إسرائيل: «فتح» تعيش في الماضي!

e-mail icon
إسرائيل: «فتح» تعيش في الماضي!
أنطوان شلحت
مقالات
-
السبت, 8 آيار (مايو), 2010
المؤتمر السادس لحركة «فتح» الذي عقد في بيت لحم خلال الفترة بين 4- 14 آب/ أغسطس 2009 أثار جدلاً واسعًا في إسرائيل بشأن جوهر هذه الحركة ما بين الحاضر والماضي، وبشأن تحولات برنامجها إزاء مآل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.
ولا شك في أن السبب الرئيسي لهذا الجدل يعود إلى حقيقة أن هذا المؤتمر عُقد بعد انقضاء عشرين عامًا على انعقاد المؤتمر الخامس في سنة 1989 والذي أتى في خضم الانتفاضة الأولى، وسبق انطلاق «عملية مدريد» سنة 1991 و«عملية أوسلو» سنة 1993 وما تلاهـما من تطورات على صعيد «العلاقات الثنائية».
 
وبمراجعة معظم وقائع هذا الجدل يمكن أن نستنتج أنه كان ثمة شبه إجماع في صفوف المحللين الإسرائيليين على عدة قضايا تتعلق بمجريات هذا المؤتمر ونتائجه في مقدمها ما يلي:
أولاً، أن إصرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على عقده نجم عن دافع مخصوص فحواه تقديم «دليل حيوي» قاطع للرئيس الأميركي باراك أوباما يثبت أن حركة «فتح» ما زالت ذات صلة بالتطورات المستقبلية في الشرق الأوسط، وذات قدرة على الانخراط في «عملية التسوية»، وخصوصًا في إثر فوز الحركة المنافسة- «حماس»- بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات 2006، وما استجرّه هذا الفوز من انقسام سياسي وجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة في 2007؛
ثانيًا، أن الهدف الأهم من عقد المؤتمر يتمثل في تعزيز مكانة «فتح» في الضفة الغربية وإشهار أهليتها لكبح اتساع نفوذ «حماس» في حال إجراء انتخابات فلسطينية كانت متوقعة في كانون الثاني/ يناير 2010 في ضوء انتهاء الولاية القانونية للمجلس التشريعي ورئاسة السلطة الفلسطينية. وجرى التأكيد في هذا الشأن أن انعقاد المؤتمر يتزامن مع وجود الحركة في غمرة أزمة تنظيمية وأيديولوجية وسياسية حادة، حيث أنها خلال الأعوام القليلة الفائتة فقدت الكثير من صدقيتها وقوتها، وأصبحت سمعتها في الحضيض، ولم تعد حركة ذات قاعدة شعبية واسعة، وما زالت قائمة بفضل الحنين إلى أيام الكفاح المسلح، وبفضل الحنين إلى أسطورة الزعيم المؤسس ياسر عرفات؛
ثالثًا، أن صيغة البرنامج السياسي للحركة التي أقرّها المؤتمر اتسمت بـ «التطرّف»، وذلك في موازاة عدم تغيير الوثائق التأسيسية ولا سيما البنود التي تدعو إلى الكفاح المسلح والقضاء على إسرائيل، وتوكيد الوثيقة الختامية التمسك بمبادئ الحركة واعتبار جميع وسائل الكفاح ضد إسرائيل شرعية. لكن جرى التنويه بأن هذه الوثيقة شدّدت على الحاجة إلى إدارة هذا الكفاح عبر المفاوضات، وإمكان طرح خيار الكفاح المسلح في حال فشلها فقط؛
رابعًا، أن شروط استئناف المفاوضات السياسية مع إسرائيل (التي كانت مجمدة منذ الحرب على غزة في شتاء 2009) صيغت على نحو متصلب للغاية، وتشمل 14 شرطًا، أهمها الوقف التام لأعمال البناء في المناطق المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية، وتحديد جدول زمني صارم للمفاوضات في حال استئنافها، وعدم إرجاء مناقشة مسألتي القدس واللاجئين، وإنشاء لجنة خاصة في منظمة التحرير الفلسطينية تتولى الإشراف على المفاوضات والتي أشير إلى أنها تعني في قراءة إسرائيل تعزيز قوة المنظمة في مقابل السلطة الفلسطينية. ومعروف أنه لدى توقيع اتفاق أوسلو هللت إسرائيل كثيرًا، في معرض تسويقه بين رأيها العام، أن من شأنه أن «يُوجد عنوانًا جديدًا لتمثيل الشعب الفلسطيني» بدلاً من المنظمة هو السلطة الفلسطينية، وإلى جانب ذلك حرّرت فرضيتين تتعلقان بهذه الأخيرة ولا تزالان تتحكمان بمفهومها المُعتمد إزاء التسوية: الأولى، أن السلطة باعتبارها العنوان الجديد لتمثيل الشعب الفلسطيني ستعمل على تطبيق حق تقرير المصير لهذا الشعب من خلال إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ الثانية، أن السلطة ستتطلع إلى هذه الغاية في إطار الاستعداد للتوصل إلى تسوية تاريخية تشمل حلا وسطًا جغرافيًا مع دولة إسرائيل والحركة الصهيونية. ووفقًا لما تراكم حتى ذلك المؤتمر من وقائع المفاوضات فإن أقصى ما يمكن أن تشمله تسوية كهذه من ناحية إسرائيل هو ما يلي: أ- إقامة دولة فلسطينية في مناطق تعادل نسبة 22 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية؛ ب- تقسيم القدس الشرقية؛ ج- تسوية خاصة بشأن منطقة «الحوض المقدّس» في البلدة القديمة من القدس؛ د- حل مسألة اللاجئين الفلسطينيين بمنأى عن حق العودة (وهي تسوية غير مقبولة فلسطينيًا كما ثبت على الأقل في آخر جولتي مفاوضات في كامب ديفيد سنة 2000، وأنابوليس سنة 2007). وقد والف أحد أساتذة الحقوق بين هاتين الفرضيتين مستخلصًا أن «العنصر الذي بقي ناقصًا في جميع مفاوضات السلام» التي جرت بين الجانبين من وجهة النظر الإسرائيلية يتمثل في إبداء الفلسطينيين رغبة حقيقية في أن يقيموا دولة قومية خاصة بهم ليس من خلال التنازل عن حلمهم بالقضاء على السيادة اليهودية في «أرض إسرائيل» (فلسطين) فحسب، وإنما أيضًا من خلال الاستعداد لأن تكون دولتهم هذه أداة لضمان تلك السيادة اليهودية!.
وبناء عليه، فإن ردات الفعل في إسرائيل على المؤتمر كانت متوقعة. فاليمين اعتبره دليلاً آخر يدعم استنتاجه الأبدي، وهو أنه لا يوجد ولن يوجد على الإطلاق شريك فلسطيني للمحادثات. وأكد الناطقون بلسانه أن المؤتمر بوقائعه ووثائقه أثبت أن حركة «فتح» ما زالت مشدودة إلى الرؤية التي كانت تميزها في الماضي (أي قبل أوسلو)، والتي بطبيعة الحال لا تتيح إمكان استئناف مفاوضات تكون غايتها التوصل إلى تسوية.
في المقابل حاول اليسار أن يقنع الذين لا يمكن إقناعهم أن التحليل المعمق للخطابات والقرارات من شأنه أن يؤكد أن ما حدث في المؤتمر لم يكن فظيعًا للغاية، ولا يعني نهاية الدنيا لأنه لا يجوز التوقع من «فتح» أن تعلن على رؤوس الأشهاد تخليها عن خيار الكفاح المسلح، أو إلغاء حق العودة، في ظل الانقسام القائم وواقع وصول المفاوضات مع إسرائيل إلى طريق مسدودة.
فمثلاً لفتت صحيفة «هآرتس» في مقالة افتتاحية إلى أنه على الرغم من أن المؤتمر عقد في ظل الاحتلال الإسرائيلي ووصول عملية السلام إلى طريق مسدودة، إلا إن حركة «فتح» التزمت الخيار السياسي ومبادئ مبادرة السلام العربية، وبذا فقد ميزت نفسها عن حركة «حماس»، وتماثلت مع الإجماع العربي والدولي بشأن التسوية السياسية، على أساس إقامة دولة فلسطينية في حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس، وعلى أساس إيجاد حل عادل ومتفق عليه مع إسرائيل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقًا لقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194.
ورأى المحلل السياسي في الصحيفة عكيفا إلدار أن المؤتمر أضفى شرعية على حل الدولتين في حدود 1967، وأنه على الرغم من أن ستة عشر عامًا من العملية السياسية قد تمخضت فولدت فأرًا، إلا إن خيار الكفاح المسلح ضد الاحتلال أُقصي .
وقال السكرتير العام لحركة «السلام الآن» ياريف أوبنهايمـر إن الذي يعتقد أن الفلسطينيين سينضمون إلى الحركة الصهيونية ويقسمون يمين الولاء لدولة إسرائيل لا بُدّ من أن يصاب بخيبة أمل جراء قرارات المؤتمر السادس لحركة «فتح»، غير أن الذي يتأمل الواقع بصورة جادّة وحقيقية يرى أن هذا المؤتمر قد عكس استعداد الشعب الفلسطيني وقدرته على التوصل إلى سلام مع إسرائيل، من خلال التنازل عن تطبيق حق العودة في تخوم دولة إسرائيل. وأضاف: في واقع الأمر ليس من السهل أن يكون المرء فتحـاويًا في المجتمع الفلسطيني، وعلى الرغم من أعوام الاحتلال الطويلة ومضاعفة عدد المستوطنات وبناء الجدار الفاصل في عمق الأراضي الفلسطينية، لا تزال هذه الحركة السياسية الفلسطينية المدنية تدعو الفلسطينيين إلى خوض كفاح سلمي، من خلال مواجهة نزعات التطرّف الدينية التي تأتي من جانب «حماس» وحزب الله وإيران.
وهكذا، ليس من الصعب ملاحظة وجود قاعدة عامة انطلق منها الموقف الإسرائيلي بيمينه ويساره إزاء «فتح»، وتذهب في العمق إلى أن بلوغ السلام في الشرق الأوسط يمكن أن يتأتى إذا ما رنا قادة هذه الحركة بأبصارهم نحو المستقبل، وأشاحوا بها عن الماضي، مرة واحدة وأخيرة. ولا يحتاج المرء إلى ذكاء خارق كي يستريب بهذه المعادلة الملفقة، التي تجاهر بغاية محدّدة تتمثل في إعفاء إسرائيل والصهيونية من المسؤولية عما اقترفتاه في هذا الماضي، أكثر من إفادتها بـ «حلم بناء المستقبل» لمصلحة الجانبين.
÷ كاتب فلسطيني، مدير وحدة «المشهد الإسرائيلي» في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، عكا.