الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وسيناريوهات المسارات السياسية البديلة

e-mail icon
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وسيناريوهات المسارات السياسية البديلة
خليل شاهين
تقدير موقف
-
السبت, 11 شباط (فبراير), 2017


(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد خليل شاهين).

**************

مقدمة

تعد طريقة تعامل الإدارة الأميركية الجديدة مع السلطة الفلسطينية مؤشرًا على مكانة القضية الفلسطينية ضمن التوجهات قيد التبلور للسياسة الأميركية الشرق أوسطية. إذ يبدو التهميش المقصود للعلاقة الرسمية مع السلطة توطئة لتهميش أشمل يلتقي مع موقف حكومة بنيامين نتنياهو في عدم التعامل مع الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي باعتباره مصدرَ النزاعات الإقليمية، ويميل نحو إدراج مقاربة حل هذا الصراع ضمن خطة الرئيس دونالد ترامب لإحياء ما أطلق عليه "عملية سلام الشرق الأوسط الكبير".

تفتح هذه المقاربة نافذة فرص تسعى إسرائيل لتوظيفها باتجاه اعتماد إطار للتعاون الإقليمي، تكون المخاوف والمصالح الأمنية المشتركة عماده الرئيسي. وقد شرعت إسرائيل فعليًا في إدارة حوار مع طاقم إدارة ترامب للتوصل إلى تفاهمات تشمل عددًا من الملفات الشرق أوسطية، تمهيدًا للقاء نتنياهو وترامب منتصف الشهر الجاري.

تركّز هذه الورقة على النتائج المحتملة للتفاهمات الأميركية الإسرائيلية فيما يتعلق بالمقاربات المطروحة للتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في سياق إقليمي أشمل، لا سيما من حيث المؤشرات حول استبعاد فرص التوصل إلى حل نهائي، وتزايد احتمالات الضغط الأميركي على الجانب الفلسطيني للقبول بمسارات بديلة عنوانها الاتفاقات المؤقتة أو المرحلية، والموقف الفلسطيني في ضوء ذلك.

لقراءة ورقة تقدير موقف أو تحميلها بصيغة PDF اضغط/ي هنــــا

 

الأولوية للمسار الإقليمي

يعكس استقبال نتنياهو في البيت الأبيض قبل انقضاء الشهر الأول على تنصيب ترامب رئيسًا مستوى اهتمام الإدارة الأميركية الجديدة بالتفاهم مع إسرائيل أولًا بشأن عدد من الملفات. وهو اهتمام برز أيضًا في لقاءات "سرية" تمهيدية لزيارة نتنياهو عقدها يوسي كوهين، رئيس الموساد، ويعقوب نيجل، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مع مستشاري الرئيس الأميركي، وبخاصة الجنرال مايكل فلين، مستشار ترامب للأمن القومي.

لم يرشح الكثير عن طبيعة التفاهمات التي قد تسفر عنها المباحثات الجارية بين تل أبيب وواشنطن، غير أن بعض المواقف المعلنة لرئيس الحكومة الإسرائيلية وعدد من وزارئها، وكذلك الأفكار والمقاربات والنصائح التي يقدمها عدد من المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين السابقين؛ توفر مؤشرات حول حدود التقاطعات المحتملة في مواقف الجانبين الإسرائيلي والأميركي إزاء المسارات المتوقعة للتعامل مع ملفات عدة في المنطقة، لا سيما ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

في هذا السياق، تعمل إسرائيل على توظيف عدد من المواقف المعلنة للرئيس ترامب بشأن ملفي البرنامج النووي الإيراني ومواجهة ما يسمى "التطرف الإسلامي" لتحقيق تفاهمات ذات طابع إستراتيجي، وبخاصة فيما يتعلق بتعزيز علاقاتها السرية مع عدد من الدول العربية ونقلها إلى العلن، على قاعدة المصالح الأمنية المشتركة في هذين الملفين.

وهو ما أكده تساحي هنغبي، وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي، خلال ندوة نشر وقائعها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، حيث رجّح أن يركز لقاء ترامب ونتنياهو على علاقات إسرائيل مع الدول "السنية" وإنفاذ الاتفاق مع إيران في المستقبل، معتبرًا أن مصلحة إسرائيل الأساسية تتمثل في تعزيز علاقاتها مع العالم العربي "السني" عبر جعل تعاونهما السري القائم حاليًا أكثر علنية. ومن خلال زيادة التعاون العلني، "سيتمكن كلا الجانبين من بناء قاعدة أقوى يمكنهما انطلاقًا منها مواجهة هذه التهديدات، مع توفير الغطاء للفلسطينيين في الوقت نفسه من أجل التراجع عن مواقفهم المتطرفة في المفاوضات والتقارب من إسرائيل".

 

"حل الدولتين" بين الانتهاء والتجميد

واقع الحال أن مختلف أطياف الخارطة الحزبية الإسرائيلية إما أنها لا تؤمن بفكرة "حل الدولتين" أصلًا، أو لم تعد تؤمن بإمكانية التوصل إلى هذا الحل على أساس حدود عام 67 (باستثناء حزب "ميرتس"). وتترواح المواقف اليوم بين من يرى أن انتخاب ترامب دفن هذا الحل إلى الأبد، من أمثال نفتالي بينيت، وزير التربية وزعيم "البيت اليهودي"، وبين من يطالب باتخاذ إجراءات للانفصال عن الفلسطينيين، من أمثال إسحاق هيرتسوغ، رئيس المعارضة وزعيم حزب العمل، طالما أن "حل الدولتين غير وارد حاليًا" برأيه.

بهذا المعنى، بات التيار الرئيسي على مستوى رجال السياسة والأمن والمراكز البحثية في إسرائيل منشغلًا في البحث عن مسارات جديدة للعلاقة مع الفلسطينيين تنطلق من واقع الضم المتسارع لأجزاء واسعة من الضفة الغربية. لذلك، يرى جدعون ساعر، الذي كان يعتبر الرجل الثاني المنافس لنتنياهو في حزب الليكود قبل انسحابه منه قبل نحو عامين، أن على الحكومة الإسرائيلية أن تتقدم بأفكار جديدة بعيدًا عن "حل الدولتين"، من قبيل حل فيدرالي أردني – فلسطيني يعطي الفلسطينيين مجالاً يضاف إلى حكمهم الذاتي الحالي، أو النظر في إنشاء إطار اقتصادي مشترك إسرائيلي – أردني – فلسطيني. كما يؤكد أن هناك أفكارًا أخرى "يمكن بلورتها بعمل هادئ مع إدارة أميركية متعاطفة معنا. وعلى إسرائيل من جهتها أن تؤكد مطالبتها بالسيادة على مناطق (ج)" (وكالة "سما" الإخبارية، 21/1/2017).

يشير ما سبق إلى أن مساحة التقاطعات في الموقفين الإسرائيلي والأميركي تتيح هامشًا واسعًا للمناورة أمام حكومة نتنياهو للتفاهم حول مسارات جديدة لا تركز على إطلاق عملية سياسية هدفها التوصل إلى حل نهائي، حتى وإن اعتمدت "حل الدولتين" كغطاء زائف، كما يطرح بعض السياسيين والمستشارين الأميركيين في إدارات سابقة، أمثال دينس روس وديفيد ماكوفسكي، اللذين أعدا ورقة سياسات موجهة لإدارة ترامب تحت عنوان "الخطوات المقبلة بشأن المستوطنات: نصيحة لترامب من مفاوضَيْن متمرسيْن في أمور الشرق الأوسط"!

وتقترح الورقة المنشورة على موقع معهد واشنطن على إدارة ترامب التخلي عن المقاربة التي اعتمدتها الإدارات السابقة والقائمة على أساس مفاوضات فلسطينية إسرائيلية بهدف تحقيق "كل شيء أو لا شيء"، وإطلاق مبادرة سياسية محدودة يجري التوافق عليها مع إسرائيل، وتنطلق من عدم إمكانية تحقيق السلام في هذه المرحلة، وتعتمد بدلًا من ذلك مقاربة "تحقيق المتاح" مع إعلان الإلتزام بـ"حل الدولتين" على المدى البعيد، عبر التفاهم مع حكومة نتنياهو على إطلاق يدها في البناء داخل الكتل الاستيطانية والأحياء اليهودية في شرق القدس، ووقفه خارج هذه المناطق، وفتح المنطقة (ج) أمام توسيع نطاق النشاط الاقتصادي الفلسطيني، وتحسين الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى اتباع "ديبلوماسية أميركية هادئة" لتعزيز التعاون بين إسرائيل والدول العربية "السنية" الرئيسية.

 

مبادئ نتنياهو

في كل الأحوال، سوف يحمل رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى البيت الأبيض رؤية تستند إلى مبادئ عدة، حيث أشارت صحيفة "معاريف" العبرية يوم 9 كانون الثاني/يناير الماضي إلى أن نتنياهو "يعمل بصمت وبسرية كبيرة على مشروعه السياسي القادم"، وأن المبادئ التي يسعى للحفاظ عليها تتلخص في الآتي:

  • القدس الموحّدة، التي ستشمل أيضًا مستوطنتي "معاليه أدوميم" و"جفعات زئيف"، عاصمة إسرائيل، مع الحفاظ على حقوق أبناء الديانات الأخرى في الوصول إلى أماكنهم المقدّسة.
  • ستكون حدود الأمن لحماية إسرائيل، في غور الأردن، "بكل معنى الكلمة".
  • عدم العودة إلى حدود 67، من خلال الإعلان عن كتل استيطانية مثل "غوش عتصيون"، كجزء من "دولة إسرائيل السيادية."
  • كيان فلسطيني، يكون أقلّ من دولة.

وإلى جانب محاولة التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية على هذه المبادئ، التي تضاف إليها شروط نتنياهو المعلنة بشأن الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية واستمرار سيطرتها الأمنية الدائمة من النهر إلى البحر، نقلت صحيفة "القدس" يوم 7 شباط الجاري عن مصادر مقربة من إدارة ترامب أن واشنطن تتوقع أن يطلب نتنياهو عقد مؤتمر إقليمي أمني لبحث "الإرهاب الإسلامي المتشدد"، بحيث يوجه ترامب نفسه الدعوة لعقد المؤتمر بحضور زعماء عرب ونتنياهو. وأضافت أن واشنطن لا تمانع مثل هذه الدعوة لأنها تنسجم مع سياسة ترامب على أية حال في مواجهة "التطرف الإسلامي" وإيران ومكافحة "الارهاب"، غير أن ترامب سيطلب بالمقابل من إسرائيل الموافقة على عقد المؤتمر وحضور نتنياهو والسير معه في خطة سلام شاملة للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أو كما يسميها ترامب "الصفقة الكبرى" أو "صفقة الحد الأقصى".  

 

سيناريوهات المسارات السياسية

سوف تبقى المرحلة الراهنة مكرسة للتفاوض الأميركي الإسرائيلي للتوصل إلى تفاهمات بشأن الاستيطان، ومكانة مدينة القدس، وسيناريوهات وتوقيت نقل السفارة الأميركية إلى المدينة، وأسس وأهداف المسار السياسي الفلسطيني الإسرائيلي المحتمل في سياق عملية إقليمية أوسع، في حين سيبقى التواصل الأميركي الرسمي مع الجانب الفلسطيني مرهونًا بعاملين:

الأول: التفاهمات التي يمكن أن تتوصل إليها إدارة ترامب مع دول عربية رئيسية، وبخاصة مصر والأردن والسعودية، وربما تفاهمات مع أطراف دولية، مثل روسيا وبريطانيا، انطلاقًا من التفاهمات التي سيجري التوصل إليها مع إسرائيل أولًا، التي تشمل عددًا آخر من الملفات في الشرق الأوسط، وبخاصة البرنامج النووي الإيراني، وسوريا، ومواجهة ما يسمى "التطرف الإسلامي". وهي ملفات تنطوي على مصالح مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول العربية، قد تشكل أساسًا لتعاون إقليمي أشمل، كما تفتح مجال الرهان على مقايضة التقدم في خدمة المصالح الأمنية العربية بضغوط عربية مقابلة لتليين موقف الجانب الفلسطيني.

الثاني: مدى استجابة القيادة الفلسطينية للضغوط التي سوف تمارسها الإدارة الأميركية، وربما بعض الأطراف العربية، للقبول بمسار سياسي قائم على مقاربة الحلول المؤقتة أو المرحلية (التدريجية)، بحيث يتم دمجه في إطار مسار إقليمي تكون إسرائيل شريكًا فيه. ويمكن اعتبار تجاهل فتح قنوات اتصال أميركية رسمية مع الجانب الفلسطيني تتجاوز حدود ما تم تداوله من لقاءات على مستوى مسؤولي الأمن، "بروفة" أو رسالة حول طبيعة الضغوط التي قد تمارس لمنع اتخاذ أي خطوات فلسطينية، سواء لإحباط المسارات السياسية الجزئية والمرحلية، أو لتنفيذ إجراءات عملية ردًا على سياسة الاستيطان، كتلك التي تلوح بها القيادة الفلسطينية، مثل سحب أو تجميد الاعتراف بإسرائيل، وتوسيع المقاومة الشعبية، وتفعيل التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية أو الأمم المتحدة، والتحلل التدريجي من التزامات اتفاق أوسلو، ومن ضمنها التلويح بوقف التنسيق الأمني وفق تصريحات الرئيس محمود عباس.

من المرجح وضع الفلسطينيين أمام سيناريوهات صعبة، أولها قبول الانخراط في مسارات سياسية تستبعد فرص التوصل إلى حل نهائي في هذه المرحلة، وتقوم على أساس أحد الاحتمالات الآتية:

أولًا: استئناف المفاوضات المباشرة، أو غير المباشرة، حول إجراءات شبيهة بمقاربة "حسن النوايا" أو "بناء الثقة" مع التزام مؤجل وشكلي بالتوصل إلى "حل الدولتين" على المدى البعيد. وهو سيناريو قريب من المقاربات التي يطرحها روس وماكوفسكي وغيرهما. ويبقى احتمال التعاطي فلسطينيًا مع هذا السيناريو واردًا في ضوء حالة الضعف الداخلية وانكشافها على الضغوط الخارجية واستمرار الرهان على خيار المفاوضات.

غير أن نتائج ذلك هي التسليم بعدم إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي، والقبول بحلول مؤقتة وجزئية لا تتجاوز تكريس واقع سلطة الحكم الذاتي القائم، أو تسهيل المقاربات القائمة على أساس الانفصال عن الفلسطينيين وإحاطتهم بمزيد من الجدران على شاكلة ما يطرحه هيرتسوغ. ويعني هذا السيناريو تحقيق مقولة بينيت بشأن نهاية "حل الدولتين"، في ظل استمرار إسرائيل في تعميق الاحتلال والاستيطان والضم.

ثانيًا: القبول بإطلاق عملية سياسية إقليمية أشمل تشارك فيها إسرائيل ودول عربية، بحيث يكون دور المشاركة الفلسطينية، أو "الصمت" في حال عدم المشاركة، أقرب إلى توفير الغطاء للمشاركة العربية في هذه العملية الرامية من حيث الجوهر إلى تصفية الحقوق الفلسطينية المشروعة، عن طريق الضغط على الجانب الفلسطيني للقبول بما يقبل به العرب من تنازلات.

هناك فرصة لتقدم هذا السيناريو الذي يبدو مفضلًا لإدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية، وقد يدفع بعض العرب باتجاهه، بصرف النظر عن التطورات الإسرائيلية الداخلية، سواء ظلّ نتنياهو في منصبه أو اضطرته التحقيقات الجارية معه إلى الاستقالة، أو حتى تم التوجه إلى انتخابات مبكرة. وسوف تكون محصلة هذه العملية السياسية الإقليمية فتح مزيد الأبواب العربية أمام التطبيع مع إسرئيل وإغلاق فرص التوصل إلى حل يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي العام 67 وعاصمتها القدس، ولو إلى حين.

ثالثًا: بقاء الوضع القائم على حاله، في حالة رفض الفلسطينيين لكل من السيناريوهين السابقين، من خلال الإحجام عن طرح أي مبادرة سياسية على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، مع تحميل الفلسطينيين المسؤولية عن ذلك، وممارسة الضغوط عليهم لعدم اتخاذ أي خطوات في مواجهة السياسات الإسرائيلية، مقابل غض الطرف الأميركي عن استمرار هذه السياسات وتوفير الحماية لإسرائيل في مجلس الأمن. وهو سيناريو قد يتحقق في حالة تفضيل الجانب الفلسطيني بقاء الوضع على حاله تجنبًا للمواجهة، وانسجامًا مع سياسة الانتظار الطاغية على السلوك السياسي الفلسطيني.

رابعًا: محاولة فرض حل أحادي الجانب من قبل إسرائيل ينطلق من مستوى تقدم المشروع الاستعماري الاحتلالي الاستيطاني على الأرض. وهو سيناريو تتعالى الأصوات الداعية لفرضه حتى من داخل حكومة نتنياهو، لا سيما أنه ينسجم مع السياسات الجاري تنفيذها، بما في ذلك إقرار الكنيست لقانون "التسوية" الذي يشرعن نهب ومصادرة الأراضي الفلسطينية. كما تضم إدارة ترامب مسؤولين يعارضون "حل الدولتين" ويدعمون الاستيطان.

سوف يؤدي رفض الفلسطينيين وتصديهم لمثل هذا السيناريو إلى انتقال إسرائيل والإدارة الأميركية من التهديد والوعيد إلى اتخاذ إجراءات تُشعر الفلسطينيين بفداحة الثمن الذي يتعين عليهم دفعه في حالة اعتماد، أو حتى استمرار التهديد باعتماد، خيارات سياسية لإحباط السيناريوهات الثلاثة أعلاه، مثل توفير ضوء أخضر أميركي لتوسيع مخططات الاستيطان والضم والعدوان، بما في ذلك إمكانية شن عدوان جديد على قطاع غزة، واتخاذ خطوات إسرائيلية أحادية للانفصال عن الفلسطينيين ومحاصرتهم في المعازل التي تديرها السلطة، واحتجاز أموال العائدات الضريبية التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة، وقطع المساعدات الأميركية عن الفلسطينيين، واللجوء إلى خطوات تظهر الجدية والعزم على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وغيرها.

وفي نهاية المطاف، فإن تنفيذ هذه الإجراءات "العقابية" في حالة تمسك الجانب الفلسطيني بموقفه، ينطوي على ديناميكية تصعيد قد تنذر باحتدام المواجهة الديبلوماسية والميدانية وإمكانية انفجار الأوضاع الميدانية في الضفة، إضافة إلى احتمال اندلاع حرب جديدة أشد عنفًا على جبهة قطاع غزة.

 

توصيات

يهدد كل من هذه السيناريوهات بمخاطر شديدة على مستقبل القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، لا سيما في حالة الرضوخ الفلسطيني للسيناريوهين الأول والثاني، أو تفضيل السيناريو الثالث المتمثل ببقاء الوضع القائم واستمرار الدوران في دائرة انتظار ما قد لا يأتي. أما السيناريو الرابع، فيعدّ وصفة لتصعيد المجابهة السياسية والميدانية، آجلًا أم عاجلًا.

إن المطروح أمام القيادة الفلسطينية هو الإقرار بعدم إمكانية التوصل إلى حل نهائي في المدى المنظور، على الأقل، أي التخلي عن وهم إمكانية تحقيق تجسيد الاستقلال الوطني بموجب مكانة فلسطيني كعضو مراقب في الأمم المتحدة في الظروف الراهنة، بما في ذلك التسليم بانغلاق الآفاق أمام أي جهود للتوصل إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سواء عبر المطالبة بمؤتمر دولي، أو حتى وفق المبادرة الفرنسية.

وهو ما يتطلب العمل فلسطينيًا وفق الآتي:

  • دراسة مجمل المتغيرات في المشهد السياسي، في ضوء مواقف إدارة ترامب واستمرار سياسة الاستيطان والضم، وبلورة خطة عمل وطني عبر حوار شامل، بما يفتح الطريق أمام إعادة بناء الوحدة الوطنية.
  • البناء على عناصر القوة المتاحة في الوحدة والصمود والمقاومة، انطلاقًا من عدم وجود حل وطني قريب للقضية الفلسطينية، وأن سياسات العمل الكفاحي والسياسي ينبغي أن تكون موجهة لإحداث تغيير في ميزان القوى، بما يستدعيه ذلك من تحديد العلاقة مع دولة الاحتلال وإعادة النظر في شكل السلطة ودورها ووظائفها، والخروج التدريجي من مسار أوسلو والتزاماته، وتطوير وتوسيع المقاومة والمقاطعة، والتصدي لحصار قطاع غزة، وتوفير مقومات الصمود وخلق الأمر الواقع الفلسطيني في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع الاحتلالي الاستيطاني، وبخاصة في القدس ومجمل المنطقة (ج).
  • رفض استئناف المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، أو توفير غطاء فلسطيني لعملية سياسية إقليمية بمشاركة دولة الاحتلال، وإعلان عدم الاستعداد للتعامل مع الولايات المتحدة كوسيط مباشر، أو ضمن اللجنة الرباعية الدولية، وتنسيق المواقف مع الدول العربية ودول العالم الصديقة على أساس رفض أي محاولات إسرائيلية وأميركية لإطلاق مسارات سياسية تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة وأسس ومعايير ومرجعيات حل الصراع.
  • التحرك الفعال على المستوى العربي، وبخاصة مع الدول التي توجد لها قنوات اتصال عالية المستوى مع إدارة ترامب، من أجل محاولة التأثير على السياسة الأميركية قيد التشكل بشأن ملفات الشرق الأوسط، وعدم ترك هذا الميدان حكرًا على إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما يضمن حضور الموقف الفلسطيني بلسان عربي خلال اللقاءات المرتقبة لبعض الزعماء العرب في البيت الأبيض، وإيصال رسالة حازمة بشأن رفض تهميش القضية الفلسطينية، أو اتخاذ خطوات أميركية تمس بمكانة مدينة القدس أو توفر غطاء لسياسات الاحتلال والاستيطان.
  • بلورة موقف فلسطيني واضح إزاء الموقف العربي المطلوب خلال المرحلة الراهنة، بما يضمن إعادة تمسك القمة العربية بالأردن في آذار القادم بالموقف العربي الرافض للتطبيع مع دولة الاحتلال، والمتمسك بالحقوق الفلسطينية، والمناهض للتغيرات السلبية المتوقعة في السياسة الأميركية.
  • تفعيل التحرك الديبلوماسي على مستوى هيئات الأمم المتحدة، ومن ضمنها محكمة الجنايات الدولية، وعلى مستوى العلاقات الثنائية مع دول العالم.