التحول في الأدوار

e-mail icon
التحول في الأدوار
مهند عبد الحميد
مقالات
-
السبت, 8 آيار (مايو), 2010

تحررت المجموعة المؤسسة لحركة «فتح» من إرثها في حركة الإخوان المسلمين، فطرحت الهوية الوطنية الجامعة التي يشكل الدين أحد مكوناتها، وضمنت بذلك الالتقاء مع جميع التيارات السياسية وطبقات المجتمع الفلسطيني. وهذا ما لم تفعله «حماس» التي التزمت الهوية الدينية كهوية جامعة. ونجحت «فتح» بعد تحولها إلى حركة جماهيرية باستراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد، في إحياء الشخصية الوطنية الفلسطينية التي تعرضت للطمس على أيدي الأنظمة العربية لاعتبارات مختلفة، كما نجحت في بلورة دور وطني خاص للشعب الفلسطيني، من دون أن تعزله عن امتداده العربي أو بعده العالمي.

 

منذ بداية التأسيس، امتلكت «فتح» بذور الازدهار والتراجع، عناصر القوة وعناصر الضعف، الديموقراطية والاستبداد، الشراكة والتفرد، التقدم والرجعية، الانحياز للجماهير الشعبية ورعاية مصالح رأس المال؛ أي، امتلكت «فتح» الشيء ونقيضه كأي ظاهرة وكائن حي. ولم تتبن «فتح» ايديولوجيا محددة ولا نظاما حزبيا شموليا، بل طرحت نفسها كحركة جماهيرية تشبه الشعب الفلسطيني بتنوعه وبتناقضاته. بمعنى آخر شَرَّعَتْ «فتح» الأبواب على الداخل الفلسطيني بمختلف ألوان الطيف السياسي والفكري والثقافي والديني.

إن غياب الهوية الفكرية لتنظيم «فتح» دفع اتجاهات فكرية متنوعة للانتماء إليها، فدخلها قوميون وماركسيون وإسلاميون وليبراليون واتحدوا جميعا على هدف التحرر الوطني في إطار التعدد والوحدة والتوازن بين مصالح متنافسة. وكان ياسر عرفات ومعه أركان القيادة التاريخية، مثل صلاح خلف، وخليل الوزير، يقودون هذه العملية ويحسنون توظيفها وقطف ثمارها، لكنهم لم يسمحوا لها بالحد من سيطرتهم وتحكمهم بالقرار السياسي. حاول مثقفو «فتح» تحويلها إلى حركة ثورية على النمط الفيتنامي أو الغيفاري أو الماوي (منير شفيق ومحجوب عمر وناجي علوش ومعهم الكتيبة الطلابية «الجرمق»)، وبعضهم اعتمد النموذج السوفياتي التقليدي (ماجد أبو شرار، وأبو صالح). في الوقت عينه برز خالد الحسن كمنظر للفكر اليميني الليبرالي، وكان له تأثير وامتداد داخل «فتح». ولوحظ أن سياسة «فتح» وبرامجها الرسمية أعطت العقيدة الاجتماعية دورا هامشيا، وأعطت التعلم والتغيير وإعادة البناء مكانة متدنية. هذا الموقف أضعف حركة فتح ووضعها أمام احتمال الاعتماد على العوامل الخارجية – الدعم المالي والسياسي - على حساب اعتماد مشروع اجتماعي تحويلي داخل المجتمع. وشيئا فشيئا اختلت المعادلة لمصلحة الاعتماد على العوامل الخارجية، وتقلص اعتماد القيادة على طاقات المجتمع والشعب والحلفاء الطبيعيين.

وثَّقَتْ قيادة «فتح» علاقاتها مع دول الخليج، الداعم الأكبر لها، وفي الوقت ذاته انفتحت على المنظومة الاشتراكية والأحزاب الشيوعية وحركات التحرر، وحصلت على عضوية الاشتراكية الدولية، وأقامت الجسور مع أوروبا الغربية، وانفتحت على الحزب الشيوعي الإسرائيلي ومجموعات سلام إسرائيلية. وعلى الرغم من إخفاق الاتجاهات الراديكالية في إطار بنية «فتح» الداخلية، إلا أن التعدد الفكري ساد في عقدي السبعينيات والثمانينيات وشكل النقد والسجال عامل إثراء لتجربة «فتح»، وبخاصة في ظل وجود «مركز أبحاث» نجح في استقطاب كفاءات فكرية وثقافية عربية وفلسطينية، وأغنى المستوى السياسي بالفكر والمعرفة، إضافة إلى جهود المفكرين اليساريين العرب الذين اهتموا بتجربة الثورة الفلسطينية وعوّلوا عليها في تغيير الواقع داخل بلدانهم العربية. لقد شهدت تلك المرحلة نشاطا فكريا متنوعا ترك تأثيرا ايجابيا على سياسة وقرارات قيادة «فتح» والمنظمة.

التدخل الخارجي ومحاولات تغيير «فتح»

شَرَّعَتْ حركة فتح الأبواب على الداخل والخارج، وكانت مواقفها حصيلة ذلك التفاعل بين الاتجاهات والقوى داخلها وخارجها، إلا أن حجم التغيير والتحول تأثر أكثر بفورة النفط وبالبترودولار الذي ترك بصماته على بنية الحركة وسياساتها. شيئا فشيئا، تراجع التعدد والاستقطاب والسجال الداخلي تدريجيا إلى أن نضب وتوقف إنتاج الفكر، لمصلحة الأجهزة الإدارية والأمنية والمركزية والأبوية. وشيئا فشيئا، اختلت المعادلة لمصلحة الاعتماد على العوامل الخارجية، وتقلص اعتماد القيادة على طاقات المجتمع والشعب والحلفاء الطبيعيين. وكان من شأن اختلال التوازن الداخلي زيادة حجم التدخل الخارجي وارتفاع وتيرة الصراع على «فتح» ومن خلفها منظمة التحرير. وعلى الرغم من ذلك، ظل تنظيم «فتح» الطرف المقرر في سياسة وتركيبة المنظمة وفي القرار الرسمي الفلسطيني. وقد اقترنت التغيرات والتحولات التي شهدتها المنظمة بالتحولات داخل حركة «فتح». وبقيت معادلة الإمساك بالورقة الفلسطينية واستخدامها في الصراعات الإقليمية والدولية سارية المفعول في مرحلة صعود «فتح» وفي مرحلة هبوطها وضعفها. فمن له مصلحة في التأثير على القرار الفلسطيني كان عليه التوقف عند حركة «فتح».

إذا كان تدخل البترودولار ظل صامتا على الرغم من مفاعليه السياسية والبنيوية، فإن محاولة النظام السوري استخدام «فتح» بلغت ذروتها في انقسام الحركة عام 1983 وحرب المخيمات في شمال لبنان وفي بيروت. بدوره، حاول نظام صدام حسين استخدام الورقة الفلسطينية عبر المنظمة و«فتح» بعد احتلاله الكويت وفي أثناء حرب الخليج الأولى عام 1991، وفي أثناء الانتفاضة الثانية. وعندما أراد النظام الدولي الجديد ذو القطب الواحد إعادة صوغ المنطقة بعد حرب الخليج الأولى، كان بحاجة إلى استخدام القضية الفلسطينية، وكان العنوان هو المنظمة التي تسيطر عليها حركة فتح، والتي تعرضت منذ بدء مؤتمر مدريد لضغوط شتى ولاشتراطات من نوع «نبذ الارهاب» والاعتراف بإسرائيل، وشطب بنود في الميثاق، وإعطاء السلطة مكانة أكبر وأهم من مكانة المنظمة، ورعاية التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ووضعها في خدمة الحل السياسي الذي تقبل به إسرائيل.

كلنا يذكر القرار الإسرائيلي الأميركي الذي اعتبر الرئيس عرفات «غير ذي صلة» على خلفية رفضه الانصياع للشروط الإسرائيلية الأميركية في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، وبعد اكتشاف باخرة الأسلحة «كارين ايه» التي كانت متوجهة إلى قطاع غزة. ولم تحم عرفات جائزة نوبل التي اقتسمها مع رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين ووزير الخارجية شمعون بيريس. وأُتبِعَ قرار سحب الاعتراف بقرار حصاره وتدمير معظم البناء الذي يقيم فيه (المقاطعة)، وقطع الأموال عنه، وصولا إلى تسميمه والتسبب في وفاته كما تذهب الكثير من التقديرات والتسريبات غير الرسمية. الموقف من عرفات كثف مستوى التدخل الخارجي في الشأن الفلسطيني عبر «فتح» والسلطة. ذلك التدخل الذي استهدف تغيير الدور والأهداف، وكذلك البنية، بما ينسجم مع المشروع الإسرائيلي الكولونيالي العنصري (أبارتهايد)؛ تدخل يستخدم المال والمصالح والتأثير السياسي والثقافي، وصوغ أشكال من المؤسسات، وتلميع رموز وإعدادها للخيارات البديلة، وهو التدخل الذي قدمت نموذجا له «اليو أس ايد» بشكل واضح وصريح.

ملك التملص

دعا الرئيس بيل كلينتون كلاً من ياسر عرفات وبنيامين نتنياهو وأرييل شارون إلى "واي ريفر" في 23/10/1998 للتفاوض مباشرة. وحاول كلينتون أن يجمع عرفات وشارون معاً، فرفض شارون مصافحة عرفات. فعلق أبو عمار قائلاً: أنا لا أريد يده، بل الأرض التي تحت يده. وكان يستفزه دائماً بالقول علناً: سأهزمه كما هزمته في بيروت. ومات أبو عمار وغاب شارون ولم يتصافحا قط.

قبيل الموعد المرتقب أراد كلينتون أن يمهد الأمور قبل لقاء "واي ريفر"، فضغط على نتنياهو كي يلتقي عرفات ثنائياً قبيل وصولهما إلى الولايات المتحدة، فأرسل نتنياهو اثنين من مستشاريه للتحضير لهذا اللقاء أحدهما محاميه، والثاني كان ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة وهو متشدد دينياً. ووصل الإثنان سراً إلى غزة، وقادهما محمد دحلان إلى منزل ياسر عرفات بعدما أوهمها دحلان أن اللقاء في منزل عرفات هو تكريم لهما. وكان اللقاء مضحكاً. فقد تأخر عرفات ساعتين قبل أن يحضر إلى المنزل. وأعد لهما غداء لا يتلاءم البتة مع الشريعة اليهودية. وكلما حاولا أن يعرضا شروطهما كان ياسر عرفات يشتت النقاش بموضوعات لا علاقة لها باللقاء المفترض. واستمرت المقابلة خمس ساعات من دون أن يناقش عرفات حرفاً واحداً، ثم نهض وقال للمبعوثين: حسناً، أعطوا أوراقكم إلى محمد دحلان، وسيأتي بها إلى مكتبي لمناقشتها. المال شكل العنصر الأهم في رعاية التحولات الداخلية، وفي الذهاب إلى سياسات متعارضة مع سياسة وبرامج «فتح» والمنظمة. فقد جرى وقف البترودولار أثناء أزمة الخليج، وتحولت أموال الدعم للسلطة عوضا عن المنظمة و«فتح»، بعد إعطاء السلطة مكانة أكبر وأهم من مكانة المنظمة، وتم ذلك عبر إغراق «فتح» في السلطة وعلاقاتها الجديدة. ولم يتمكن الصندوق القومي، ولا صندوق «فتح»، من تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات التي تجعل القرار السياسي مستقلا بالحد الأدنى، وذلك بفعل استشراء الفساد وغياب المحاسبة. الآن اصبحت «فتح» تحت رحمة الدعم الخارجي، تتلقى بعض مراكز القوى والاتجاهات السياسية المتفهمة لأهداف المانحين بعض الدعم في سياق الدفع نحو مواقف سياسية وحلول دون سقف البرنامج الوطني.

إن محاولات استخدام «فتح» كغطاء والتدخل الخارجي في شؤونها قطع شوطا طويلا وحقق اختراقات وتأثيرات، ولكن لا تزال أمام قوى الاستخدام من داخل وخارج «فتح» أشواط أخرى في سياق مأسسة السلطة وتكييفها مع الحل السياسي الأميركي الإسرائيلي. ولا تزال احتمالات الاعتراض الفتحاوي على تغيير هوية الحركة ودورها الوطني التاريخي قائمة أيضا وتؤخذ في الحسبان.

الاستجابة الداخلية

اتجهت قاعدة «فتح» وأنصارها نحو اليسار والعلمانية في مرحلة الصعود، فقد تأثركادر»فتح» بأفكار اليسار وأساليب عمله عندما كانت المعارضة يسارية. واتجهت قاعدة «فتح» وتأثر كادرها باليمين وبالإسلام السياسي وبشعاراته وحتى بأساليب نضاله (العمليات الاستشهادية)عندما أصبحت المعارضة الأقوى معارضة إسلامية، بل إن بعض الرموز اليسارية في «فتح» مثل منير شفيق تبنت الإسلام السياسي كفكر وهجرت الفكر اليساري. أما التحول الأخطر في «فتح»، فكان انفصال قاعدة التنظيم عن القيادة في مرحلة ما بعد أوسلو، المترافق مع انفصال الداخل الفلسطيني عن الخارج والشتات. إن غياب دور اللجنة المركزية والمجلس الثوري واللجنة الحركية العليا والمؤتم العام الذي لم ينعقد منذ عام 1989 وحتى 2009، كل هذا أدى إلى وضع قاعدة «فتح»، بما في ذلك القاعدة الاجتماعية، تحت تأثير القوى داخليا وخارجيا.

يقول تقرير لجنة التحقيق الفتحاوية عن الصراع بين «فتح» و«حماس»، والذي أدى إلى هزيمة «فتح» هزيمة منكرة وإلى سيطرة «حماس» على قطاع غزة، إن الأخيرة نجحت في اختراق «فتح» والأجهزة الامنية وكتائب المقاومة المحسوبة على «فتح» باستقطاب وتأييد أعداد كبيرة لحركة حماس. كان ما يهم «حماس» إضعاف وتفتيت «فتح» بأي ثمن، وليس دعم وإسناد اتجاه سياسي محدد أقرب اليها وتوثيق التحالف معه، لأن هدف «حماس» غير المعلن هو وراثة «فتح» ونقل السلطات والتمثيل إليها حتى لو أدى ذلك إلى خراب «فتح».

مؤتمر «فتح» أبقى على المأزق

مؤتمر «فتح» عام 2009 قطع الطريق على التغيير والتصويب، فقد جرت هندسة المؤتمر من خلال التحكم بعضوية المشاركين، وعومت العضوية وتجاهلت لجنة الطعون ولجنة العضوية معايير العضوية، وعملت اللجان الأمنية بموازاة لجان العضوية وقامت بوضع قوائم سوداء من غير المرغوب فيهم. لم يحاسب المؤتمر المتهمين بالتقصير وبالفساد والمسؤولين عن الهزائم وتبديد أموال التنظيم، وأخيرا انتخبت اللجنة المركزية والمجلس الثوري الجديدان. وعبرت نتائج المؤتمر عن التحولات الاجتماعية الاقتصادية داخل المجتمع وتحولات التنظيم السابقة. ونجحت مراكز القوى في صوغ الهيئات الجديدة، وكان من أبرز مظاهرها التمثيل القوي للشخصيات الأمنية والعسكرية (6 أعضاء لجنة مركزية من الـ19 المنتخبين). وانخفض تمثيل الشتات بمستوى غير مسبوق (4 أعضاء لجنة مركزية من 19 عضوا)، وهذا الانخفاض سيؤثر في المكانة السياسية لـ«فتح» بين الشتات ويعبر عن ضعف الالتزام بقضية اللاجئين. أما تمثيل غزة فأبقى على المسؤولين عن الهزيمة الذين غادروا القطاع في اللحظة الحرجة. وجاءت اللجنة المركزية خالية من وجود المرأة وتمثيلها – نصف المجتمع - وكان تمثيلها في المجلس الثوري هزيلا، ما يشير إلى هيمنة ذكورية محافظة تتناغم مع التحولات الرجعية داخل المجتمع.

لقد رسّم المؤتمر انفصال القيادة عن قاعدة التنظيم وعن بقايا الهياكل السياسية والاجتماعية للقاعدة الشعبية، وتحديدا مع الجيل الشاب الذي شارك في الانتفاضتين. احتلت (مراكز القوى) والمصالح العائلية والعشائرية والجهوية مركز التنظيم. وبهذا قطع المؤتمر الطريق على الإصلاح وعبد طرقا أخرى أخطرها أولا: أن ترث الحركة فئة من أصحاب النفوذ والمال والسطوة الأمنية للعمل باسم «فتح» وتحت راياتها، بالتساوق مع المشروع الإسرائيلي الأميركي. هذا الاحتمال وجهت له ضربة قوية من خلال فصل محمد دحلان عضو اللجنة المركزية الجديد، الذي سرعان ما استخدم عضويته لتعزيز مركز القوة الذي يقوده، والسير قدما باتجاه وراثة الحركة. الاحتمال الثاني: أن ترث «حماس» «فتح» بالاستناد للتحولات الرجعية داخل المجتمع (قوة العشائر والعائلات والتعصب) كآليات للسيطرة الجديدة.

لا يوجد حتى الآن مجرى آخر لإعادة بناء «فتح» ديموقراطيا ووطنيا، وذلك في غياب أو ضعف الكادر القيادي الديموقراطي التنويري داخل «فتح»، وفي غياب الحراك الفكري الديموقراطي التنويري الذي بدأته قوى اليسار والنخب المثقفة في السبعينيات وواصلت إطلاقه في الثمانينيات، لكنها همدت ودخلت في حالة من السبات. والسؤال هل تنشأ قوى ديموقراطية جديدة على وقع الثورات العربية التي فتحت السجال الفكري على مصراعيه؟ أم هل تصحو قوى اليسار ونخب الثقافة والفن من غيبوبتها. إن ما يمكن قوله إن الصراع على حركة فتح يتعاظم من أجل استخدام تاريخها ورصيدها النضالي في خدمة مصالح ومشاريع متعارضة مع مشروعها الوطني. ولماذا لا يكون للصراع وجهة أخرى تستخدم الرصيد الكبير في خدمة المشروع الوطني الديموقراطي؟

 كاتب مقيم في رام الله.