الدكتور ناصر القدوة ونقاطه العشر... مناقشة

e-mail icon
الدكتور ناصر القدوة ونقاطه العشر... مناقشة
نصري قمصية
مقالات
-
الثلاثاء, 14 حزيران (يونيو), 2016

بمبادرة من مركز " مسارات " لابحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية , وبحضور اكثر من 300 شخصية اعتبارية من السياسيين والأكاديميين والناشطين في رام اللة وغزة , قدم الدكتور القدوة رؤيته للخروج من مأزق المشروع الوطني الفلسطيني عبر نقاط عشر .

          كون الدكتور القدوة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح , ورئيسا لمجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات , ودبلوماسيا مرموقا على الساحة الدولية , وقريبا من صانع القرار الفلسطيني , مما يجعل من برنامجه ذي العشرنقاط يبدو وكأنه  يعكس الفكر القيادي الفلسطيني المهيمن .

          اعترف أولا انني لم أتمكن من المشاركة الفعلية في حلقة النقاش المذكورة لعدم ملاءمة الوقت , لذا فان مناقشتي هنا قائمة على ما نشرته " مسارات " على صفحتها الالكترونية , 

          أولى نقاط د. القدوة تتعلق ب : إعادة تحديد الهدف الوطني المركزي  وصياغته بصورة واضحة . في رايه يتمثل هذا في بإنجاز الاستقلال الوطني وممارسة السيادة في دولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية , على أساس ان الدولة قائمة بفعل الحق الطبيعي والتاريخي للشعب الفلسطيني وبفضل الاعتراف الدولي الواسع بهذه الدولة.

          في هذا القول عودة الى التكرار بمطلب إقامة وبناء الدولة كخيار له الأولوية القصوى , وتجاوز مطلب الشعب الفلسطيني الأساسي وهو التحرير بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ورمز وبما فيه إقامة الدولة الوطنية المستقلة وصاحبة السيادة على الأرض والثروات فيها .

          لا بد من التمييز بين مفهوم إقامة الدولة ومفهوم التحرير . التاريخ يعلمنا انه بعد الحرب العالمية الثانية , نشأت دول عديدة في العالم ومنها العالم العربي وكانت رسميا مستقلة وذات سيادة ظاهريا , ولكنها في الواقع بعيدة عن التحرير من النير الاستعماري  السياسي او الأمني  او الاقتصادي, ولنا في المعاهدات البريطانية مع مصر والعراق والأردن  كامثلة الدليل القاطع  على ان استقلال تلك الدول العربية وسيادتها كانت ناقصة , كما كان تحريرها السياسي والاقتصادي ناقصا . الحال مع لبنان وسوريا لم يكن مختلفا في نقصان سيادته واستقلاله بسبب الارتباطات والمعاهدات مع الدولة الاستعمارية _ فرنسا 

          من هنا تبرز أهمية المطالبة بالتحرير , التحرير الذي اخذته الفصائل الفلسطينية جميعها شعارا لها منذ انطلاقاتها أواسط العقد الثاني من القرن الماضي , التحرير الذي اسقطته اتفاقية " أوسلو " وما تلاها 

          ثاني نقاط د. القدوة تهتم ب : تحديد العلاقة بين مهام التحرر الوطني ومهام إقامة الدولة . هنا يعطي الدكتور القدوة الأولوية لإنجازمهام التحرر الوطني , ما يعني ضرورة إعادة صياغة السلطة الفلسطينية وتحويلها الى سلطة خدماتية , وترحيل المهام السياسية والسيادية الى المنظمة , ومراجعة العقيدة الأمنية لتكون مهمة الأجهزة الأمنية خدمة المواطن .

          هذا الكلام يجيء ليؤكد ما سبق وقلناه تعليقا على البند الأول . لكن هل هذا ممكن ؟ لا سيما وان السلطة تغولت على المنظمة من جهة , والمنظمة شاخت وهرمت شخصا ورمزا وميثاقا من جهة أخرى . اين هي المنظمة التي يمكن لها ان تقوم بمهام السيادة والسياسة والنضال , اين هي المنظمة القادرة على مراجعة مهمة الأجهزة الأمنية لتكون في خدمة المواطن بدل من ان تكون مؤسسة التنسيق الأمني مع الدولة المحتلة ؟ القول جميل ومشوق , لكنه خارج الواقع المعاش 

          ثالث نقاط الدكتور القدوة تدور حول تحديد المقاربة العامة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي . هنا يعتمد د. القدوة على أساس حل سياسي يستبعد العمل العسكري , ويؤكد النضال في كافة المجالات , محليا ودوليا بهدف الضغط على العدو وهزيمة ممارساته , مع الاخذ بعين الاعتبار بان السلام لم يتحقق واننا ما زلنا تحت الاحتلال .

          منذ الأيام الأولى لانطلاقة المنظمة كانت البندقية هي الوسيلة الوحيدة المطروحة لتحرير فلسطين , كانت المقاومة المسلحة هي الخيار الأوحد للتحرير . وها نحن منذ التسعينات من القرن الماضي نطرح البندقية جانبا كخيار للتحرير ونستعيضه بالحل السياسي الذي يستبعد العمل العسكري . في كلا الحالتين كان الخطأ واضحا في التفكير الاستراتيجي الفلسطيني . الثورات , وحركات التحرر لا تعرف منهجا واحدا اوحد للوصول الى الهدف . هي الظروف المتصلة باطراف الصراع التي تفرض هذا الخيار النضالي او ذاك , او المزيج من الخيارات في آن واحد .اعتماد الخيار الأوحد هو بمثابة خروج عن ديناميكية الصراع

رابع النقاط للدكتور القدوة تتعلق بإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية . نقف مع الدكتور على أهمية تفعيل المؤسسات الفلسطينية عبر الانتخابات الدورية . هذا العمل يحتاج الى جهد الجميع , والى مراجعة التراكمات السلبية على نطاق الممارسات السلطوية والمؤسسية .

خامس النقاط  تعالج الخطر الأساسي الذي يهدد الهدف الوطني والذي برأي الدكتور القدوة يتمثل بالاستعمار الاستيطاني . ويقترح الدكتور الوسائل لمواجهته  ومنها القانون الدولي الإنساني , اتفاقية جنيف الرابعة , الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي وقرارات مجلس الامن والجمعية العامة .

نحن نقترب من العقد السابع من النكبة الفلسطينية 1948 , خلال كل هذه العقود كنا ,والحكومات العربية معنا ,الوحيدين الذين يتمسكون بما يوصف بالشرعية الدولية وبقراراتها وتوصياتها , وكانت إسرائيل الوحيدة التي تلقي بمخرجات الشرعية الدولية الى سلة المهملات ولا احد حتى يعتب عليها . خلال السبعة عقود كان الفلسطيني يقبل , في نهاية المطاف , ما يعرض عليه من اقتراحات حلول , وكانت إسرائيل تدير ظهرها بالكامل دون اكتراث لمساءلة او لوم من احد . نحن , والعرب الرسميون معنا , مارسنا اللجوء الى المنظمات الدولية والعالمية بهدف تحصيل حقوقنا الوطنية المشروعة . ماذا كانت النتائج 

مع أهمية الراي العام العالمي , ومع أهمية الشرعية الدولية وقراراتها , ومع أهمية الفتاوي القانونية للمحاكم الدولية , فان هذا الأسلوب وحده  ’بدون العامل الذاتي وبدون عناصر القوة التي في أيدينا ,لا يكفي بالتجربة الطويلة المريرة . وحين لا يطرح مسؤول على مستوى د. القدوة الوسائل النضالية المناسبة والممكنة لمواجه الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ,  وحين لا يشير الى ما نملك من أوراق قوة نستعملها ونستغلها في الوقت المناسب ,فليس لهذا تفسيرا غير العجز في الفكر الاستراتيجي الفلسطيني .نحن بحاجة الى تكتيك فيه من المرونة ما يكفي لحفظ استراتيجية فيها من الصلابة ما يؤمن للمحافظة على الهدف المنشود 

النقطة السادسة  تستبعد المفاوضات دون توفر أساس سياسي واضح متفق عليه ومشرعن دوليا . 

الأساس السياسي للمفاوضات مرهون بالهدف من المفاوضات ومشرعن من الشعب الفلسطيني , ومدعوم دوليا . الهدف الفلسطيني من المفاوضات غير متفق عليه بالكامل بين مكونات المجتمع الفلسطيني , والمفاوضات نفسها لا تحتل الأولوية القصوى بين الفلسطينيين سيما وان عشرين عاما من التفاوض لم تفض الا الى زيادة في الاستيطان والمستوطنين , وزيادة في النهب الإسرائيلي لثرواتنا الأرضية والمائية وغيرها , وزيادة في التطرف والعنصرية الإسرائيلية ليس تجاه فلسطينيي الضفة والقطاع بل وتجاه فلسطيني الداخل 

إن العودة الى أسلوب المفاوضات العبثية بالأدوات والمفاهيم التي سادت العشرين سنة الماضية ليست إلا عبثا تعاد ممارسته دون العبرة من تجاربه السابقة المدمرة لطموحات وحقوق الشعب .

النقطة السابعة من مشروع الدكتور القدوة تتناول  استعادة الوحدة الوطنية سياسيا وجغرافيا على أساس :أولا إعادة الوضع الى ما قبل 2007 عبر تخلي حماس عن سيطرتها على قطاع غزر , وثانيا الشراكة السياسية الكاملة في منظمة التحرير والحكومة والجهاز الوظيفي للسلطة , وثالثا وجود أساس سياسي واضح يتضمن الاتفاق على الهدف الوطني , ورابعا قبول مشترك للديمقراطية وتداول السلطة ,

في هذا الطرح مسألتان  للملاحظة الأولى تجاهل  الدكتور للمكونات الأخرى للمجتمع الفلسطيني , وان هذا المجتمع يعيش بجناحين فقط احدها " حماس " وثانيها " فتح " . وهذا ظلم وتجاهل لتركيبة المجتمع الفلسطيني الحقيقية كما هو بالتالي تجاهل لمصالح التركيبة الاجتماعية لهذا المجتمع . اما المسالة الثانية فهي تركيز  الدكتور القدوة على استعادة الوحدة الوطنية عبر تقاسم السلطة والشراكة  في مغانمها  وكأننا نمارس حقا سلطة وسيادة على ارضنا غير مغلولة بقيود الاحتلال . وما دام الامر كذلك فلا امل في استعادة اللحمة الوطنية بين جناحي الوطن الجغرافيين . ولا امل في تلاقي المتوازيين .

لا تعليق على النقطة التاسعة من برنامج الدكتور القدوة المتعلقة بإيجاد سياسات اقتصادية إنتاجية تشجع على الصمود وتقليل الهجرة , مع العلم ان سياسة السوق الحرة المتبعة من قبل السلطة تعمل باتجاه معاكس لما يفكر به باحثنا القدوة.

اما النقطة العاشرة والأخيرة من الحلول المقترحة فتتعلق بالتمسك بالقرار الفلسطيني والمستقل , وبالمبادرة العربية دون تغيير , وبالعلاقة العضوية مع العرب ورفض الحلول الجزئية او الفدرالية مع الأردن او دويلة في غزة ..... الخ 

العناوين هنا كثيرة ومتشعبة ولا يمكن التعليق عليها مرورا عابرا , ولذا لن اضيف غير تعليق حول أهمية العلاقة العضوية مع الشعوب العربية وليس مع أنظمتها , وحول المبادرة العربية التي من وجهة نظري تشكل مزاودة علنية على حقوقنا. 

هناك موضوع  الحل على أساس " الدولة الواحدة " الذي يعتبره الدكتور القدوة " كلاما رومانسيا ضارا " . هكذا بكل بساطة !! 

موضوع آخر لم الحظه في ملخص حلقة النقاش , وهو موضوع حق العودة .