الزنابق البيضاء...

e-mail icon
الزنابق البيضاء...
الياس خوري
مقالات
-
الجمعة, 15 آيار (مايو), 2009

هل رأى احد جنديا خارجا من المعركة وهو يحلم بالزنابق البيضاء؟

محمود درويش رآه، وكتب عنه قصيدة مفصلية في تاريخه الشعري. اما انا فكان عليّ ان انتظر اربعين عاما كي التقي بالرجل، بعدما خلع عنه لباس الجندي ولبس ثوب المؤرخ.

رأيت الزنابق البيضاء، ورأيت كيف يقاتل الجندي السابق دفاعا عن الحقيقة، وكيف لا يزال الرجل الستيني قادرا على اختراع معجزة الصداقة.

كان ذلك في بروكسل، مساء الاثنين 7 كانون الاول (ديسمبر) 2009. وقف المؤرخ الاسرائيلي شلومي ساند في قاعة ‘الهال‘، كي يدافع عن كتابه ‘اختراع الشعب اليهودي‘، وكانت زنابق محمود درويش تحتل المكان.

منذ عامين، تحدثت مع ليلى شهيد عن مقال صغير لتوم سيغيف قرأته في الطبعة الانكليزية من صحيفة ‘هآرتس‘ الاسرائيلية، يتحدث فيه عن مؤرخ اسرائيلي أصدر كتابا بالعبرية عن اختراع الشعب اليهودي ويدعى شلومو ساند. انتفضت سفيرة فلسطين في بروكسل وصرخت: شلومو! انه صديق محمود درويش وبطل قصيدة الجندي الذي يحلم بالزنابق البيضاء. وروت ليلى حكاية الاتصال الهاتفي بين درويش وساند الذي تم من خلال هاتفها المحمول، وكيف فاجأها درويش برواية حكاية القصيدة التي كتبت عام 1967.

في نيويورك روى لي المخرج ايلان زيف، انه اتصل بشلومو ساند، وانه سيذهب الى لقائه كي يعد فيلما انطلاقا من الكتاب. طلبت من زيف ان يسأل المؤرخ عن حقيقة علاقته بدرويش، وعن حكاية القصيدة. عاد المخرج من رحلته واهداني الكتاب الذي صدرت ترجمته الفرنسية. قرأت مقدمة الكتاب، التي تروي بشاعرية مدهشة وجميلة فصولا من سيرة المؤلف الذاتية، حكاية عن والده شوليك الذي ولد في لودز في بولونيا ودُفن في اسرائيل على ايقاع النشيد الأممي، وحكاية اخرى عن والد زوجته برناردو الكاتالاني الذي ولد في برشلونة وقاتل مع الفوضويين والجمهوريين في الحرب الأهلية الاسبانية، ومات في اسرائيل التي رفضت الاعتراف بأنه يهودي. ثم يروي عن صديقين فلسطينيين، الاول يدعى محمود من مدينة يافا انتهت به الايام الى الاقامة في السويد والثاني يدعى ايضا محمود وهو شاعر شاب سوف يتحول الى الشاعر الوطني الفلسطيني. يروي ساند عن مشاركته كجندي اسرائيلي في احتلال القدس الشرقية، وكيف اطلق النار وقام بإهانة المدنيين. قال انه اراد ان يلتقي بصديقه الشاعر قبل ان يغادر اسرائيل نهائيا. قال انه زار درويش في حيفا بعدما اطلق سراح الشاعر الذي اعتقل خلال حرب حزيران (يونيو) ووصف اللقاء بالكلمات التالية:

قضيا ليلة بلا نوم امتزجت برائحة الكحول والدخان. حاول الشاعر اقناع الشاب المعجب به بأن يبقى ويقاوم، بدلا من الهرب الى مدن غريبة والتخلي عن وطنهما المشترك. لكن الجندي عبّر عن يأسه ورفضه للمناخ الانتصاري وغربته عن الأرض التي اهرق عليها دما بريئا. في آخر الليل، تقيأ الجندي. ظُهر اليوم التالي أيقظه الشاعر وقرأ له ترجمته لقصيدة كان قد كتبها مع خيوط الفجر الأولى:

يفهم، قال لي، إن الوطن

ان احتسي قهوة امي

ان أعود في المساء...

سألته: والأرض؟

قال: لا اعرفها

تنتهي المقدمة بحكاية طالبتين: جيزيل التي قررت الهجرة الى اسرائيل من فرنسا لكنها رفضت اعتناق اليهودية من جديد لأن أمها ليست يهودية، ولاريسا الفتاة الاسرائيلية التي سجل في قيد نفوسها انها روسية...

حكايات مقدمة الكتاب ساحرة في قدرتها على تجسيد المناخ التراجيدي الذي صنع كتاب شلومو ساند، وفيه نفهم ان اعادة النظر الجذرية في السردية الصهيونية قد تشكل مدخلا لفهم تاريخ الصراع على أرض فلسطين في شكل جديد، وأفقا محتملا لسلام لا يطيح فكرة العدالة.

عندما التقيت ساند، كنت متلهفا الى سماع حكايته عن القصيدة. لكنه بدلا من ان يروي قال ان محمود درويش يقع في مكان ما من خلفية هذا الكتاب، ‘أردت ان اقول لدرويش انني لم اتخلَّ عنه‘.

روى الرجل الحكاية مرتين على الأقل. ورأيت كيف يروي ابطال الحكايات عن انفسهم، كأنهم يقلدون ما كُتب عنهم او ما كتبوه هم انفسهم.

اردت ان اسأله هل قال الأشياء كما كتبها درويش في قصيدته، لكنني لم افعل، كي لا انساق الى ما يشبه السذاجة التي يسببها الانفعال، ولأنني اعلم ان الذاكرة الفردية مصنوعة من ترجرج ثقوب الزمن. وهذا ما اكده ساند بنفسه حين روى انه حين ذهب الى زيارة درويش في منزله في وادي النسناس، في ليلة القصيدة، كان برفقة صديقته، وان ليلة الجندي كانت أيضا ليلة الغواية المستترة، التي صنعها الشاعر. لكنه في رواية ثانية قال انه لم يعد يذكر هل رافقته صديقته في تلك الليلة أم في ليلة اخرى.

وقف ساند على منصة قاعة ‘الهال‘ في بروكسل، وقدم مرافعة كبرى عن كتابه الذي يخلخل الرواية الصهيونية برمتها، ويحطم فكرة الشعب اليهودي، منطلقا من تفكيك مقولة المنفى وبيان بطلانها، لأنها تفتقد الى اي برهان تاريخي، ومستنتجا ان اليهود لم يغادروا أرض كنعان، جلّ ما في الأمر انهم تنصروا وأسلموا. أما الجاليات اليهودية في اليمن وشمال افريقيا وأوروبا الوسطى فهي نتاج التبشيرية اليهودية، التي استطاعت تهويد مملكتي حمير والخزر، وتهويد القبائل البربرية في افريقيا الشمالية.

يلتقي ساند مع ما اطلق عليه في الأدب الاسرائيلي اسم التيار الكنعاني، ويقرأ الحركة الصهيونية في وصفها حركة قومية كلاسيكية، صنعت الشعب واخترعته، مستندة الى الفكر القومي الأوروبي، و بهذا المعنى فان قانون العودة الاسرائيلي لا يستند الى اي مسوّغ تاريخي.

مقولات ساند تذهب الى المحرم وتفككه، وهو بهذا ينقل النقاش التاريخي الاسرائيلي من اطار المؤرخين الجدد الذين كشفوا وقائع النكبة والطرد المنظم عام 1948، الى افق جديد قوامه اعادة نظر جذرية في المسلمات الصهيونية واخضاعها لمحاكمة تاريخية جذرية.

تلميذ بيار فيدال ناكيه وصديقه الذي جرؤ على نقد فيلم ‘الشوا‘ لكلود لانزمان، الذي يُعد ايقونة صهيونية لا يمكن المساس بها، قال انه سيعود الى باريس، وانه سيذهب في العام القادم للعمل في مونتريال.

روى عن الحصار الاكاديمي الذي يتعرض له، وقال انه يائس.

لكن الذي حلم بالزنابق البيضاء يوما، لا يحق له ان ييأس‘، قلت.

ابتسم الرجل وعانقني مودعا، لكنني من شدة انفعالي نسيت ان اسأله ماذا جرى للجندي في الاعوام الاربعين التي تلت كتابة القصيدة؟

لكن تلك حكاية اخرى.