التصعيد الإسرائيلي – الإيراني: الحرب المؤجلة

e-mail icon
التصعيد الإسرائيلي – الإيراني: الحرب المؤجلة
رازي نابلسي
تقدير موقف
-
الأحد, 22 نيسان (أبريل), 2018

(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد الباحث رازي نابلسي).

مقدمة

لا تزال احتمالات اندلاع حرب على الجبهة الإسرائيلية الشمالية، أي مع لبنان أو سوريا، في تصاعد مستمر، خاصة بعد العدوان الإسرائيلي على مطار تيفور (T-4) العسكري بالقرب من حمص السورية، الأسبوع الماضي. وما زاد من حدة هذا التوتر التهديدُ الإيراني بردٍ قادم على العدوان الإسرائيلي، الذي راح ضحيته 7 عسكريين وخبراء إيرانيين على الأراضي السورية.

وهذا ما يتفق فعلًا مع توقعات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي تنبأت منذ بداية العام بارتفاع احتمالات نشوب الحرب، رغم إعلانها أنّ أيًا من فصائل المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية، أو إيران وسوريا، لن يسعى أو يبادر إلى الحرب، كل بحسب ظروفه، إلا أنها لم تعلن أن إسرائيل لن تبادر إلى الحرب، بل على العكس، تبقى الضربات العدوانية الإسرائيلية على الأراضي السورية، بين الحين والآخر، أكثر ما يهدد نشوب الحرب التي يعتقد الأغلبية أنها آتية لا محالة، وأن السؤال هو سؤال الوقت. 

يبدو من الصعب جدًا قراءة التطورات الجارية في سياق الصراع الإسرائيلي - الإيراني الذي تشكل سوريا أرض المعركة فيه، حتى اللحظة، دون فهم الموقف الإسرائيلي من العدوان الأميركي -البريطاني - الفرنسي الأخير على سوريا. إذ ترى إسرائيل فيه أقل من المطلوب، ولا يحقق أيًّا من الأهداف التي طمحت إسرائيل إلى تحقيقها من خلاله، حتى وصل الأمر بألون بن دفيد، المحلل العسكري للقناة الإسرائيلية الثانية، إن الضربة "لو لم تحصل، لكان أفضل". وهو يشير إلى حجم التوقعات العالية خلال فترة ترقب الضربة العسكرية، وما حققته الضربة فعلًا على أرض الواقع. وهذا ما يُضاف إليه انعدام عنصر المفاجأة، وإبلاغ الروس مسبقًا بالأهداف المقرر ضربها، ما منح النظام السوري وحلفاءه الوقت الكافي لتجنب خسارة أكبر جراء العدوان العسكري

رابط مباشر للقراءة أو التحميل 

إسرائيل في سوريا: إيران وحزب الله أولًا

وضعت إسرائيل لذاتها في الساحة السورية خطوطها الحمر التي تمثلت: أولًا، في منع وصول أسلحة متطورة وأكثر دقة من إيران وسوريا إلى حزب الله، وهو ما تحاول تحقيقه من خلال ضرباتٍ عسكرية ممنهجة في الأراضي السورية بذريعة "قوافل أسلحة متوجهة إلى حزب الله"؛ وثانيًا، في منع تمركز إيراني في الأراضي السورية من شأنه أن يجعل من سوريا جبهة إيرانية متقدمة تجاه إسرائيل في أي حرب مستقبلية.

وعلى ما يبدو، فإن الثاني أخذ يطغى على الأول، خاصة بعد أن باتت الحرب السورية تُحسم في اتجاه بقاء النظام السوري الذي ترى فيه إسرائيل حليفًا لإيران. ولعل هذا ما يُفسر ازدياد حدة التهديدات الإسرائيلية تجاه إيران، التي ترد بالمثل لفظيًا دون أي رد عسكريّ يرتقي إلى مستوى العدوان خلال الشهر الأخير، ما يزيد من حدة التوتر على الجبهة الشمالية للأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي هذا السياق، يشكل اعتراف ضابط في الجيش الإسرائيلي، خلال مقابلة أجراها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، بأن إسرائيل هي من قصفت مطار تيفور مؤشرًا على نية إسرائيل التصعيد تجاه إيران، خاصة أن إسرائيل، في العادة، لا تعترف رسميًا بتنفيذها ضربات عسكرية جوية في سوريا. وهو ما وصفه المحلّل العسكريّ في صحيفة "معاريف"، بأنه لا يمكن أن يكون مجرّد "هفوة"، بل إنّه رسالة إسرائيليّة إلى إيران مفادها أن إسرائيل لا تُخفي، وتعترف بأنها ضربت مطار تيفور.

 يلتقي تصريح الضابط الإسرائيلي، رفيع المستوى، مع ما قامت به أجهزة الأمن الإسرائيليّة من حيث التصعيد في الصراع مع إيران، إذ سمحت الرقابة العسكريّة الإسرائيليّة بنشر أمرين يشكّلان مكمّلًا لهذه السياسة:

  • نشر صور لأربعة مطارات وقواعد عسكريّة إيرانية في سوريا، وهو ما يمكن تفسيره باتجاهين: أولًا، باتجاه إيران ذاتها كسياسة عدوانية بالقول إن إسرائيل تعرف جيدًا مواقعكم العسكريّة ويمكن ضربها؛ وثانيًا، باتجاه الرأي العام الدوليّ، إذ تستطيع إسرائيل تبرير أي عدوان على إيران مستقبلًا في الأراضيّ السورية.
  • نشر خبر مفاده أن الطائرة بلا طيّار التي أسقطتها إسرائيل في الأراضي المحتلة، كانت تحمل موادًا متفجّرةً لتنفيذ عمليّة.

إن توقيت هذا النشر، يشير إلى أن إسرائيل تسعى إلى تهيئة الرأي العام الدوليّ، في حال بادرت إلى ضرب إيران أو مصالح إيرانية في سوريا.

 

تصعيدٌ حَذِر: إسرائيل تتوجّس ردًا إيرانيًّا

يصاحب هذا التصعيد، الذي تبادر إليه إسرائيل كما أورد التقدير سابقًا، توجّس إسرائيليّ من رد إيرانيّ بسبب الهجوم على مطار تيفور، وهذا ما تؤكده المستويات الأمنية الإسرائيليّة في المقابلات التي تجريها مع الصحافة. إذ تتوقّع إسرائيل ردًا إيرانيًا على ضرب المطار، إمّا من خلال إيران ذاتها عبر استهداف النقاط العسكريّة الإسرائيلية المتاخمة للحدود السوريّة أو اللبنانية، وإمّا من خلال حزب الله، الذي أكد أن إيران هي التي سترد على العدوان الإسرائيليّ.

وما يؤكد التوجّس الإسرائيلي امتناع سرب طائرات كامل عن المشاركة في احتفالات "الاستقلال" بسبب التوتّر شمال الحدود، وتقليص عدد الطائرات التي ستشارك في تدريبات في أميركا، فضلًا عن توقّعات إسرائيل التي لم تتحقّق، بأن إيران من الممكن أن ترد في يوم "استقلال" دولة الاحتلال.

يعتبر بعض المحلّلين العسكريين الإسرائيليين أن التوجّس الإسرائيليّ المصحوب بتصعيد، من الممكن أن يكون تحت بند "الهجوم أفضل وسيلة للدفاع"، خاصة إذا ما أضيف إليه حقيقة أن بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأفيغدور ليبرمان، وزير الأمن، بادرا في كافة المناسبات الأخيرة - وهي كثيرة، حيث تصادف ذكرى نكبة فلسطين، بدءًا من "ذكرى المحرقة" حتّى "شعلة الاستقلال" – إلى القول إن إسرائيل "تدافع عن نفسها"، مع التأكيد على رفض التمركز الإيراني في سوريا، الذي اعتبره نفتالي بينيت، وزير التربية والتعليم، خطأً إستراتيجيًّا إسرائيليًّا طويل المدى.

وعلى الرغم من تأكيد رؤساء هيئة الأركان الأربعة السابقين، في مقابلة جمعتهم على القناة العاشرة، أن لا خطر وجوديًّا على إسرائيل، إلّا أن الساسة لا يزالون يؤكدون في كل فرصة، أن الوقت يلعب لصالح إيران، وأن كل تأخير في تعطيل مشروعها في سوريا، يجعل من الأمور أكثر تعقيدًا.

هذا كلّه يضاف إلى حقيقة غاية في الأهمية: إسرائيل لا تضمن نتائج أي عدوان على إيران. وطبعًا، ذلك يعود إلى حقيقة أن ضربة عسكريّة إسرائيليّة لإيران من الممكن أن تكون عواقبها وخيمة على الجبهة الداخليّة الإسرائيليّة، وفوق قدرة تحمّل المجتمع الصهيونيّ.

 

الصراع الإسرائيليّ- الإيراني: منطق الحسابات الدولية

لعل ما يجعل من هذه الحرب في تأجيل مستمر، هو الساحة الدوليّة المحيطة فيها وبساحتها المركزيّة - سوريا. فمنذ العام 2012 منعت الولايات المتحدة إسرائيلَ من ضرب إيران، ورفضت تزويدها بالصواريخ المعدّة لاختراق التحصينات الإيرانية للمفاعل النووي، وإنشاء جسر جوّي لتعبئة الوقود للطيران الإسرائيليّ. ولكن الساحة الآن مختلفة كليًا، وهي أكثر تعقيدًا من الساحة العام 2012، ولعل هذا ما يشير إليه بينيت بالقول إنه خطأ إستراتيجي طويل المدى. إذ تتوجّس إسرائيل أولًا من إسقاط النظام السوريّ جرّاء حربها مع إيران دون وجود ضمانات بظهور نظام أفضل لإسرائيل، أو خشية التسبب بحالة فوضى في سوريا يصعب السيطرة عليها، أو التنبؤ بمآلاتها.

وعلى الرغم من أن النخب الإسرائيليّة تصرّح علانية بأهميّة إسقاط النظام السوري، إلّا أن هكذا سيناريو من شأنه أن يُغضب روسيا التي تدعم النظام، ووضعت العديد من الموارد في سبيل الحفاظ عليه، خاصة أنه من الممكن أن يجعل من إسرائيل في مواجهة مباشرة مع روسيا، التي تسعى إسرائيل إلى الإبقاء عليها في صفّها، والإبقاء على التنسيق معها في مستويات جيّدة أولًا؛ وتتوجّس إسرائيل ثانيًا من إقدام ترامب على سحب الجنود الأميركيين من سوريا، وهو ما تعتقد أنه سيفتح المجال للتمركز الإيراني أكثر ممّا هو متاح حاليًا.

بالنسبة إلى إسرائيل، يشكّل الانسحاب الأميركي من سوريا الضوء الأخضر لروسيا، التي ستمنح بدورها الضوء الأخضر لإيران والنظام السوريّ اللذين هما بالنسبة إليها، إستراتيجيًا، أهم بكثير من مصالح إسرائيل.  وعلى الرغم من أن إيران وروسيا حليفتان في سوريا إلّا أنهما أيضًا قوّتان لدى كل منهما إستراتيجيّتها المنفصلة ومصالحها الخاصّة، غير أن نقاط التلاقي بين القوّتين أقوى من المصالح الروسيّة - الإسرائيليّة في سوريا، وخاصة أن روسيا ترى حاليًا الوجود الإيراني في سوريا في صالحها من حيث الحفاظ على النظام السوريّ واستمراريّته.

يضع الوجودُ الروسيّ في سوريا إسرائيلَ في تمترس قويّ خلف الولايات المتّحدة وسياستها الفاقدة للإستراتيجيّة في سوريا، وهذا ما يزيد من تعقيد الموقف الإسرائيليّ تجاه سوريا ويقيّدها بعض الشيء، إذ إن أي خطوة إسرائيليّة من شأنها أن تغيّر جذريًا المعادلة السورية، ستصطدم بالتواجد الروسيّ.

ومن هذا المبدأ، لا يمكن فهم سلوك إسرائيل العدوانيّ الحذر في ذات الوقت دون فهم السلوك الأميركيّ الضبابيّ وغير الواضح تجاه سوريا، إذ لا تزال إسرائيل في ترقّب لما سيقوم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تجاه الاتفاق النووي الإيرانيّ، وهو ما يعد غير واضح حتّى اللحظة، خاصة أن ترامب معروف بأنّه غير متوقّع، ولا يمكن البناء على تصريحاته التي يغيّرها بشكل مستمر، وأن دول الاتحاد الأوروبيّ ضد الانسحاب من الاتفاق النووي.

في هذا السياق، تسعى إسرائيل لإقناع الإدارة الأميركيّة بالتراجع عن الاتفاق، وهو ما يعيد العقوبات الدوليّة على إيران، إذ تراهن إسرائيل على أن هذا من الممكن أن يدفعها إلى التراجع عن برنامجها النووي، أو إلى أزمات داخليّة، أو إلى دعم أميركيّ لضربة عسكريّة.

على الرغم من حقيقة أن الصراع الدوليّ الأميركي - الروسيّ في سوريا لا يزال حتّى اللحظة يمنع اندلاع الحرب الإيرانية - الإسرائيلية، إلّا أن هذا الصراع ذاته، من شأنه أن يسرّع نشوب الحرب في حال اشتداده كما حصل مع العدوان الثلاثي على سوريا. إذ من الممكن أن تؤدّي الضربة العسكريّة الثلاثية، التي ترى فيها إسرائيل ضربة دون جدوى، إلى دفع الروس لتزويد النظام السوريّ بأنظمة الدفاع الجوّي (S-300) التي ترى فيها إسرائيل تهديدًا على حريّة الحركة الجويّة فوق الأراضيّ السورية، ومن هذا المنطق رد عاموس يدلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكريّة السابق، ومدير معهد أبحاث الأمن القوميّ حاليًا، بالقول إن "إسرائيل ستقصف منظومات الدفاع الجوّي في حال سلّمتها روسيا لسوريا. وهنا تحديدًا، يُظهر يدلين الخط الأحمر الإسرائيليّ الإضافي الذي اتفق عليه مع الروس: حريّة الحركة الجويّة الإسرائيليّة فوق سوريا.

 

سيناريوهات محتملة

أمام هذا الواقع، يسعى هذا التقدير إلى رسم ثلاثة سيناريوهات أساسيّة لتوجّهات الصراع الإسرائيليّ - الإيرانيّ في سوريا:

السيناريو الأول: استمرار التصعيد اللفظيّ دون تصعيد عسكريّ مع استمرار إسرائيل في استهداف شحنات حزب الله

يتضمن هذا السيناريو استمرار التهديدات المتبادلة بين إسرائيل ونخبها السياسية-العسكريّة وبين إيران دون مواجهة عسكريّة مباشرة. ويعد هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا، لكون جميع الأطراف الفاعلة في الساحة السوريّة غير معنية باشتعال نزاع عسكريّ يكون مقدّمة لاستدراج القوى العظمى، التي ستسعى للحفاظ على مصالحها الإستراتيجيّة في سوريا. فروسيا التي سخّرت العديد من الموارد العسكريّة والمالية والبشرية للحفاظ على النظام السوريّ لن تسمح لإسرائيل بإسقاطه بهذه السهولة؛ وإيران التي تبني مشروعًا عسكريًا ضخمًا في سوريا، لن تخاطر به في المبادرة لصراع عسكريّ مع إسرائيل التي ستسعى أولًا لضرب المصالح الإيرانية والقواعد العسكريّة؛ أمّا إسرائيل فمن الواضح أنها غير قادرة على ضرب إيران وحيدة، وتحتاج إلى دعم الولايات المتحدة عسكريًا، التي تنسحب من الشرق الأوسط بدورها. ويرى هذا التقدير أن استمرار التصعيد اللفظي على المدى القريب، هو الذي سيسود وسيعزّز التوتر الحاصل دون مواجهة مباشرة.

كما يتضمن هذا السيناريو في داخله سعيًّا إسرائيليًّا لتغيير جوهر النظام السياسيّ الإيراني المعادي، مع الإبقاء عليه كنظام غير حليف، ولكنه غير عدائي بهذا الشكل.

السيناريو الثاني: رد إيراني محدود

يقوم هذا السيناريو على قيام إيران برد محدود يشبه إلى حد كبير استهداف حزب الله لدورية إسرائيليّة على الحدود في منطقة "هار دوف" في العام 2015. مثل هكذا رد إيراني، أو من خلال "حزب الله"، من الممكن أن تتعايش معه إسرائيل كثمن لضربها مطار تيفور، ويمكنها احتواء هكذا رد والاستمرار دون الانجرار إلى حرب شاملة من الممكن أن يشارك فيها حزب الله إلى جانب إيران.

ويتحقّق هذا السيناريو ليتكامل مع السيناريو الأول دون التأثير عليه، خاصة إذا ما استطاعت القوى العظمى احتواء الموقف عبر جهودها الديبلوماسية التي ستتفعل حال قيام إيران بأي رد عسكريّ تجاه إسرائيل.

 

السيناريو الثالث: حرب مباشرة بمبادرة إسرائيليّة

هذا السيناريو غير مرجّح على المدى القريب، ويقوم على استمرار إسرائيل في سياستها العدوانية على الأراضيّ السورية لضرب المصالح والمواقع الإيرانية، أو تصعيد هذه السياسة، أو قيام إسرائيل بضربة مباشرة لإيران ذاتها.

يتعلق هذا السيناريو إلى حد كبير بالسياسة الأميركيّة تجاه إيران ومدى الدعم الذي تقدّمه إلى إسرائيل على الصعيدين الديبلوماسيّ والعسكريّ، إضافة إلى الموقف الأميركي من الاتفاق النووي. وعلى الرغم من أن النخب السياسية والعسكريّة الإسرائيليّة تؤكد دومًا على أهميّة إيجاد حل للبرنامج العسكريّ-النووي الإيراني، إلا أنها لا تزال منذ سنوات تهدّد بالضرب دون تنفيذ ذلك فعليًا.

من الممكن أن يتحقّق هذا السيناريو أيضًا في حال قيام إسرائيل بأي مبادرة عسكريّة لإسقاط النظام السوريّ، أو شخص الرئيس، الذي تعتبره إيران وحلفاؤها، أحد أساسات النظام الذي يسعون للإبقاء عليه.

 

خاتمة

كما أسلفت سابقًا، فإن السيناريو الأول الذي يمكن أن يتداخل مع السيناريو الثاني، هو المرجّح في ظل الظروف الإقليمية والدولية وموازين القوى الحاكمة لها. وفي هذا السياق، تتوقّع إسرائيل دخول حزب الله في أي معركة مستقبلية مع إيران، مع ترجيحات إلى حرب شاملة على الجبهات الثلاث في حال دخول "حماس" الصراع، ما يجعل إسرائيل تحارب على الجبهات الثلاث، وهذا ما بدأ المحلّلون العسكريّون الإسرائيليّون بالإشارة إليه بعد تصريحات نائب رئيس الحرس الثوري الإيراني بالقول متوجهًا إلى الإسرائيليين: "لن تجدوا إلّا البحر ملاذًا لكم".

وفي حال تحقق السيناريو الثالث، أي حرب شاملة، ستسعى إسرائيل إلى البطش بالفلسطينيين في حال دخولهم إلى جانب إيران في حرب شاملة إقليميّة ومباشرة، خاصة أن الفصائل الفلسطينيّة لا تزال تمر بمرحلة من التراجع، ما يجعلها غير قادرة على التأثير في مجريات ونتائج هكذا سيناريو سيكون أقل ما يمكن على مستوى "صراع إقليميّ شامل".

ومن هذا المبدأ، يرى هذا التقدير أنه يتوجّب على الفلسطينيين منح الأولويّة القصوى أولًا إلى ترميم الذات وتعزيز الصمود الإيجابيّ، مع الابتعاد عن كونهم عنصرًا فاعلًا مسلّحًا في الصراع الإقليميّ، خاصة أن الحالة الفلسطينيّة تعاني من تفكّك وانقسام جغرافيّ-سياسيّ سيمكّن إسرائيل من الاستفراد  بالفلسطينيين في منطقة جغرافية محدّدة، واستغلال حالة الحرب الإقليميّة لتنفيذ مخطّطات تصفويّة باستعمال القوّة المفرطة المبرّرة عادة على أنّها "حالة حرب".

 إن دخول الفلسطينيّين في مثل هكذا سيناريو حتّى على مستوى التصريح، دون فهم وتوقّع صحيح ودقيق لمآلات هذا الصراع ونتائجه، سيكون له تبعات كبيرة ليس على النظام والبنية السياسية الفلسطينيّة فقط، بل يمكن أن تستغله إسرائيل لتنفيذ مشاريع تصفويّة عمومًا، في حال انقلاب ميزان القوى بحرب إقليمية يصعب توقّع ناتجها، ويصعب أيضًا توقّع نهايتها. ناهيك عن حقيقة أن التدخّل سيكون، في حال كان، على الجبهة الجنوبيّة، ما يجعل من تجمّع واحد فلسطينيّ، وهو غزّة، يدفع ثمن حروب إقليميّة تمتلك فيها إسرائيل الذريعة للبطش غير المحدود.

لذلك، يشدّد التقدير على منح أولوية للبناء الداخليّ للبيت الفلسطينيّ من حيث قدراته ووحدته السياسية والجغرافية، لبناء بنى سياسية واجتماعيّة تستطيع الصمود في وجه التحدّيات الإقليميّة عبر إستراتيجيّة واضحة متبنّاة ومتّفق عليها على طريق تفكيك المشروع الصهيونيّ الذي يهدّد الوجود الفلسطينيّ ويسعى إلى إبادته ماديًا ورمزيًا.