الحراك المجتمعي حول قانون الضمان الاجتماعي ... من المواجهة إلى الحوار فالتغيير

e-mail icon
الحراك المجتمعي حول قانون الضمان الاجتماعي ... من المواجهة إلى الحوار فالتغيير
ولاء جرار
تقدير موقف
-
الأربعاء, 26 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2016

 

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*******

مقدمة

قامت الحكومة الفلسطينية بصياغة قانون للضمان الاجتماعي ضمن سياستها الرامية إلى الحماية الاجتماعية، مستندة في ذلك إلى تجارب بعض الدول، مع مراعاة السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني. ويعتبر هذا القانون الأول من نوعه في هذا المجال في فلسطين، غير أنه أثار منذ طرحه حراكًا مجتمعيًا مطالبًا بإجراء تعديلات عليه، واستمر الحراك بمطالبه إلى أن تم الوصول إلى صيغة نهائية متفق عليها، ومن ثم أقرّ القانون.

لقراءة ورقة تقدير موقف أو تحميلها بصيغة PDF اضغط/ي هنا

 الضمان الاجتماعي: من قانون إلى حراك مجتمعي

بدأت فكرة سن قانون الضمان الاجتماعي في فلسطين العام 2009، وأعدت حوله دراسات اجتماعية واقتصادية لحوالي عامين، كما تم تشكيل فريقي عمل: الأول، فريق مشترك مع منظمة العمل الدولية، قدم دراسات بالاستناد إلى تجارب بعض الدول. والآخر، الفريق الوطني لإعداد قانون الضمان الاجتماعي في العام 2012 برئاسة أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. واستمر الحوار بين الأطراف الرئيسية (النقابات العمالية، أرباب العمل، المجتمع المدني، ممثلين عن الوزارات المختلفة) لمدة 6 أعوام إلى أن أقرّ القانون ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 23/3/2016.[1]

مع نشر القرار، بدأ حراك مجتمعي واسع نسبيًا، وتشكّلت "الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي" من ائتلاف واسع من النقابات العمالية والمهنية والشبكات والمنظمات غير الحكومية، وما ميز الحملة أنها استندت إلى خبرة بحثية واسعة حول الضمان الاجتماعي قدمها مركز "المرصد"[2]، ومراكز حقوقية وبحثية أخرى ساعدت في تكوين رأي عام تجاه القانون، ومنها جهود المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية (مواطن) ومعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس). ومن خلال أدوات متنوعة وقدرة عالية على الوصول إلى وسائل الإعلام المختلفة التقليدية والاجتماعية، أصبح بمقدور الحملة حشد الآلاف في تظاهرات احتجاجية، الأمر الذي دفع الحكومة لاحقًا إلى فتح حوار مع الحملة.[3]

 

 موقف الأطراف الرئيسية من التعديلات التي طالب بها الحراك

المحطات التالية توضح تطوّر النقاش المجتمعي حول موضوع الضمان الاجتماعي:

 

موقف الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي

عقدت الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي بتاريخ 5/4/2016 في رام الله اللقاء الوطني العام بمشاركة عشرات المؤسسات والنقابات والاتحادات والمنظمات الأهلية، ووجهت مذكرة خطية موقعة من قبل المشاركين إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس تتضمن ملاحظات عدة، لوضعه بصورة التخوفات التي أثارتها بعض المواد الواردة في القانون.[4]

كان هناك توافق مع اللجنة الوزارية بأن تؤخذ التعديلات التي طالبت بها الحملة كرزمة واحدة في الاجتماع الذي تم بينهما بتاريخ 9/5/2016[5]، وهذا لم ينفذ على أرض الواقع، إذ رفضت اللجنة الوزارية التوقيع على التعديلات، ما دفع الحملة الوطنية إلى تنظيم مظاهرات بتاريخ 10/5/2016 ونزول الآلاف من المتظاهرين إلى الشارع للاعتراض على القانون.

كان موقف الحملة واضحًا ومعلنًا من العديد من نقاط الخلاف التي تعتبر جوهرية من وجهة نظرها[6]، حيث طالبت بتعديل 17 بندًا من مواد القانون.

وأصرت الحملة على التعديلات، ودخلت في حوار مع كافة الأطراف إلى أن نجحت في تحقيق معظم المطالب، وأكدت أن دورها لم ينته حتى بعد إقرار القانون، بل إنها ستستمر في مراقبة تطبيقه، وإصدار اللوائح التنفيذية، ومرحلة تأسيس مؤسسة الضمان.[7]

 

موقف اللجنة الوزارية التي تترأسها وزارة العمل

مثولًا أمام الاعتراضات على القانون، قرر رئيس الوزراء رامي الحمد الله طرح القانون للنقاش المجتمعي بتاريخ 24/4/2016، على أن تنتهي التعديلات عليه في سقف زمني لا يتعدى 6 أسابيع.[8] وأظهر الحوار تباينًا في وجهات النظر بين كافة الأطراف إلى أن نجحت الحملة الوطنية بعد خمس أشهر تعديل القانون، ومن ثم إقراره رسميًا بتاريخ 29/9/2016.[9]

فسرت وزارة العمل حالة الجدل والخلاف حول التعديلات بأنها منطقية وطبيعية حين يتم الحديث عن منظومة الضمان الاجتماعي، وأن هذا النمط من العمل كان غائبًا عن الواقع الفلسطيني، وخاصة أننا ما زلنا تحت احتلال واقتصادنا الفلسطيني مقيد، وأن إصدار مثل هكذا قانون يعتبر تطورًا مهمًا وخطوة متقدمة تخطوها السلطة الوطنية الفلسطينية. كما أوضحت الوزارة أن حجم مستوى الطموح المعول على قانون الضمان عالٍ جدًا من قبل بعض النقابات والفئات الممثلة لها.[10]

واعتبرت الوزارة أن نسب المساهمات لكل من العامل ورب العمل عادلة، بالرغم من أنها أثارت احتجاجات، إذ خضعت جميعها للمعايير والدراسات الإكتوارية، وأن الراتب التقاعدي في سن الشيخوخة كافٍ، وكذلك يُعتبر صندوقُ الضمان صندوقَ مساهمة ونسب وليس صندوق تأمينات ومساعدات اجتماعية.

وأبدت الوزارة تفهمها للتعديلات المطلوبة، إلا أنها تخوفت من سوء استغلالها، وتحميل صندوق الضمان فوق ما يحتمل في البداية، وفي هذا الشأن ردت الحملة الوطنية بأن "القوانين لا تُبنى على النوايا، والتخوفات تُحكم بنصوص وأنظمة لا تعطل الحقوق".[11]

 

موقف منظمة العمل الدولية

لعبت منظمة العمل الدولية دورًا بارزًا منذ البدء في دراسة القانون، حيث قدمت دراسة إكتوارية، لكنها لم تخضع للنقاش ولم تتح لأي طرف للاطلاع عليها، واعتبرت أن القانون الذي أقرّ في آذار 2016 جيد، وأن التعديلات عليه ستعرّض قضية استدامة الصناديق للخطر.

بعد الاعتراضات التي طالت القانون، أصبح الدور الذي تلعبه المنظمة غامضًا كونها يجب أن تعبر عن حقوق العمال، إذ لم يكن موقفها واضحًا ومعلنًا من التعديلات. وأبدت أورسولا كوليكه، ممثلة المنظمة، تحفظًا على التعديلات المطروحة، واعتبرت أن بعضها غير منطقي، وأن المنظمة ستتحفظ على بعض التعديلات في حال إقرارها! وهذا يتناقض مع طلبات عدة جاءت من طرفها للاجتماع مع الحملة الوطنية قبل اعتصام 19 نيسان لنقاش ملاحظات الحملة الجوهرية.[12]

كما أن المساهمات التي حددتها دراسة منظمة العمل، وتحديدًا فيما يتعلق بمساهمات أرباب العمل، هي نسبة متدنية مقارنة بالسياق الإقليمي، ولم تبد المنظمة وممثلتها أي ملاحظة تتعلق بما رآه المحتجون إجحافًا وظلمًا يلحق بالعمال نتيجة المساهمات العالية التي فرضت عليهم، إضافة إلى افتراض أن عائدات الاستثمار ستكون متدنية.

 

 التعديلات التي حققها الحراك المجتمعي على القانون

بعد إعادة القانون للحوار المجتمعي من جديد، وتشكيل اللجنة الوزراية، وعقد جلسات حوار وتشاور بين كافة الأطراف؛ تمكنت الحملة الوطنية من معالجة معظم القضايا العالقة، بهدف سن قانون ضمان اجتماعي "عصري حسب أرقى الممارسات الدولية، ويؤمّن حياة كريمة للمواطن الفلسطيني، وبما يضمن العدالة والاستدامة للصندوق ومنافعه المختلفة". وتتلخص أبرز التعديلات التي حققتها الحملة بالآتي:[13]

  1. الدولة هي الضامن لصندوق الضمان وأموال المساهمين بعد أن كانت أموال المساهمين بلا ضامن.
  2. مدّخرات الموظفين ملك لهم، وستبقى في مؤسساتهم، ولن تحوّل إلى الصندوق التكميلي.
  3. النظام التكميلي بمجمله اختياري، وستنتقل إدارته إلى مؤسسة الضمان، ويخضع لمجلس إداراتها.
  4. النصّ بشكل واضح على إعطاء العمال داخل الخط الأخضر حقوقهم المتراكمة عبر الدفعة الواحدة، أو راتب تقاعدي.
  5. زيادة عدد ممثلي العمال/الموظفين في مجلس إدارة الصندوق من 4 إلى 7 أعضاء.
  6. رفع الحد الأقصى للرواتب الخاضعة للضمان من 8 أضعاف الحد الأدنى للأجور إلى 10 أضعاف.
  7. تعديل نسب مساهمات العامل وصاحب العمل من 7.5% على العامل و8.5% على صاحب العمل إلى 7% على العامل و9% على صاحب العمل. (تتحفظ الحملة الوطنية على هذه النسب وتعتبرها غير عادلة).
  8. تستطيع العائلة الاستفادة من راتب الوفاة الطبيعية بعد 12 اشتراكًا بدلا من 24 اشتراكًا.
  9. تم تعديل احتساب الراتب التقاعدي من 1.7% إلى 2%.
  10. تستطيع المرأة الاستفادة من إجازة الأمومة بعد 3 اشتراكات بدلًا من 6 اشتراكات.
  11. إعفاء الاشتراكات، ورواتب التقاعد، وتعويضات الدفعة الواحدة من ضريبة الدخل.
  12. استحقاق زوج المشتركة المتوفية للراتب التقاعدي.
  13. تخفيض عدد الاشتراكات اللازمة للتقاعد من 360 إلى 300 اشتراك للرجل، ومن 300 إلى 240 اشتراكًا للمرأة.
  14. إعادة الاعتبار لدور وزارة العمل في تطبيق القانون، ومواءمته مع التشريعات الفلسطينية والاتفاقيات الدولية.
  15. الفصل بين مرحلة التأسيس والتنفيذ لمؤسسة الضمان، لضمان النزاهة وعدم تضارب المصالح.
  16. ضمان عدم الإجحاف بآلية إنهاء أتعاب نهاية الخدمة.
  17. تعديل شروط استحقاق الراتب التقاعدي بما ينسجم وقانون التقاعد العام.
  18. تحقيق تمييز إيجابي لذوي الإعاقة في القانون، إذ إنهم يستحقون الاستفادة من الراتب التقاعدي بعد اشتراكات 10 أعوام، كما يستحقون راتب الوفاة لأقربائهم حتى لو تجاوزوا سنّ 21 عامًا.
  19. تمييز إيجابي لأصحاب الأعمال الخطرة.
  20. شمول عمال وموظفي البلديات والمجالس المحلية غير المشمولين بأنظمة التقاعد الأخرى في الضمان.
  21. إحالة وضع إطار زمني لبقية المنافع إلى لائحة خاصة ستصدر عن مجلس الوزراء.
  22. رفع الحد الأدنى للراتب التقاعدي إلى 75% من الحد الأدنى للأجور.
  23. وضع المنح والقروض من قبل الدولة لمؤسسة الضمان الاجتماعي في حالات عجز المؤسسة.

 

وبهذه التعديلات الجوهرية تكون الحملة الوطنية التزمت بما تعهدت بإنجازه، ضمن سلسلة الحراك المجتمعي الذي قادته، حيث أصبح بمقدور العامل الفلسطيني الانضمام إلى صندوق الضمان الاجتماعي دون خوف على أمواله ومستقبله.

 

المشاركة المجتمعية الفاعلة: دروس مستفادة

تعتبر تجربة قانون الضمان الاجتماعي الذي تزامن مع إنشاء الحملة الوطنية دليلًا مهمًا على أهمية الحراك المجتمعي والشراكة المجتمعية في صياغة القوانين. كما أنها بينت أن العمل المجتمعي المنظم لمطالب محددة ومبنية على أسس علمية ومهنية هي أقصر وأفضل الطرق للتأثير في صياغة القوانين وتعديلها، بما ينسجم مع مبدأ الاستدامة والعدالة للمواطن الفلسطيني.

من أبرز عوامل نجاح الحراك في التأثير على الحكومة هو التشبيك والتنسيق والعمل المتراكم بين كافة أطراف المجتمع المدني التي عملت بشكل جماعي موحد، ضمن خطة واضحة دون تضارب في وجهات النظر للأعضاء، وضمن توحيد جهة التصريحات الرسمية عبر إنشاء صفحة رسمية للحراك بمقدور أي مواطن الدخول إليها، ومتابعة كافة المتغيرات والمستجدات.

من الدروس المستفادة في أهمية العمل المجتمعي تساوي الأطراف في المسؤولية والمتابعة والتنفيذ، وتجسّد هذا من خلال ما قامت به الحملة بالعمل دون إبراز مسميات وأبطال في الحملة، فكان هناك 35 عضوًا تحت مسمى (سكرتاريا الحملة الوطنية) دون ألقاب ومناصب وتصنيفات إدارية عليا. وكذلك حرص الحملة على العمل تحت شعار (مصلحة العامل وأسرته)، دون الالتفات للجوانب السياسية كما اعتدنا في المجتمع الفلسطيني، حيث عملت بعيدًا عن الانقسام السياسي بغض النظر عن الخلفيات السياسية والأيديولوجية لكافة الأطراف، الأمر الذي أحدث تأثيرًا إيجابيًا جعل المجلس التشريعي جزءًا مهمًا من الحراك، وله دور فاعل في إنجاحه.

كما أبرزت التجربة ضرورة وإمكانية مشاركة الحكومة للقوى الشعبية في اتخاذ القرارات، وسن القوانين، وحفظ حرية التعبير، وتعزيز مبدأ الديمقراطية، حيث استمعت لمطالب الحملة الوطنية، وكانت شريكًا فاعلًا في الحوار، وفي الاستجابة لمطالب العمال.

أما موقف منظمة العمل الدولية فكان مثيرًا للتساؤل، فلم تلتفت لمصلحة العامل الفلسطيني وأسرته أولًا، حتى أن الدراسات الإكتوارية التي قدمتها لم توضح على أي أسس تم العمل بها.

 

الهوامش

[1] مقابلة، أحمد مجدلاني، الدولة تضمن قانون الضمان: وكتل البرلمان لا صفة تشريعية لها، تلفزيون وطن، 3/4/2016 http://www.wattan.tv/tv/168229.html

[2] للمزيد حول مركز المرصد، انظر موقعه الإلكتروني http://www.almarsad.ps

[3] تجربة الحملة الوطنية للضمان الاجتماعي: من المواجهة إلى الحوار فالتغيير، شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، حزيران 2016 http://enewsletter.annd.org/arabicItem.php?itemId=772&newsletterId=52

[4] بيان صادر عن السكرتاريا العامة للحملة الوطنية للضمان الاجتماعي في الموقع الرسمي للحملة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك https://www.facebook.com/SSC.PAL

[5] مقابلة، فراس جابر، عضو السكرتاريا العامة للحملة الوطنية للضمان الاجتماعي، إذاعة صوت فلسطين، برنامج "على الطاولة"، 8/8/2016 http://vop.ps/page-13148.html

[6] للمزيد من التفاصيل حول التعديلات التي طالبت بها الحملة، ارجع إلى البيان الصادر عن السكرتاريا العامة للحملة الوطنية للضمان الاجتماعي في الموقع الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك https://www.facebook.com/SSC.PAL

[7] مقابلة، فراس جابر، عضو السكرتاريا الوطنية للضمان الاجتماعي، مركز مرصد، 29/9/2016

[8] تصريحات بسام الصالحي لوكالة معا، طرح قانون الضمان الاجتماعي للنقاش لمدة 6 أسابيع، 24/4/2016

https://www.maannews.net/Content.aspx?id=843338

[9] وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، الرئيس يصادق على قانون الضمان الاجتماعي، 29/9/2016 http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=WTJw0Na721017616704aWTJw0N

[10] مقابلة مع ناصر قطامي، إذاعة صوت فلسطين، برنامج "على الطاولة"، 8/8/2016
http://vop.ps/page-13148.html

[11] المرجع السابق نفسه.

[12] بيان صادر عن السكرتاريا العامة للحملة الوطنية للضمان الاجتماعي في الموقع الرسمي للحملة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، الحملة الوطنية للضمان تطالب بموقف محايد ومهني لمنظمة العمل الدولية، 29/6/2016 https://www.facebook.com/SSC.PAL/posts/489667661238891:0

[13] بيان صادر عن السكرتاريا العامة للحملة الوطنية للضمان الاجتماعي في الموقع الرسمي للحملة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، 3/10/2016 https://www.facebook.com/SSC.PAL/?fref=ts