"التعزية" وخدمة الدروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

e-mail icon
"التعزية" وخدمة الدروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية
نجلاء أبو شلبك، ياسمين مسودة
تقدير موقف
-
الخميس, 14 أيلول (سبتمبر), 2017

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2017).

مقدمة

فتح قيام وفد من الداخل الفلسطيني المحتل برئاسة محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، بتقديم العزاء لأهالي عنصري الشرطة الإسرائيلية الدرزيين اللذين قتلا في القدس يوم الجمعة 14 تموز 2017، النقاش مجددًا حول الموقف من خدمة الدروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وبالنسبة لمعارضي هذه التعزية، فإنها حملت معنىً خفيًا يشجع الدروز على الانخراط في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وتضاف هذه التعزية لحوادث أخرى، تشير إلى تصور لدى أجزاء من القيادة الفلسطينية، يوجه عمليًّا، رسالة بأنّ المطلوب ليس مقاطعة المؤسسة الإسرائيلية، بما فيها الأمنية، بل ربما التحول إلى "سفراء سلام"، وإحدى حلقات الوصل السياسية الجديدة بين إسرائيل والمجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل والضفة الغربية وقطاع غزة.

لقراءة الورقة أو تحميلها ... اضغط/ي هنا

 

الدروز  داخل الأراضي المحتلة العام 1948

يبلغ تعداد الدروز في الأراضي المحتلة العام 1948 نحو 120 ألف نسمة يتوزعون على 22 قرية وبلدة في الجليل والكرمل.[1] امتازت السياسة الإسرائيلية بتوظيف العقدة الأقلوية لدى الدروز سياسيًا، واستخدمتها كأداة أمنية في التعامل مع المحيط العربي. فسعت إلى فصل الدروز عن محيطهم الثقافي والقومي من خلال الاعتراف بهم كأقلية دينية، ومن ثم كمجموعة قومية في العام 1956 وفرض التجنيد الإجباري في العام ذاته، وإقامة محاكم خاصة بهم في العام 1963.

تأسست لجنة المبادرة الدرزية في العام 1972 كرد فعل على سياسات الدولة المتبعة تجاه الطائفة الدرزية، ومن هذه السياسات التجنيد الإجباري والتدخل في شؤون الطائفة الدينية، ونجحت اللجنة في تقديم عريضة حملت 8 آلاف توقيع في العام ذاته، رُفعت إلى رؤساء الدولة، وطرحت فيها أربعة مطالب أساسية، هي: إلغاء الخدمة العسكرية، وعدم التدخل في الشؤون والأعياد الدينية، والكف عن مصادرة الأراضي وإعادة ما صودر، وتقديم الهبات والمساعدات المالية الفنية اللازمة لتطوير القرى الدرزية.[2]

قُتِل عنصرا الشرطة الإسرائيلية الدرزيين كميل شكيب شنان وهايل ستاوي صباح يوم 14 تموز الماضي،  قرب باب الأسباط، أحد أبواب المسجد الأقصى، على خلفية عملهما في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في عملية إطلاق نار نفذها ثلاثة شبان من مدينة أم الفحم، وهم محمد أحمد محمد جبارين، ومحمد حامد جبارين، ومحمد أحمد جبارين[3]؛ مما أعاد إثارة الجدل حول خدمة الدروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

 

مواقف الأطراف من خدمة الدروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

انقسم الموقف الفلسطيني عمومًا، وموقف فلسطينيّ الداخل المحتل خصوصًا، وموقف الدروز من الخدمة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بين مؤيد ومعارض، ولكل طرف مبرراته الخاصة به. فالطرف المؤيد يرى أنّه يحقق مصالح ذاتية من خلال الانخراط في العمل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فهذه الطريقة تمكنهم من الحصول على امتيازات وظيفية ومكاسب مادية مقارنة بغيرهم من المواطنين في إسرائيل، وتحقيق الشعور بالمساواة مع الإسرائيليين في المدن المختلطة، أو تعطيهم نوعًا من القوة كونهم من عائلات صغيرة، أو خوفًا من تعرضهم للمساءلة القانونية في حال عدم انخراطهم في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي قد تصل في بعض الأحيان إلى الاعتقال لمدة تتراوح ما بين أسبوعين - ثلاث سنوات.[4]

في المقابل، يبرر الطرف المعارض سبب رفضه بأنّ هذه الخدمة ستعمل على أسرلته وعزله عن بقية الشعب الفلسطيني[5]، فمن التجربة العملية لدروز سابقين تجندوا لم يلمس الدروز المعارضون للخدمة أية مكاسب إضافية كانت قد وعدت بها إسرائيل من يتجند في مؤسستها الأمنية، مثل وقف مصادرة الأراضي الخاصة بهم في البلدات الدرزية.[6] الأمر الذي استدعى ظهور حملات شبابية جديدة، فمنذ العام 2014 تسعى هذه الحملات لزيادة نشر الوعي حول رفض الشباب الدرزي للخدمة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منها: "ارفض، شعبك بيحميك"، "لن أخدم بجيشكم"، "تساهل ما بيستاهل".[7]

وفقًا للمعطيات المتوفرة خلال الفترة 2011-2014، نجحت إسرائيل في تجنيد غالبية كبرى من أبناء الأقلية الدرزية، فحسب مقابلة مع العميد العسكري أمير روغوبسكي نشرت في  الصحيفة الإلكترونية الصادرة عن وزارة الحرب الإسرائيلية، فإن العام 2011 شهد أعلى نسبة للدروز الذين يخدمون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية[8]، إذ وصلت نسبتهم إلى حوالي 82% من الشباب الدروز المفروض عليهم الخدمة العسكرية، في حين امتنع 18% فقط عن تأديتها ويرفضون الانخراط بالمؤسسة الأمنية، إما لأسباب دينية أو أخلاقية أـو سياسية.

نشرت صفحة دروز إسرائيل على موقع التواصل الإجتماعي- فيسبوك بناء على ما نشرته صحيفة الصنارة أنّ نسبة الدروز الذين يتجندون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية حتى أواخر العام 2013 بلغت أكثر من 80%، إذ بلغ عددهم 6967 درزيًا، في المقابل تجند 662 مسلمًا، و1705 بدويًا، و669 مسيحيًا، و208 شركسيًا.[9]

 

المواقف من التعزية ودلالاتها بشأن الخدمة العسكرية

صرح محمد المدني، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مسؤول ملف التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، في موقف مشابه سابقًا[10] حول قيامه بالتعزية بالضابط الدرزي في الجيش الإسرائيلي منير عمار، الذي كان يشغل منصب رئيس مكتب الإدارة المدنية في يهودا والسامرة، والذي لقي مصرعه نتيجة تحطم طائرة مدنية خفيفة كان يستقلها بتاريخ 25 آذار 2016، بأنّ التعزية هي للحي وليس للميت، وأنّ الدروز هم عرب وفلسطينيون، وأنّ الضابط كان رجلاً طيبًا لم يؤذ الفلسطينيين.

وعلى الرغم من موت العديد من الدروز، سواء بحوادث سير أو وفاة طبيعية، إلا أنه لم يعز بهم كما تمت وتتم التعزية بضباط وجنود وعناصر شرطة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من الدروز، ما يعني أنّ التعزية بهم جاءت لكونهم جزءًا من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وليس كونهم جزءًا من المجتمع الفلسطيني، فما يحاول أصحاب القرار الفلسطيني فعله هو محاولة تحويل هؤلاء الدروز الذين يخدمون في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى سفراء سلام لهم في علاقتهم مع إسرائيل، إذ عبّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تعازيه بوفاة منير عمار، وقال: "نحن نريدكم سفراء سلام بين الدولة التي تنتمون إليها والقوم الذي تنتمون إليه".[11]

أكد محمد بركة في بيان نشره على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي بأنّ تعزيته بالشرطيين الدرزيين مع باقي أعضاء الوفد (محمد طه، رئيس لجنة الوفاق الوطني، ومازن غنايم، رئيس بلدية سخنين، وجريس مطر، رئيس مجلس عيلبون، ومنصور عباس، نائب رئيس الحركة الإسلامية، وعصام مخول، القيادي البارز في حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة عصام مخول، وسمير حسين، رئيس مجلس دير حنا)، هدفت إلى نبذ الطائفية والحفاظ على الوحدة الوطنية في الداخل الفلسطيني المحتل، وأنّ هذه الزيارة لأهل القتلى لا تعني تراجعًا عن موقفهم المتمثل برفض التجنيد.

وبعض النظر عن حقيقة هذا الهدف، الذي قد يكون بالفعل خاصًا بمحاولة منع صراع أهلي عربي – عربي، إلا أنّ هذه الخطوة تتماشى مع ذات الاتجاه الذي يخدم ما عبّر عنه الرئيس عباس في لقاء سابق جمعه بلجنة المتابعة العليا أنّ "الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948 الذين تمثلهم لجنة المتابعة هم جسر السلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي".[12]

في المقابل رفضت حنين الزعبي[13]، عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي في منشور لها على صفحتها الشخصية على الفيسبوك، قيام الوفد بالتعزية، وأكدت أنّها ضربة للوحدة الوطنية وللمبادئ التي طالبت وما زالت تطالب الدروز برفض التجنيد، وبالمقابل عندما يتم قتلهم تتم التعزية بهم، أي أن ما يُطالب به الدرزي بخصوص التجنيد مجرد مطالب واهية.

وبدوره، أكد عبد الله صرصور[14]، الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، الرفض القاطع للخدمة العسكرية وللتعزية بأي جنود دروز يتم قتلهم خلال عملهم بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وأنّ الشعب الفلسطيني بأي مكان غير مُطالب تجاه الدروز المنخرطين بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأي التزام من أي نوع، ومن ينخرط بها عليه تحمل كافة المسؤولية.

كما عبّر امطانس شحادة شحادة[15]، الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، رفضه التعزيةن على اعتبار أن الشرطيين قتلا على خلفية عملهما وخدمتهما في الشرطة الإسرائيلية وليس على خلفية كراهية أو طائفية. وأكد أنه لا يجوز العزاء بهما لأن ذلك مخالف لكل ما يُطالب به الدروز على مدى سنوات من رفض للتجنيد ومحاولة دمجهم بالمجتمع الفلسطيني.

استنكر البعض من الأقلية الدرزية مقتل أبنائهم، كما توقعوا استنكارًا من القيادة العربية في الداخل الفلسطيني لمقتل الشرطيين الدرزيين، وحاولوا استغلال هذه النقطة للتأكيد على انفصالهم عن بقية الشعب الفلسطيني، إذ وصف رفيق حلبي، رئيس بلدية دالية الكرمل، أكبر بلدة درزية في الأراضي المحتلة، القيادات العربية بأنهم جبناء، وطالبهم باستنكار قتل ابنيهما الشرطيين. إلا أنّ هناك موقفًا آخرًا من الأقلية الدرزية دحض المطالبة السابقة، فقد عبّر محمد رمال، أحد القادة الدينية الدرزية، أن الاستنكار الذي صدر من دروز آخرين هو محاولة لتأجيج الصراع الطائفي لا أكثر.[16]

مما سبق يتضح بأنّ مستقبل خدمة الدروز في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام مصيرين:

إما الحد من هذه الظاهرة، وهذا السيناريو الأقل ترجيحًا، لأنه على الرغم من كل محاولات وحملات التوعية الشبابية لتقليل أعداد الدروز المنتسبين لهذه المؤسسة مستقبلاً إلا نسبة الرافضين للخدمة قليلة مقارنة بالملتحقين، حيث بلغت 18% من أبناء الطائفة الدرزية.

أو استمرار الخدمة، وازدياد أعداد الدروز المنتسبين لها، وهذا السيناريو الأكثر ترجيحًا، على اعتبار أنهم "سفراء سلام" بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي أكده موقف التعزية في الضباط والجنود الدرزيين المقتولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إذ إنّ السلطة الفلسطينية ووفد لجنة المتابعة قاموا بالتعزية بالقتلى لكونهم جزءًا من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وليس لكونهم دروزًا وجزءًا من النسيج الفلسطيني، فلو صح ذلك لقدموا التعزية في غيرهم من الدروز غير المنتسبين للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مع العلم أن السلطة الفلسطينية ولجنة المتابعة لم تقدما التعزية، رسميًا، لأسر شهداء أم الفحم الثلاثة، وبالتالي يبدو السبب وراء هذه التعزية سياسيًا بحتًا.

 

الهوامش

[1] Charlie Hoyle. Who are Israel's Druze community? The New Arab. 2017. https://www.alaraby.co.uk/english/indepth/2017/7/18/who-are-israels-druze-community .

[2] الشيخ فرهود قاسم فرهود، لجنة المبادرة العربية الدرزية، دار المشرق، شفا عمرو، 2005، 16-18.

[3] حسين العبرة وآخرون، مقتل شرطييْن بعملية في القدس نفذها شباب من أم الفحم، موقع بانيت. تاريخ الزيارة: 30/8/2017. http://www.panet.co.il/article/1834822

[4] ريم أبو لبن، الجندي الدرزي "عربي" أم "إسرائيلي"؟، صحيفة الحدث، تاريخ الزيارة: 26/8/2017. http://www.alhadath.ps/article/61342/result.php

[5] الأقليات الفلسطينية في أراضي 1948: قصة الخدمة العسكرية للدروز، ملحق فلسطين في جريدة "السفير"، كانون الأول 2010. تاريخ الزيارة: 26/8/2017. http://palestine.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=1753

[6] علا عنان، حملات فلسطينية لرفض تجنيد الشباب العرب في الجيش الإسرائيلي، ساسة بوست، 3/5/2014، تاريخ الزيارة: 20/8/2017. https://www.sasapost.com/refusing-soldiering-israeli-army/

[7] צה”ל هي اختصار للأحرف الأولى من كلمات جيش الدفاع الإسرائيلي.

[8] עמיר רפפורט. בני 18 בישראל: הרוב לא מתגייס. Israel Defense. 2011. http://www.israeldefense.co.il/he/content/%D7%

[9] صفحة دروز إسرائيل على الفيسبوك، تاريخ الزيارة: 31/8/2017. https://www.facebook.com/IsraelianDruzeDrwzAsrayyl/photos/a.1388928541329005.1073741828.1381024678786058/1523248984563626 .

[10] محمود الفروخ، محمد المدني في حوار شامل لدنيا الوطن: لست نادمًا على تعزية ضابط الإدارة المدنية، دنيا الوطن، 25/4/2016، تاريخ الزيارة: 26/8/2017. https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2016/04/25/907770.html .

[11] عباس: الدروز بـ" إسرائيل" يشكلون "رسل سلام"، وكالة مجال الإخبارية، تاريخ الزيارة: 31/8/2017. https://magalpress.ps/News/%D8%

[12] قاسم بكري، عباس للمتابعة: "أنتم جسر السلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي"، عرب 48، 14/8/2016، تاريخ الزيارة: 7/9/2017. https://www.arab48.com/%D9%85%  

[13] أنيس نصر الدين، حنين زعبي: تقديم التعزية لمن يقاتل في صفوف المحتل هو ضربة للفهم الوطني البديهي للناس، موقع هنا، تاريخ الزيارة: 20/8/2017. http://www.hona.co.il/news-7,N-21869.html?fb_comment_id=1772771896074084_1772984559386151

[14]  إبراهيم صرصور، قراءة في واقعنا العربي المحلي بعد عملیة القدس، دنيا الوطن. تاريخ الزيارة: 16/8/2017. https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/441263.html

[15] الصفحة الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي- فيسبوك، تاريخ النشر: 18/7/2017.

[16] ليلي غاليلي، تحليل: الدروز والمسلمين في إسرائيل على صفيح ساخن، صدى الإعلام، 18/7/2017، تاريخ الزيارة: 26/8/2017. http://www.sadaa.ps/54750.html