"الرباعية"... وسيطٌ آخر غير نزيه

e-mail icon
"الرباعية"... وسيطٌ آخر غير نزيه
علاء الترتير
مقالات
-
الأحد, 10 تموز (يوليو), 2016

نشرت اللجنةُ الرباعية للشرق الأوسط، الأسبوعَ الماضي، تقريراً يحثُّ القيادات السياسية الفلسطينية والإسرائيلية على اتخاذ تدابير للمحافظة على مسار حل الدولتين. وإذا ما قرأنا التقرير بعينٍ ناقدة، نرى سببَ فشلِ الجهودِ المبذولة لتحقيق هذا الحل طوال العقدين الماضيين، فالتقريرُ يزخر بالتحيزات المتأصلة، والافتراضات الإشكالية، والتوصيات غير المستنيرة، والانحياز في رؤية الواقع، وهي كلها من السمات المميزة للمؤسسات الدولية، كاللجنة الرباعية التي ترسِّخ واقعَ الظلم والاحتلال العسكري والعنف الراهن. 
يحتار القارئُ الموضوعي في التقرير: هل هو صادرٌ من هيئةٍ دولية أم من وزارةٍ إسرائيلية أم من مؤسسةٍ بحثية في تل أبيب؟ إنه يُسلِّم بأن "الإرهاب الفلسطيني والتحريض الفلسطيني على العنف" مسؤولٌ عن انعدام الأمن الإسرائيلي والجمود السياسي. ويبني "تحليلَه" على مجموعة من الافتراضات الخاطئة واللامعقولة، من قبيل أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يدعم قيام دولتين تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام، وأن الغالبية العظمى من كلا الشعبين لا يزالون يدعمون حل الدولتين. 
هل يُعقَل أن مسؤولي "الرباعية" لا يسمعون القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، من اليمين واليسار على السواء، الذين أعربوا، مراراً وتكراراً وبوضوح، عن رفضهم حلَّ الدولتين؟ فقد قالها نتنياهو عشيةَ الانتخابات الإسرائيلية العام الماضي: "لا لدولةٍ فلسطينية". وفي تلك الانتخابات، انتخبَ الإسرائيليون 78 عضواً في الكنيست مِمَّن يعارضون حلَّ الدولتين. وفي مايو/ أيار 2016، رفضَ نتنياهو مبادرةَ السلام الفرنسية المستندة إلى إطار هذا الحل. وفي يوليو/ تموز 2016، أعلن نتنياهو بناءَ مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، في إطار مشروعٍ استعماري، يستحيل معه حل الدولتين. 
وبالنسبة للإسرائيليين أنفسهم، أظهرَ استطلاعٌ أجراه، أخيراً، مركز بيو للأبحاث، أن 43% فقط من اليهود الإسرائيليين يعتقدون أن "بالإمكان إيجاد طريقةٍ ما لتتعايش إسرائيلُ ودولةٌ فلسطينية مستقلة في سلام،" في حين أن غالبية هؤلاء (62%) الذين يصطفون مع اليمين السياسي الإسرائيلي، حسب وصفهم، فيقولون إن حل الدولتين غير ممكن. 
وبالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن قرابة من 50 عاماً من العيش تحت الاحتلال الإسرائيلي بدّدت آمالهم، حيث أظهر استطلاعٌ أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في يونيو/ حزيران 2016 أن 29% فقط يتوقعون نجاحَ المبادرة الفرنسية، وأن 56% يؤيدون الانسحاب من اتفاقات أوسلو، وأن 57% يعتقدون أن حل الدولتين لم يعد ممكنًا. أما الفلسطينيون الستة ملايين في اللجوء والمنافي، فمن الواضح أن أحدًا لم يستشرهم أو يسألهم رأيهم في المسألة. 

تتجلى إشكاليةٌ أخرى في نظرة اللجنة الرباعية عند الحديث عن مسألة التحريض على العنف. 

"التحريض الإسرائيلي العنصري على العنف يكاد يمرُّ مرورَ الكرام على مسؤولي الرباعية"

فنسبة الحديث عن التحريض الفلسطيني مقارنةً بالتحريض الإسرائيلي على العنف هي 4 إلى 1، حيث تضمَّن التقرير أربعَ فقراتٍ عن التحريض الفلسطيني مقارنةً بواحدة تتناول التحريض الإسرائيلي، وهذا مثالٌ واضح لعدم الحياد، فالتحريض الإسرائيلي العنصري والأصولي المتواصل على العنف يكاد يمرُّ مرورَ الكرام على مسؤولي الرباعية. وهذا حتماً لا يُعزى إلى غياب الأدلة، وإنما إلى مخططٍ ممنهج، وإلى غياب الإرادة السياسية لمحاسبة إسرائيل دولةً وقيادة. 
وحتى لو استخدمنا منطق اللجنة الرباعية، وسلَّمنا بأن العنف منذ أكتوبر/ تشرين أول 2015 في فلسطين-إسرائيل كان متبادلاً، فلماذا تسمي اللجنةُ الرباعية العنفَ الفلسطيني "هجمات إرهابية،" ولا تصف العنفَ الإسرائيلي بذلك؟ ما هو المسوِّغ، إنْ وجد، لإطلاق هذا الوصف، وما هي المآرب السياسية التي يخدمها؟ 
وعلى المنوال نفسه، تدَّعي اللجنة الرباعية أن مخزونَ حركة حماس من الأسلحة غير القانونية، وأنشطتها العسكرية أسبابٌ تُلامُ على فشل حل الدولتين. لكن، أين الدليل الذي يُثبت هذا الزعم المسيَّس؟ ولماذا لا تنظر الرباعية في أيٍّ من الأدلة التي تثبت أن إسرائيل هي مَن بدأ الاعتداءات الثلاثة الكبرى ضد قطاع غزة؟ هذا ادعاء خطير، لأنه قد يعطي إسرائيلَ فرصةً ذهبية لشن حرب عدوانيةٍ أخرى جديدة على غزة. وعلاوةً على ذلك، متى سيستمع مسؤولو "الرباعية" إلى قادةِ "حماس" بعنايةٍ أكبر، ويلتفتون إلى التغيرات الجوهرية التي طرأت عليهم على مدار العقد الماضي؟ فعلى اللجنة الرباعية أن تأخذَ على محمل الجد دعوةَ جيمي كارتر وماري روبنسون إلى ضرورة الاعتراف بحركة حماس ممثلاً سياسياً شرعياً، وعليها أن تعترف أيضاً بأن الوقت حان "للتعاطي" مع حماس، إذا كانت "الرباعية" معنيةً حقًا بإحلال السلام الشامل. 
يتحدث التقرير عن الوضع الإنساني المتردّي في قطاع غزة، والحصار المسيَّس لسكانه المليونين، بلغةٍ غير سياسية لافتة، ترفض التفسير السياسي لهذه "الأزمة الإنسانية"، وتواطؤ المجتمع الدولي في إدامتها. وبدلا من ذلك، "يشيد" التقرير بالحكومة الإسرائيلية لرفعها بعض القيود استجابةً لضغط اللجنة الرباعية، وهذا مدعاةٌ للسخرية وتحيزٌ كبير للذات. وفي المقابل، يشكو التقرير غيابَ الوحدة الوطنية الفلسطينية، ويعتبره عاملاً آخر يساهم في إفشال حل الدولتين. وهذا ادعاءٌ عجيبٌ، لأن اللجنة الرباعية والمجتمع الدولي هم مَن رسخوا هذا الانقسام، حين رفضوا نتائج الانتخابات الفلسطينية الديمقراطية التي أُجريت قبل عقدٍ. 
وعلى الرغم أن "الرباعية" تقرُّ بأن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي اليهودي عاملٌ يعوق المضي في حل الدولتين، فإنها لا تعترف بأنه انتهاكٌ بيِّن للقانون الدولي، ويمكن أن يرقى إلى كونه جريمةَ الحرب. ولكن، لا بد من أن يكون ذكرُ الوقائع على حقيقتها، والتمسكُ بالقانون الدولي من السمات الأساسية لأية جهةٍ، تدّعي التمثيل العالمي، وإلا فإن شرعية هذه الجهة ستظل تتراجع. 
اللجنةُ الرباعية للشرق الأوسط مثالٌ لوسيط آخر غير نزيه. نهجُها وانحيازها في فهم الواقع لن يقرِّب السلام، بل سيجعله مستحيلًا. فإذا كانت هذه اللجنة والمجتمع الدولي مهتمين حقًا في إحلال سلامٍ عادل ودائم بحق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، عليهم أن يغيّروا ما درجوا عليه، ويُنصتوا أكثر للمجتمع المدني، ويبدأوا في التصدّي للمسائل الصعبة، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي خطوةٍ نحو تحقيق المساواة للجميع.