الدرس الأردني: لا لجلد الذات

e-mail icon
الدرس الأردني: لا لجلد الذات
إبراهيم فريحات
مقالات
-
الخميس, 7 حزيران (يونيو), 2018

جلدنا ذواتنا قبل حوالي شهرين، إذ كيف يمكن للأرمينيين أن يطيحوا رئيس حكومة بلادهم، سيرج سيركيسيان، بعد 11 يوما من التظاهرات المستمرة، بينما يعجز العرب عن فعل ذلك في سنوات. اليوم من حق الأردن أن يفخر، ومن حق الشعب الأردني أن نبارك له، وقد أسقط قانونا لرفع أسعار المحروقات والكهرباء وأسقط الحكومة ورئيسها في خمسة أيام، فربما كان ذلك رقماً قياسياً عالمياً لما يحتاج إليه شعب لإسقاط حكومة بلاده، وسحب قوانينها التي تتكئ على جيوب المواطنين لحل مشكلاتها الاقتصادية والإدارية البنيوية. وحتى لا نمعن في جلد الذات، نتذكّر مجموعة دروس علمنا إياها الأردنيون اليوم. 
التغيير السلمي ممكن عربياً. ربما تكون تجارب العرب في سورية واليمن وليبيا قد جعلتهم غير قادرين على الوعي بطاقات التغيير الكامنة فيهم، والبعيدة عن مشاهد الحروب والدماء والتهجير. حتى نموذج التغيير التونسي الماثل أمامهم قد تناسوه، لكن الأردن اليوم جاء لتذكير الجميع بأن التغيير السلمي ما زال ممكناً، على الرغم من كل الإحباطات التي عايشها الجميع، وجعلتنا نشكك في إمكانية التغيير أبداً، وجعلتنا حتماً نشكك في جدوى مشروع الربيع العربي. 
أسقطت التجربة الأردنية "حكمة الاستبداد"، المتمثلة في مقولة "أنا أو سورية"، أي "عليكم أن تقبلوا بنظامي القمعي أو يحدث لكم ما حدث لسورية". أجاب الأردنيون اليوم "لا أنت ولا سورية"، بل "نحن"، فلا الشعب تسلح، ولا ردت الدولة بـ "حمزة خطيب" أردني. مارس الطرفان أقصى درجات الانضباط، وسقطت الحكومة، ولم تطلق طلقة رصاص واحدة. 
تراجع دور الأحزاب السياسية في القيادة والتغيير، فالمتظاهرون جاءوا من كل ألوان الطيف 

الاجتماعي الأردني، رافعين شعاري "معناش" (ليس لدينا) و"إضراب". لم يختطف أي حزب سياسي الحراك الشعبي، وتوحدت الشعارات كلها حول الهم الوطني بمحاربة الفساد، ورفض سياسات صندوق النقد الدولي المطالبة برفع الأسعار، فقالت إحدى اللافتات "لن يحكمنا البنك الدولي". وعليه، على الأحزاب السياسية الاهتداء بنبض الشارع في ضبط بوصلتها في العمل السياسي، والابتعاد عن البرامج السياسية البراقة، والنظرة الحزبية الفئوية الضيقة. 
هل تذكرون الاتحاد العام التونسي للشغل، ودوره في قيادة التحول السياسي في تونس؟ نقابات الأردن ماثلت أختها في تونس، وكانت في طليعة الاحتجاجات الشعبية، وقيادتها في عمّان. حشدت ونظمت وقادت وفاوضت، وضربت مثلاً في الصمود والعمل الممنهج في الأيام القليلة الماضية. سر نجاحها تمثيلها مصالح المواطنين وحقوقهم وهمومهم، وليس شعاراتهم فحسب كما حال الأحزاب السياسية. تكرّس النقابات جل عملها لحل المشكلات والتحديات التي يواجهها أعضاؤها، وليس لبيعهم الوهم السياسي الذي تمارسه الأحزاب. وقد فشلت الأحزاب العربية، ليس فقط في الأردن، وإنما أيضا في دول عربية كثيرة، بمجرد انفجار الربيع العربي الشعبي العفوي، البعيد عن الحزبية، في العام 2011، ثم ساهمت الأحزاب بتراجعه عندما تبنته وقادته. هل بدأت النقابات تحل محل الأحزاب السياسية في القيادة والتغيير؟ وهل نحن بصدد تطوير نموذج عمل عربي في التغيير، يكون محوره العمل النقابي؟ 
غرّد أحد الناشطين في الحراك الشعبي الأردني "من كان يخرج ضد الملقي، فإن الملقي طار، ومن كان يخرج ضد سياسات الفقر والتجويع فـ بنشوفكم الليلة". وأظهر الحراك الشعبي مسؤولية كبيرة في تحديد الأهداف والاستراتيجيات، وأن الهدف، في نهاية المطاف، مرتبط بالتغيير في سياسات الدولة، وليس الأشخاص الذين ينفذونها. ولهذا كان لا بد من الدخول في حوار حقيقي مع المحتجين، للوقوف على شكل التغيير المطلوب، والذي يضمن انتقال التجربة الأردنية إلى مستويات متقدمة في العمل الجماعي الشفاف والمسؤول، والهادف إلى المحافظة على الاستقرار والسلم الاجتماعي المستدام. 
ومن المهم التذكير هنا بأن المسؤولية المجتمعية التي تحلى بها المحتجون الأردنيون لا بد لها أن تعي حجم التحديات والضغوط الإقليمية والدولية التي يواجهها بلدهم، وتحديداً الضغوط 

الهادفة إلى إدخاله في "صفقة القرن" المشؤومة، والتي قالت القيادة الأردنية فيها كلمتها منذ اليوم الأول، وتحدّت الضغوط التي تواجهها. ولهذا على المسؤولية المجتمعية الحذر من الاستثمارات الدولية والإقليمية التي ستحاول حتماً الاستثمار في الأزمة، للحصول على ما عجزت عن الحصول عليه سابقاً. 
أخيراً، يحق للأردنيين الاحتفاء بهذا النموذج، ويحق للعرب التهوين على أنفسهم قليلاً، وأن يأخذوا استراحةً، ولو قصيرة، من جلد الذات، فإسقاط الحكومات والتغيير السلمي لا يحدث فقط في أرمينيا وأوكرانيا، ولكن يحدث أيضاً في الأردن وتونس. ومن كان لديه شك بأن التغيير قادم في العالم العربي، على الرغم من قتامة المشهد في سورية واليمن وليبيا، فليعد التفكير.