدأ بالشكوى ، وزيادة الشكوى، من أن الدول المانحة، لم تسدد التزاماتها بمساعداتها المالية، وتبدأ عملية استجدائنا للمانحين لتغطية عجز الموازنة!

نظامنا الإداري والعسكري، هو نسخة طبق الأصل عن انظمة ادارية في بعض الدول المجاورة، التي نشترك معها في التخلف الإداري ، لم نأخذ نظامنا من الدول المتقدمة اداريا إطلاقا، لم نواكب عصر التقدم الاداري القائم على الترقية المربوط بمسابقة لوجود شاغر برتبة أعلى على درجة أعلى، واكتفينا بالترقية الأوتوماتيكية كل أربع سنوات، لنجد أنفسنا كما نحن الآن: تضخم في الكوادر والرتب والرواتب، وكفاءة متدنية في الأداء، وعدم وجود أي حافز ذاتي للموظف لتحسين أدائه والعمل على تنمية ذاته وقدراته، ذلك أن الترقية آتية لا ريب فيها ، سواء حسن من قدراته ام لم يحسن، وسواء عمل بإخلاص أم لم يعمل!!

لقد تطور علم الإدارة في الخمسين سنة السابقة تطورا كبيرا، وتطور مفهوم الكادر الوظيفي مع تطور علم الادارة، لكننا لم نطور الإدارة في أجهزة السلطة، ولا طورنا كادرنا الاداري تبعا لذلك، وبقينا نستعمل كادرا ومفهوما اداريا يناسب عهد العثمانيين !!

لدينا كثير من أساتذة الادارة الأكاديميين، ولدينا كثير من خبراء الإدارة، واستقدمنا خبراء في الإدارة من الخارج عرفوا جميعا مشاكلنا الادارية، وعرفوا جميعا أننا لا نستعمل فقط كادرا وظيفيا متخلفا، وانما ألفنا ولحنا هذا الكادر بطريقة عجيبة غريبة، فأدخلنا اليه درجات مثل مدير ألف وباء وجيم، ربما استوحينا هذه التسميات من تقسيمات أراضي السلطة الفلسطينية، الف وباء وجيم، التي جاد علينا بها الإحتلال ليبقينا تحت احتلاله الفعلي!

جميع من فكروا سابقا بتعديل الكادر الوظيفي، قيل لهم أن تعديل الكادر سيفتح بوابات جهنم أمام من يفكر بتصويبه... ذلك أن الموظفين والعسكريين المستفيدين من تخلف الكادر عن مواكبة العلم الحديث في الإدارة، أو حل مشاكل الترهل الوظيفي، وأوتوماتيكية الترقيات غير المربوطة بوجود شاغر، أو بتقدم كفاءة الموظف والعسكري، هؤلاء الموظفون والعسكريون سيقاومون التغيير مقاومة شرسة، حتى وهم يعرفون أن التغيير سيكون في خدمة الوطن، ذلك أن خدمة الوطن شيء، وخدمة جيوبهم شيء آخر يهمهم أكثر!!

الكوادر الوظيفية واسعة المدى، يعرفها اساتذة الجامعات جيدا في بلادنا، فهي تطبق في الجامعات، فالاستاذ المساعد يمكن أن يبقى خمسة عشر أو عشرين سنة في درجة استاذ مساعد، ويزيد راتبه زيادة بسيطة سنويا، ولا يترقى الأستاذ المساعد الى درجة استاذ مشارك، الا إذا استوفى شروط الترقية، وهي أن ينشر له عدد معين من الأبحاث في مجلات علمية معتبرة ويتم مراجعتها من قبل محكمين دوليين يقررون إذا كانت تستحق النشر... أي بمعنى آخر يترقى اذا أثبت أنه أضاف الى العلم شيئا جديدا، وتابع ما ينشر في علمه من أبحاث، وطور نفسه وقدراته البحثية والمهنية.. فإذا لم ينشر له شيء ، ووصل الى نهاية مربوط درجته بعد خمسة عشر سنة، يتم تجميد راتبه عند هذا الحد ولا يستحق أية زيادة، ولو سنوية على راتبه! وكثير من الجامعات في العالم تستغني عن خدماته حينها...

يجب أن نجد في ادارة السلطة، من يجد الجرأة ليقول كفى للإستمرار بالعمل بكادر وظيفي متخلف، يفاقم مشاكلنا الادارية والمالية عاما بعد آخر، وآن الأوان لنقوم بعملية اصلاح حقيقية أساسها كادر وظيفي منطقي حديث المفاهيم، يكافئ المجد ويرفع رتبته ودرجته، ولا يشجع المهمل على الاستمرار في اهماله، الكادر المطلوب هو كادر للمدنيين وآخر للعسكريين، والا فسيتضاعف عدد المدراء العامين الذين لا يعملون ولا وظيفة حقيقية لهم الى الضعف بعد ثلاث سنوات أو أربع، وسيزداد جنرالاتنا الى أكثر من مائة جنرال بعد سنوات قليلة جدا، نتباهى نحن، ويسخر منا العالم، بأن لدينا جنرالات يزيدون عن جنرلات أمريكا وروسيا والصين وانجلترا وفرنسا مجتمعين!

فهل سنجد هذا المسئول الذي سيقف بجرأة ليقول :آن الأوان لوضع حد للترهل والتضخم في الكوادر العليا، وآن الأوان لتحديث وترتيب أوضاعنا الادارية!!!