الانتخابات وإعاد بناء النظام السياسي في ظل الاحتلال والانقسام

e-mail icon
الانتخابات وإعاد بناء النظام السياسي في ظل الاحتلال والانقسام
علاء حمودة
تقدير موقف
-
الخميس, 27 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2016

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*******

 مقدمة

أعلنت حكومة التوافق الوطني، في جلستها بتاريخ 4/10/2016، عن تأجيل إجراء انتخابات مجالس الهيئات المحلية في كافة أرجاء "الوطن" لمدة أربعة أشهر[1]، بعد يوم من قرار محكمة العدل العليا القاضي بإجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وتعليق إجرائها في قطاع غزة، إلى حين إصدار قرار من مجلس الوزراء لتحديد إجرائها في القطاع خلال شهر، وذلك بسبب "عدم قانونية المحاكم في القطاع".[2]

فتح قرار التأجيل، من جديد، جدلًا حول حول إمكانية إجراء أي نوع من الانتخابات تحت الاحتلال، وفي ظل الانقسام السياسي الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية منذ العام 2007، وأظهر عجز الحالة السياسية الفلسطينية عن المضي قدمًا نحو استعادة العملية الديمقراطية على مختلف المستويات في ظل حالة الانقسام الحالي.

هل بالاستطاعة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في المرحلة القادمة؟

من الواضح أن العقبات التي اصطدمت بها العملية الانتخابية للمجالس المحلية كفيلة بإلغاء أي انتخابات قادمة دون توافق كامل على قوانين الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي الحاصل في بنية النظام السياسي الفلسطيني، فضلا عن ضرورة عدم تجاهل تأثير العامل الإسرائيلي على فرص إجراء انتخابات عامة في حالة التقدم في ملف المصالحة.

لقراءة ورقة تقدير موقف أو تحميلها بصيفة PDF اضغط/ي على هذا الرابط 

 جدل الانتخابات في ظل الانقسام

تعدّ الانتخابات عنصرًا من عناصر الديمقراطية ووسيلة لتجديد الشرعيات، فالانتخابات ليست هدفًا بحد ذاته، ولكنها وسيلة لتحقيق الهدف بالاتجاه الوطني والديمقراطي، الأمر الذي يجب أن يدفع إلى التفكير بوظيفة الانتخابات ومدى فائدتها، فمن دون انتخابات لا يمكن تحقيق المشاركة والمساءلة والمحاسبة وتجديد الشرعيات وتدوير النخب.[3] وحتى تتحقق هذه الوظائف والأهداف لا بد من الاتفاق على مرتكزات النظام السياسي، وأسس العقد الاجتماعي بشقيه الوطني والديمقراطي، إضافة إلى اختيار القيادات القادرة على خدمة المجتمع، وتحقيق أهدافه.

أما في الحالة الفلسطينية، فلم يجر التوافق على وظيفة الانتخابات في ظل الاحتلال، سابقًا وراهنًا، إضافة إلى عجز النظام السياسي منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عن إجراء الانتخابات بانتظام، حيث تأخرت الانتخابات التشريعية الثانية عن موعدها ست سنوات، بينما جرت الانتخابات المحلية مرتين، الأولى في 2004-2005 في الضفة الغربية وقطاع غزة (ولم تشمل جميع المدن)، والثانية في العام 2012 في الضفة الغربية فقط، وبشكل جزئي[4]، فيما لم تعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد انتهاء الفترة القانونية لهما في العامين 2009 و2010 على التوالي.

حال الانقسام السياسي منذ سيطرة "حماس" على قطاع غزة، وحتى الآن، دون إمكانية إجراء الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية، وبالرغم من الأصوات التي طالبت بإجراء الانتخابات كحل للخروج من حالة الانقسام، إلا أن هناك أوساطًا واسعة تشكك في القدرة على إجرائها في ظل الانقسام، لأنها تحتاج إلى توافق وطني مسبق واستعادة حقيقية للوحدة لإتمام الترتيبات الأمنية والقضائية والقانونية للعملية الانتخابية، وهذا الأمر أكدته المحاولة الأخيرة لإجراء الانتخابات المحلية.

لم تخل الانتخابات المحلية التي دعت إليها حكومة التوافق من جدل حول إمكانية إجرائها في ظل الانقسام، بين قائل بإمكانية إنجاحها باعتبارها مدخلًا لإنهاء الانقسام والتأسيس لإنجاح الانتخابات التشريعية والرئاسية، وبين من قال بفشلها في ظل حالة الانقسام وجدل الشرعيات، وما رسخته أعوام الانقسام من عوامل مانعة لإنجاحها، وخاصة في ضوء سيطرة "حماس" منفردة على كافة البلديات ومفاصل الحياة في قطاع غزة بعد العام 2007، وسيطرة "فتح" على المجالس المحلية في الضفة الغربية عقب انتخابات العام 2012.

 

 فشل الانتخابات المحلية في ظل الانقسام

جاء قرار الحكومة بتاريخ 21/6/2016 بإجراء الانتخابات المحلية[5] ليحدث اختراقًا باتجاه إمكانية انعقادها، وخاصة بعد موافقة حركتي حماس وفتح والفصائل، باستثناء الجهاد الإسلامي، على المشاركة فيها. وساهم جهد لجنة الانتخابات المركزية في تعزيز أفق إجرائها، وخاصة بعد إتمام عملية التسجيل وعملية الترشح، إضافة إلى توقيع الفصائل على "ميثاق شرف" يكون ضامنًا لإجرائها وفق قواعد النزاهة والشفافية.

 لكن، تعرضت الانتخابات إلى انتكاسة في مرحلة الطعون[6]، وخاصة بعد أن قبلت لجنة الانتخابات بعض الطعون التي أدت إلى إسقاط أربع قوائم لحركة فتح. في المقابل، رفضت "فتح" ذلك الأمر[7]، وأعلنت نيتها عدم التوجه إلى محاكم البداية في قطاع غزة، وتوجهها إلى محكمة العدل العليا في رام الله للطعن في قرار مجلس الوزراء[8].

كما قدمت "حماس" طعونًا في بعض قوائم "فتح" أمام محاكم البداية في غزة، الأمر الذي أدى إلى إسقاط أربع قوائم أخرى لحركة فتح. وكان من المتوقع أن تبت محاكم غزة في مجموعة من الطعون الأخرى[9] لولا صدور قرار محكمة العدل الابتدائي بوقف العملية الانتخابية مؤقتًا إلى حين إصدار حكم نهائي.

وصدر، لاحقًا، بتاريخ 3/10/2016 قرار المحكمة القاضي بإجراء انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية دون قطاع غزة. وفي ضوء المواقف المجتمعية والوطنية الواسعة الرافضة لاستثناء قطاع غزة من العملية الانتخابية، أصدر مجلس الوزراء قرارًا بتأجيل الانتخابات لأربعة أشهر، خاصة بعد توصية لجنة الانتخابات بالتأجيل، التي أصدرت لاحقًا بيانًا بإلغاء كافة الإجراءات والخطوات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية في ضوء التأجيل.

 

 الخلاصة

تظهر تجربة الانتخابات المحلية عمق أزمة النظام السياسي وانقسامه أفقيًا وعموديًا، وفشله في تأديته لوظيفته. فالانقسام أدى إلى وجود نظامين قضائيين منفصلين وسلطتين تشريعيتين، وإلى غياب وحدة السلطة التنفيذية، ولم تفلح التوافقات الفصائلية في إتمام عملية انتخابات محلية، فكيف سيكون الحال في الانتخابات التشريعية الرئاسية التي تتطلب وفق "اتفاق القاهرة" إجراء تعديلات على قانون الانتخابات، والشروع في توحيد المؤسسات الإدارية والأمنية، ناهيك عن وحدة السلطة القضائية وضمان استقلاليتها، إضافة إلى الجدل الذي حظي به قرار تشكيل المحاكمة الدستورية، والتعقيدات المتعلقة بضمان القبول بالنتائج حال إجراء الانتخابات؟

ويضاف إلى ذلك العامل الإسرائيلي القادر على إفشال سيناريو إجراء انتخابات عامة إذا كان هدفها إعادة توحيد وتقوية النظام السياسي الفلسطيني، ومن المشكوك فيه أن تسمح دولة الاحتلال بإعادة انتخاب وانتظام عمل مجلس تشريعي تشارك فيه مختلف القوى، وبضمنها "حماس"، كما تدلل على ذلك تجربة اعتقال سلطات الاحتلال لعدد كبير من النواب المنتخبين في الضفة لتعطيل عمل المجلس عقب الانتخابات الأخيرة.

بناء على ما سبق، نستطيع القول إن أزمة النظام السياسي ليست قانونية أو قضائية، بل سياسية بامتياز يوظف فيها القانون والقضاء، وإن قرار المصالحة وإجراء الانتخابات سياسي أولًا وأخيرًا، الأمر الذي يتطلب إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة وتوحيد مؤسسات النظام السياسي وفق منهجية الرزمة الشاملة، وليس وفق منهجية التجزئة التي ثبت فشلها.

في ضوء الفشل في إجراء الانتخابات المحلية، يمكن بسهولة التنبؤ بفشل مقاربة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في حال لم ينته الانقسام، أو لم يتم التوافق على إعادة بناء النظام السياسي على أسس وحدوية، بما فيها تشكيل حكومة وحدة وطنية، وتوحيد السلطة القضائية، وإعادة النظر في التشريعات التي صدرت خلال فترة الانقسام، والاتفاق على برنامج سياسي، وتفعيل المجلس التشريعي، وتوحيد المؤسسة الأمنية، والاتفاق على قانون الانتخابات. وهذا السيناريو – في تقديري – يعدّ توافقيًا، ويمكن من خلاله استعادة النظام السياسي لدوره ووظائفه، فالمدخل الحقيقي لبناء النظام السياسي هو استعادة الوحدة وإنهاء الانقسام.

إن فرص حدوث هذا السيناريو مستبعدة في الأمد المنظور، أو خلال مهلة التأجيل للانتخابات المحلية وفق قرار مجلس الوزراء، الأمر الذي قاد إلى إصدار قرار من الحكومة في جلستها بتاريخ 11/10/2016 بعودة كافة المجالس المحلية إلى أعمالها، كما كانت قبل 6/8/2016، بما في ذلك رؤساء وأعضاء الهيئات المحلية الذين تقدموا باستقالاتهم بسبب الترشح للانتخابات، واعتبارها مجالس تسيير أعمال إلى حين إجراء الانتخابات[10].

أما في حال قرر مجلس الوزراء بعد انتهاء مهلة الأشهر الأربعة إجراء العملية الانتخابية في الضفة دون القطاع، وبغض النظر عن قبول أو عدم المشاركة من بعض الفصائل، فهذا يعني تكريس حالة الانقسام، ويهدد بنية النظام السياسي الفلسطيني ووحدة مؤسساته، التي ساهمت حكومة التوفق، ولو قليلًا، في إنعاش الرهان على التقدم باتجاه وحدتها، إضافة إلى ما سيتركه هذا القرار من تداعيات على مجمل الحالة الفلسطينية، وخاصة إبقاء المجالس المحلية في قطاع غزة على حالها دون أي تغيرات حقيقية تسمح بتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.

كما سيؤدي هذا القرار - إن حصل - إلى مزيد من تكريس عوامل فقدان الثقة في النظام السياسي الفلسطيني، ومكوناته المؤسسية والحزبية التي فشلت في تجاوز المعيقات والتوافق على مجرد انتخابات محلية، الأمر الذي يظهر في استحالة انعقاد انتخابات رئاسية وتشريعية في ظل انقسام مؤسسات النظام السياسي، وغياب التوافق الوطني على طبيعة النظام السياسي، وعلى خارطة طريق وطنية تكون الانتخابات أحد مكوناتها بعد الاتفاق على وظيفتها في ظل الاحتلال. فالأصل أن تأتي الانتخابات في سياق إستراتيجية وطنية للتحرر والخلاص من الاحتلال،[11] والاتفاق على عقد اجتماعي ومشروع وطني جامع وأسس واضحة للشراكة السياسية.

 

 الهوامش

[1] قرار الحكومة بإجراء الانتخابات في الوطن بيوم واحد هو حق دستوري واستحقاق قانوني، دنيا الوطن، 4/10/2016. تاريخ الوصول 10/10/2016

[2] محكمة العدل تقرر إجراء الانتخابات بالضفة دون غزة، وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، 3/10/2016. تاريخ الوصول 10/10/2016 https://goo.gl/MzXtmi

[3] محسن أبو رمضان، الانتخابات والمسار الديمقراطي، الحوار المتمدن، 9/10/2016. تاريخ الوصول 10/10/2016 https://goo.gl/JKpdRd

[4] للمزيد من التفاصيل، انظر ورقة موقف: الدعوة لانتخابات مجالس الهيئات المحلية من قبل حكومة التوافق الفلسطيني، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تاريخ الوصول 27/10/2016

http://pchrgaza.org/ar/?p=12515

[5] الحكومة تحدد موعد إجراء الانتخابات المحلية، وكالة معا الإخبارية، 21/6/2016. تاريخ الوصول 10/10/2016

 https://goo.gl/hcQI1E

[6] قبول 6 طعون على قوائم مرشحة للانتخابات المحلية المقبلة، فلسطين أون لاين، 4/9/2016. تاريخ الوصول 10/10/2016
 https://goo.gl/JgNMnQ

[7] رفض "فتح" للامتثال لقرارات المحاكم بغزة إجراء غير قانوني، وكالة سوا، 8/9/2016. تاريخ الوصول 12/10/2016 https://goo.gl/ywu9iV

[8] حركة فتح: سنطعن بقرار رفض قوائمنا في محكمة العدل العليا، وكالة "قدس برس" للأنباء، 5/9/2016. تاريخ الوصول 12/10/2016
https://goo.gl/HFwd9C

[9] كل ما لا تعرفه عن مرحلة الطعون والاستئناف في الانتخابات البلدية، دنيا الوطن، 8/9/2016. تاريخ الوصول 12/10/2016
 https://goo.gl/0BVOzO

[10] مجلس الوزراء يقرر عودة رؤساء وأعضاء الهيئات المحلية المستقيلين إلى أعمالهم، وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، 9/10/2016. تاريخ الوصول 12/10/2016
http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=Hs5WNJa724509598461aHs5WNJ

[11] الدعوة إلى توفير متطلبات الانتخابات في ظروف التحرر الوطني، لقاء "ما العمل" الذي نظمه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، البيرة وغزة، 20/3/2016

https://goo.gl/RFNp2a