التنسيق الأمني من رام الله إلى صوفيا!

e-mail icon
التنسيق الأمني من رام الله إلى صوفيا!
فؤاد أبو حجلة
مقالات
-
الأربعاء, 2 آذار (مارس), 2016

لا شيء يوجعنا أكثر من التنسيق الأمني الذي يقدسه رئيس سلطة أوسلو وينفذه رؤساء أجهزته الأمنية من المناضلين السابقين الذين يلتزمون الآن بعقيدة دايتون.

لم يعد سرا أن سلطة أوسلو الحاكمة في رام الله تنفذ مهمات أمنية متعددة لحماية الاحتلال ودورياته العسكرية وقطعان مستوطنيه التزاما باتفاقات أوسلو وما تبعها من اتفاقات فرعية تعهدت فيها السلطة بالتنسيق الأمني مع اسرائيل.

في سياق هذه المهمات “المقدسة” تجهد الأجهزة الأمنية للسلطة في مطاردة المطلوبين لإسرائيل واعتقالهم بحجة حمايتهم، وفي هذا السياق أيضا تنفذ الأجهزة حملات جمع السلاح من الفلسطينيين المحاصرين بالمستوطنات والمستوطنين المسلحين، وتعمل على كشف وإحباط محاولات تنفيذ عمليات فلسطينية في الداخل الاسرائيلي أو ضد القوات الاحتلالية وحواجزها التي تقطع أوصال الضفة، وقد تباهى مدير مخابرات السلطة بأن جهازه النشيط أحبط أكثر من مئتي عملية من هذا النوع منذ اندلاع حرب السكاكين التي يعبر فيها أبناء الضفة عن تمردهم على سلطة التقاسم الوظيفي مع الاحتلال.

كل هذا اللاطبيعي كان طبيعيا في عيون السلطة التي ارتضت على نفسها أن تكون مقاولا من الباطن لإسرائيل في الضفة وشريكا لحماس في مؤامرة الانقسام.

أعرف أن هذه لغة غير مألوفة في تناول الوضع الفلسطيني، لكنها لغة الشارع وليست لغة الكتاب المحكومين بحصار اللياقة المستفزة في توصيف الواقع الفلسطيني المشتعل بالغضب. وربما حان الوقت لأن نواجه الآخر بأخطائه وخطاياه وأن نقول له “أنت كاذب” بدلا من وصف كلامه بضعف الدقة، وأن نقول للفاسدين أمنيا “أنتم تخدمون العدو” بدلا من وصف نشاطهم بالخروج عن النص الوطني.

وإذا كانت الألفة تبدد الدهشة مثلما قال ابن عربي فإنني وغيري كثيرين فقدنا الدهشة منذ زمن بعيد، وتحديدا عندما تحول اتفاق أوسلو المشؤوم من مجرد اتفاق مؤقت مع عدو لا يحترم تعهداته إلى نهج حياة تعتبره السلطة قدرا فلسطينيا.

لكن ممارسات السلطة ورموزها في العهد العباسي تبالغ في الاستفزاز وتدفعنا للعودة إلى مربع القناعات الأولى بالمقاومة طريقا وحيدا للحياة، وتبعدنا عن الخيارات والبدائل التسووية البائسة التي تحيل الفلسطيني إلى مجرد ضحية جاهزة للذبح في كل الأزمان.

في زمن التنسيق الأمني مع الاحتلال تستنفر الأجهزة الأمنية الفلسطينية في البحث عن أي مستوطن تائه لتعثر عليه وتسلمه لسلطات الاحتلال، وتستنفر في الوقت ذاته في البحث عن أي فلسطيني “مشبوه” بالمقاومة لاعتقاله وتجريده من حرية قد تقلق راحة المستوطنين وعسكر الاحتلال في “المحاسيم”.

وفي زمن التنسيق الأمني ترفض السلطة تفعيل حق الشعب الفلسطيني في استخدام المنابر والمحاكم الدولية لمقاضاة الاحتلال على جرائمه، لكنها توسع صلاحيات النائب العام وتمنحه دون وجه حق، حق ملاحقة ممثلي الشعب من أعضاء المجلس التشريعي بقرارات الاعتقال، عندما تجرؤ نجاة أبو بكر وبعض من زملائها على انتقاد فساد السلطة وتواطأها مع الاحتلال.

وفي زمن الدمى الأوسلوية يتطاول الموظفون في مكتب الرئاسة على القادة المنتخبين ويقال لعباس زكي إنه لا يمثل الا نفسه، لأنه زار طهران والتقى بقادة ايران وسمع منهم كلاما عن دعمهم لعائلات الشهداء، بينما ينبغي أن نقتنع بأن الذين يزورون تل أبيب ويلتقون مع نتنياهو ويعلون يمثلون كل الشعب الفلسطيني.

وفي زمن التواطؤ المكشوف يدخل عملاء الموساد الاسرائيلي إلى سفارتنا في صوفيا ويغتالون مناضلا فلسطينيا مطلوبا لأجهزة العدو، وتكتفي السلطة بتشكيل لجنة تحقيق صورية، ويظل السفير في منصبه لكي يواصل أداء واجبه الوطني في حماية الفلسطينيين في بلغاريا!

نعيش في زمن أوسلو، وهو زمن التنسيق الأمني والفساد والتواطؤ الإجرامي مع العدو..

إنه باختصار زمن العيب التاريخي وترويج الذل تحت عنوان العقلانية والاعتدال.

لتذهب العقلانية إلى الجحيم، وليذهب أصحاب اللياقة وأجندات التكسب إلى جهنم..

طز في العقلانية وطز في الاعتدال.. وطز في سلطة التنسيق الأمني.