أوباما والقضية الفلسطينية

e-mail icon
أوباما والقضية الفلسطينية
ناجي شراب
مقالات
-
الأربعاء, 24 شباط (فبراير), 2016

على مدار ولايتين من رئاسته، لم ينجح الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في التوصل لتسوية نهائية للقضية الفلسطينية، كما غيره من الرؤساء الأمريكيين السابقين. وفشل في إمكانية عقد اتفاق سلام أو حتى اتفاق تفاوضي، يمكن البناء عليه لسلام شامل، على الرغم من أنه قد بدأ ولايته الأولى بخطاب سياسي تفاؤلي، أعلن فيه التزامه بحل الدولتين، وعهد خلال ولايته الثانية لوزير خارجيته جون كيري مهمة التوصل إلى هذا الاتفاق، ورغم تعدد زياراته المكوكية إلّا أن الفشل كان علامة بارزة في مهمته. 
لا يعني ذلك أن الرئيس أوباما لم يحقق إنجازات كثيرة في العديد من الملفات الداخلية والخارجية. وخصوصاً الملف النووي الإيراني، الذي أعطى له أولوية قصوى لإصراره على عدم امتلاك إيران للقوة النووية، وإنجازه في الملف الكوبي. وتجنيب الولايات المتحدة في عهده للتدخل العسكري المباشر في كثير من مناطق النزاع الخارجية كسوريا والعراق وأفغانستان. وحقق إنجازات تسجل له في الملفات الاقتصادية الداخلية. لكنه لم يحقق الإنجاز المطلوب في القضية الفلسطينية، بل كان التراجع في تصريحاته واضحاً بالنسبة لما التزم به تجاه القضية الفلسطينية، بل وصل الأمر إلى حد إدانته للهبّة الفلسطينية، ووصفها بالعنف، واستصدار قرار بعدم مقاطعة المنتوجات الزراعية للمستوطنات، ومعاملتها كالمنتوجات الزراعية «الإسرائيلية»، بل ذهب في تصريحاته إلى حد فقدان الأمل في حل الدولتين.
ويبدو أن الرئيس الأمريكي الذي كان حالماً ومثالياً في بداية ولايته، قد أدرك أنه لا فائدة من ممارسة الضغط مع حكومة يمينية متشددة برئاسة نتنياهو، وعلى الرغم من التوتر الذي شاب علاقاتهما، إلّا أن أوباما لم يتخل أو يتراجع عن التأييد المطلق ل «إسرائيل» وأمنها وتفوقها.
ومن ناحية أخرى، يبدو أن الرئيس الأمريكي وصل إلى قناعة بعدم قدرة السلطة أو الرئيس عباس، على الذهاب إلى مدى بعيد في التوصل لاتفاق سلام، وهو ما كان يلمح إليه بعدم تحميل «إسرائيل» الفشل في التفاوض، وبسبب قناعته أنه لا يمكن التوصل لاتفاق تفاوضي في ظل بيئة سياسية فلسطينية منقسمة مفككة، وبيئة عربية ضعيفة منشغلة بقضاياها الداخلية. 
والأخطر هو قناعته بالتوافق مع ما تريده «إسرائيل» من العملية التفاوضية، ومن فرض تسوية تتفق وهذه الرؤية.
ومن المسائل التي يجب أخذها في الاعتبار لهذا التراجع في سياساته الشرق أوسطية، وعدم ممارسة ضغط مباشر على الحكومة «الإسرائيلية» هو تفهمه وإدراكه لميكانيزمات السياسة الأمريكية، والدور الذي تلعبه اللوبيات الضاغطة، وخصوصاً اللوبي الصهيوني الذي يحدد مسارات السياسة الأمريكية إزاء الصراع العربي «الإسرائيلي»، والذي يرفض ممارسة أي ضغط على «إسرائيل»، ولا ننسى دور الكونغرس الأمريكي الأكثر تأييداً للسياسة «الإسرائيلية» الذي وجه دعوة غير مسبوقة لنتنياهو، لإلقاء خطاب أمامه، متجاوزاً وجود الرئيس الأمريكي.
وبقراءة السياسة الأمريكية نلاحظ التراجع الواضح للقضية في أجندات المرشحين للرئاسة الأمريكية، وهنا قد يلفت الاهتمام أن أي موقف عدائي من القضية والفلسطينيين، لن يواجه بأي سياسة رادعة عربياً، وبالتالي لن يكون هناك مساس بالمصالح الأمريكية العليا في المنطقة. والسياسة بالمفهوم الأمريكي تقوم على نظرية القوة والواقعية، إذ لا يوجد أي تأثير فلسطيني أو عربي على مجريات السياسة الأمريكية في المنطقة، بل العكس، هناك حاجة أكبر للسياسة الأمريكية من أي وقت مضى، وكل هذا يصب في مصلحة «إسرائيل».
فالقضية الفلسطينية لم تعد لها نفس الأهمية والأولوية في الاهتمامات الأمريكية، بل لا تذكر على الإطلاق اليوم في البيانات السياسية، بشكل لافت، كما أن الزيارات التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكية تأتي في الوقت الضائع، حيث هناك انتخابات الرئاسة، والتجديد النصفي للكونغرس، وفي مثل هذا الوضع تتراجع اهتمامات السياسة الأمريكية بالقضايا الخارجية، ومنها بالتأكيد القضية الفلسطينية، و«إسرائيل» باعتبارها قضية داخلية تحظى باهتمام مرشحي الرئاسة، بشكل استثنائي باعتبار اعتمادهم على المؤسسات اليهودية صاحبة التأثير على الصوت اليهودي، فيما الصوت العربي والإسلامي في أمريكا مشتت وغير فاعل، والمال غير موجود. لذلك ليس مستغرباً هذا التراجع في اهتمامات الرئيس أوباما، ومن سيأتي من بعده. - See more at: