الانتفاضة الراهنة والاسئلة المتكررة

e-mail icon
الانتفاضة الراهنة والاسئلة المتكررة
سهيل سرور
مقالات
-
الثلاثاء, 20 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2015

تستمر انتفاضة ابناء شعبنا في الاراضي المحتلة في تسجيل ملحمة بطولية جديدة في وجه الاحتلال . متجاوزة حجم البطش والوحشية والقمع الذي تمارسه حكومة العدو بما في ذلك اعمال القتل بدم بارد للشبان الصغار ودون اي وازع او رادع او قانون . 

ورغم مرور كل هذا الوقت على اعمال المقاومة البطولية للاحتلال واتساع رقعة التضامن والتاييد الشعبي العربي والدولي الواسع الا ان ايقاع القيادة السياسية الفلسطينية هو ادنى بكثير من الطابع الثوري لهذه الانتفاضة العظيمة . 

وقد انطلقت هذه الانتفاضة في سياق كامل من العفوية وكرد فعل مباشر على الاجراءات الاسرائلية العدوانية خصوصا في القدس والمسجد الاقصى وفي سياق من المحاولات المحمومة لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية من الجانب الاسرائيلي الذي يدير الظهر لكل القرارات والنداءات الدولية لمنح شعبنا ولو جزءا من حقوقه الوطنية بينما يقوم في نفس الوقت بتوسيع سياسة الاستيطان والتهويد وطرد السكان من قراهم وبلداتهم والاعتداء على ممتلكاتهم بطريقة شديدة الاستفزاز والوحشية . 

لقد تراكمت عوامل الضغط والانفجار بصورة اصبح السكوت والصمت ازاءها هو بمثابة القبول بالامر الواقع . 
ومن هنا وعلى خلفية تراكم الاعمال العدوانية وعوامل الاحباط من مسار المفاوضات السياسية الاسرائيلية –الفلسطينية اندلعت هذه الموجة الجديدة من المقاومة مطبوعة بالتلقائية اولا ومطبوعة بالخصائص الفريدة للوضع الفلسطيني في المنطق المحتلة ومنها تركز هذه الاعمال في مدينة القدس وقراها وتاثرها بالاجراءات الاسرائيلية العدوانية تجاه الاقصى بالاضافة الى تمددها الى مناطق 48 . كما ان هذه الموجة اتسمت بالرد الشعبي العنيف على قوات الاحتلال واللجوء لاستعمل الطعن بالسكاكين في سياق واضح من الياس من استخدام الاساليب السلمية وحدها . 



التلقائية والوعي

لم تنطلق هذه الموجة الانتفاضية الثورية بقرار من احد . فهي وليدة رد الفعل التلقائي على الظروف القاسية والاعمال الاجرامية الوحشية التي يقوم بها الاحتلال يوميا . وبالتالي لم يخطط لها اي فصيل او حزب او حركة . بل يمكن القول ان احد عوامل انفجار هذه الانتفاضة هو الاحباط من المستوى الذي وصلت اليه الحركة السياسية الفلسطينية التي ربطت نفسها بخط اوسلو ومدريد واصبحت مكبلة بقيود هذه الساسية التي افضت الى عجز سياسي شامل . 

ومن حسن الحظ ان تقوم معظم الفصائل الفلسطينية بدعم وتاييد هذه الانتفاضة رغم وجود اشكال من القلق والتردد والتشكك عند البعض في اهداف ونتائج هذه الهبة الثورية العظيمة . وفي كل الاحوال تطغى روح التاييد والتضامن الايجابية على كل السلبيات المشار اليها . 

ومن بين التساؤلات المطروحة والمشروعة هو تاكتيك وهدف هذه الانتفاضة ونتائجها المحتملة ؟ 

ويشير المسار الفعلي للانتفاضة الى التزام المشاركين بالاشكال السلمية والابتعاد عن استخدام اي اشكال عسكرية في المقاومة . فالاساليب المتبعة بما في ذلك استخدام اشكال من العنف غير المسلح مثل الحجارة والسكاكين والدهس وغيره قد اثبتت قدرتها على خلق مستوى من الردع الفعلي للعدو من خلال بث الخوف والقلق على نطاق واسع في صفوف القوة القمعية (الجيش والشرطة ) وفي صفوف السكان الاسرائيليين عموما . وهناك اجماع واسع على تفادي استخدام الاعمال المسلحة سواء في الضفة الغربية او في قطاع غزة . 

ان اللجوء لاستخدام الطعن بالسكاكين في هذه الانتفاضة بما يحمله من احتمالات الاستشهاد العالية يؤشر الى نفاذ صبر الحركة الجماهيرية من الاساليب السلمية التقليدية التي تعود عليها العدو الاسرائيلي وتكيف معها . وهي تنطوي على احتمالات اللجوء لاشكال اكثر عنفا في اطوار اخرى قادمة من المقاومة اذا لم تتوقف الحكومة الاسرائيلية عن اعمالها العدوانية . 

اما فيما يتعلق بهدف الانتفاضة فهذا يرتبط بصورة وثيقة بالاسباب التي استدعت انفجار هذه الموجة الانتفاضية . فهناك اهداف مباشرة مثل وقف اعمال الاستيطان في القدس ووقف الاعتدات على الاقصى الشريف وهناك اهدافا تاكيكية اكثر شمولية تندرج في البرنامج الوطني المطروح الذي يشمل وقف كل اشكال الاستيطان والتهويد وطرد السكان واقتلاعهم وكافة اشكال الاعتداءات على الشعب الفلسطيني كما يشمل اجبار العدو على التسليم بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في اقامة دولته المستقلة على وطنه . 

ومن هنا يصبح دعم الانتفاضة من خلال تسليحها باهداف سياسية مباشرة واقعية من اهم اشكال الدعم . ومن البديهي ان يتم عدم الخلط بين الاهداف الثورية السياسية المباشرة وبين الاهداف السياسية البعيدة . حيث ان تحقيق كل منها يحتاج الى ميزان قوى مختلف . فخلق شروط سياسية واقتصادية واجتماعية داخل مجتمع العدو تجبره على التسليم بالاهداف المباشرة هو في ظل موازين القوى الراهنة امر واقعي وممكن . ولكن شروط اجبار العدو على التسليم بالاستقلال واقامة دولة مستقلة هو مسالة تحتاج الى تغيير مختلف لموازين القوى وهي واقعيا قضية نضالية وليست راهنة . لقد لاحظنا مثل هذا الخلط مع كل معركة وطنية كبيرة فالبعض يتخيل الان ان الانتفاضة يمكنها دحر الاحتلال . وبالامس القريب تخيل البعض ان صمود شعبنا في وجه العدوان الوحشي البربري الاسرائيلي في غزة كان يمكنه ايضا ان يؤدي الى دحر الاحتلال . وفي كل الحالات يتم تجاهل موازين القوى الفعلية والاهداف الممكنة وغير الممكنة في كل لحظة . 

و من هنا لا بد ان تسلح الانتفاضة باهداف سياسية تاكتيكية ثورية واقعية تحول التضحيات الكبيرة التي يدفعها ابناء شعبنا الى منجزات على طريق النضال الطويل المستمر . 

وهناك تمسك واسع بمطالب وقف الاجراءات الاسرائيلية في القدس ووقف اعمال الاستفزاز في المسجد الاقصى في صفوف الانتفاضة . وحتى يتم قطف ثمار هذا النضال وتحقيق هذه المطالب من البديهي ان يكون لهذه الانتفاضة قيادة سياسية . وهنا تكمن الحلقة الضعيفة ؟ 

القيادة الحالية ....والبديل ؟ 

والواقع ان الارتقاء باعمال التنسيق الميداني بين المنتفضين في مواقعهم المختلفة والوصول بها الى قيادة ميدانية مشتركة يضع اساسا قويا للضغط على القيادة السياسية الفلسطينية ذات التمثيل العربي والاقليمي والدولي للقيام بواجباتها في هذا السياق .

فالسلطة الوطنية الفلسطينية الواقفة على ارض اوسلو ومدريد حتى اليوم والتي تتمسك بتكتيك واحد وحيد في عملها وهو المفاوضات مع الحكومة الاسرائيلية والمكبلة بالف قيد وقيد من هذه القيود والتي يعتريها التراجع ونكوص الهمم والفساد في مؤسساتها وهيئاتها المختلفة لا يمكنها ان تقوم بمهمة دعم وتطوير الانتفاضة واستثمار تفاعلاتها العربية والدولية . 
ولكن تغيير هذه السلطة ايضا باعتبارها الشكل التمثيلي السياسي للشعب الفلسطيني لا يمكنه ان يتم في يوم وليلة . لا يمكنه ان يتم بقرار او بارادة افراد بعينهم او اي مجموعة منفردة بمعزل عن خلق توازن داخلي فعلي لمصلحة الاتجاهات الثورية والديموقراطية الحقيقية المنسجمة مع تطلعات واهداف شعبنا الفلسطيني . 

تغيير قيادة السلطة الفلسطينية وتغيير المسار السياسي للحركة الفلسطينية لايمكنه ان يتم بانقلاب ولا يتم من خلال خلق اشكال سياسية موازية . بل ان العمل الديموقراطي طويل النفس من داخل هذه الحركة ومن خارجها يمكن ان يؤمن هذا التوازن الذي يمكن ان يؤدي الى ازاحة تيار سياسي يشكل برنامجه معيقا لتطور النضال الفلسطيني وتنصيب قيادة بديلة مؤهلة لتطوير وفتح افاق واسعة لهذا النضال . 

ولا شك ان المعارك الكبرى ضد الاحتلال الاسرائيلي تخلق افضل المناخات لعزل وتطويق السياسات الخاطئة والانهزامية وتطوير وزن التيارات الديموقراطية والثورية داخل صفوف الحركة الفلسطينية . 
من هنا تاتي اهمية تطوير تيار ثوري ديموقراطي واسع يتكون من القوى والتجمعات السياسية والثقافية يرفع لواء برنامج وطني ديموقراطي حقيقي على انقاض برنامج اوسلو ومدريد بحيث يكون قادرا على التاثير في الحركة الجماهيرية ولا يقتصر عمله على العمل الفكري والسياسي فقط . وبحيث يستطيع من خلال وجوده في مؤسسات السلطة الفلسطينية ومؤسسات م. ت. ف ان يمارس تاثيره الفعال على القيادة الفلسطينية الراهنة . 

ان التحاق الفصائل اليسارية منذ البدء ببرنامج اوسلو ومدريد ادى الى اضعاف نفوذها ومصداقيتها من كافة الجوانب رغم ان هذا الالتحاق والمشاركة في مؤسسات السلطة لم يخلو من انتقادات من هنا وهناك . وبالتالي فان قدرة هذه الفصائل اليوم على شق طريق مستقل وممارسة تاثير مختلف على الانتفاضة وعلى الحركة الشعبية ككل هو امر مشكوك فيه لانها ما تزال تسير في نفس سفينة ابو مازن ولا تحتفظ لنفسها بعمل مستقل مميز يضع مسافة واضحة بينها وبين التيار الذي يقود السلطة . انها بلا شك تتحمل مسؤولية السياسة الرسمية بالتضامن والتكافل مع ابة مازن ومن خلال الشراكة التي تمثلها الحكومة الفلسطينية وغيرها من المؤسسات . 
ولذلك يتوجب المراهنة على القوى الشبابية الصاعدة التي تتحلى بروح ثورية في كافة الفصائل الفلسطينية دون وضع اي اوهام على يسارية اي فصيل من الفصائل والاحزاب العاملة في الساحة الفلسطينية . 


يتوجب اليوم ان يرتبط شعار افشال السياسات الاسرائيلية في الاستيطان في القدس ورفع يد الاحتلال عنها ووقف اي اجراءات ضد المسجد الاقصى بالمطالبة الفورية بعقد مجلس الامن لتخاذ قرارات حازمة للجم حكومة العدو ووقف ممارساتها العدوانية والزامها بمطالب المنتفضين . 
ان كافة المثقفين الفلسطيين كتابا وصحفيين وفنانين معنيين اليوم بالوقوف صفا واحدا داعما لانتفاضة شعبنا البطولية . والعمل على توظيف اقلامهم لتطوير الاعمال البطولية التي يجترحا ابطال الانتفاضة ومحاولة توفية سبل الدعم والاسناد لها . 
اما الذين استبد بهم القلق وفقدان الاتجاه فعلى الاقل عليهم ان يصمتوا فالصمت افضل . لقد تضمنت بعض الكتابات التي انتشرت في بعض الصحف الفلسطينية وبعض مواقع النشر الالكتروني و التوصل الاجتماعي مثل هذا النوع من القلق والتشوش . 
يكفي هذه الانتفاضة انها اعادت القضية الفلسطينية الى مقدمة الصفوف والاهتمامات عربيا ودوليا . يكفي انها حركت المبادرات والنقاشات حول القضية الفلسطينية . وبدلا من اضاعة الوقت والجهد في النقاشات البيزنطية في قضايا عمومية فليعمل الجميع من اجل دعم هذه الملحمة البطولية والتكاتف معا لكسر شوكة الاحتلال وافشال اهدافه .