الصورة بلا رتوش

e-mail icon
الصورة بلا رتوش
خالد بطراوي
مقالات
-
السبت, 7 آيار (مايو), 2016

لم أكن أرغب مطلقا أن أكتب في التحليل السياسي، لكنني وجدت في داخلي أن الكيل قد طفح كما يقولون عندما أرى أن المحللين السياسيين وقادة وكوادر الفصائل لا تكتب فيما هو واضح وضوح الشمس لهم ولعامة أبناء الشعب الفلسطيني لآنهم – أي القادة والكوادر والمحللون – اما لا يريدون وقف مديح الظل العالي أو لاعتبارات المخصصات والموارد أو ما باب ما يسمونه " الحنكة السياسية".

لكن، جميعنا نتذكر الأغنية التي تقول " واللي ما شاف بالغربال يا بيروت ... أعمى بعيون أمريكية". وكي لا نكون كذلك .. ربما علينا تسمية الأمور بمسمياتها والتي سوف أحاول أن ألخصها في هذه "الهلوسات" التي قد لا تعجب البعض.

دعونا بداية نتفق على حقائق ظاهرة للعيان كما وضوح الشمس.

أولا:- السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد

هذه المقولة التي اقتبست عن كارل ماركس في أواخر القرن التاسع عشر ما زالت تعطي بريقا صحيحا وربما أضيف اليها بألقول " وأن الحرب هي تعبير مكثف عن السياسية" لتصبح المقولة " السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد والحرب تعبير مكثف عن السياسة".

ثانيا:- لا مصلحة لاطراف خارجية بالوحدة الوطنية الفلسطينية

لا أعتقد أن أحد منا يختلف أن لا مصلحة لأي من الاطراف الخارجية غير الفلسطينية في أن تتحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعود الوحدة ما بين ما يسمى للان الضفة الغربية وقطاع غزّة. وعندما نتحدث عن الأطراف الخارجية فاننا هنا نقصد بشكل أساسي "رأس الحية" أمريكا والدول الأوروبية ودولة الاحتلال والدول المحيطة بنا وبضمنها مصر والاردن وتركيا وايران ودعونا نبتعد قليلا قليلا لنصل الى الديار الحجازية.

ثالثا:- لا مصلحة لقوى فلسطينية في تحقيق الوحدة الوطنية

وبالتناوب، ان كان هناك من يعتقد أن كلا من حركتي فتح وحركة المقاومة الاسلامية " حماس" لها مصلحة في توحيد " شطري الوطن" فذلك الأعمى بعيون أمريكية. ليس من مصلحة حركة حماس أن تعيد قطاع غزّة وتسلمه على طبق من ذهب الى السلطة الوطنية الفلسطينية التي عمادها حركة فتح ، ولن تسمح حركة فتح لأن تستولى حركة حماس على الضفة الغربية حتى لو أجريت انتخابات ضيقة هنا وهناك وفازت بها حركة حماس كما حصل في انتخابات مجلس طلبة جامعة بير زيت مؤخرا.

رابعا:- السحيجة

ربما باستثناء حركة الجهاد الاسلامي فان باقي فصائل العمل الوطني الفلسطيني سواء المنضوية في اطار منظمة التحرير الفلسطينية أم تلك التي خارجها مجرد " سحيجة" أو كما يقولون " بيطلعوا في زفة العروس" وهذا واضح وضوح الشمس أولا في المواقف التي يعلنون عنها من بيانات تؤكد على كذا وكذا أو تستنكر كذا وكذا أو تدعو الى كذا وكذا.

وان " لوى" أي من هذه التنظيمات " ذيله" يتم اغلاق "صنبور حنفية التمويل والمخصص". لذلك تبقى هذه القوى غير فاعلة ومحصورة التأثير ومجرد " ديكور" ليس أكثر، حتى في القضايا المجتمعية لا تبدي موقفا صارما كما حصل في اضراب المعلمين أو في موضوع "الضبان"عفوا الضمان الاجتماعي.

خامسا:- مؤسسات المجتمع المدني

على امتداد سنوات السلطة الوطنية الفلسطينية فشلت مؤسسات المجتمع المدني فشلا ذريعا في توطيد أسس وأركان المجتمع المدني وغضت الطرف عن التوجه العام في تحويل المجتمع الفلسطيني الى مجتمع مستهلك قليل الانتاج يتعزز فيه قطاع الخدمات وتترسخ فيه المديونية للبنوك وتتكرس فيه رأسمالية الدولة الاحتكارية من خلال احتكار الدولة للسلع الرئيسية.

تشكلت طبقة " وليس شريحة جتماعية " جديدة زيادة على التقسيم الطبقي الماركسي التقليدي من طبقة عمال وفلاحين وبرجوازيين لتتشكل طبقة جديدة هي طبقة الـ ( NGOs) ويضاف الى أشكال النضال المعروفة ( الآيديولوجي والسياسي وأرقى أشكاله الكفاح المسلح) نضال الفاكس والبريد الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي وبضمنها الفيس بوك ونضال المقاهي وثقافة النسكمافية بالحليب والبيتزا والهامبورغر.

أمام هذه الحقائق التي لا أعتقد أن أحدا منا سيختلف أو يجادل بأنه مبالغ فيها، أمام هذه الحقائق، كيف لنا أن نرسم بريشتنا صورة الحال الفلسطيني؟

الصورة الأولى في الألبوم السياسي بدأت قليلا قبل استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات – رحمه الله – بالاتجاه نحو الرائيس الفلسطيني الحالي محمود عباس " أبو مازن" أطال الله في عمره رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية وبالطبع لمطبخها السياسي منظمة التحرير الفلسطينية.

تشكلت الصورة في البداية بوضوح موقف الأخ أبو مازن منذ سبعينات القرن المنصرم حيث دعا الى حل يقوم على دولتين تعيش جنبا الى جنب بعلاقات حسن جوار. وقد كان وما زال منذ ذلك الوقت الى يومنا هذا واضحا في رؤيته – التي قد نختلف أو نتفق معه بخصوصها – وكان واضحا في رؤيته لأشكال النضال وتحديدا فيما يتعلق بالعمل العسكري وتوجيهه لاستهداف العسكريين وليس استهداف المدنيين ورؤيته في أن مجمل النضال الوطني الفلسطيني المسلح هو للدفاع عن الكيان الوطني وجماهير الشعب وليس للهجوم ولتجنيب الفلسطينيين ويلات وكوارث الحروب في ظل عدم التوازن الواضح في القدرة العسكرية وبخاصة انعدام الغطاء الجوي.

آنذاك، كان التفكير الامريكي الأوروبي العربي بالصمت الروسي الصيني والامتعاض التركي الايراني منصبا اما على تولي اللواء جبريل الرجوب أو الأخ محمد دحلان أو الأخ أبو مازن الرئاسة خلفا للراحل "أبو عمار".

اللواء جبريل الرجوب القادم من تاريخ نضالي حافل في مقارعة الاحتلال والسجون الاسرائيلية صاحب الرصيد الكبير بين أوساط المعتقلين الذين انضوا تحت اطار جهاز الأمن الوقائقي في الضفة الغربية ، والأخ محمد دحلان بذات الرصيد الذي بدأ في الانتفاضة الأولى وليس قبلها وبجماهيرية أقل مما هي للواء جبريل الرجوب كانا قد أضعفا أولا بتجزئة جهاز الأمن الوقائي بقيادتين الأولى في الضفة والثانية في قطاع غزّة بخلاف جهاز المخابرات العامة الذي ظل موحدا تحت قيادة اللواء أمين الهندي – رحمه الله – وثانيا من خلال تفعيل الخلاف بينهما فلم يكن من بديل متفق عليه يحدث انتقالا سلسا للسلطة بعد الراحل أبو عمار الا من خلال الأخ أبو مازن. وهذا فعلا ما تم.

الصورة الثانية في الألبوم السياسي .. وعلى الرغم من الاعتراف الدولي بفلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة، فهل فعلا قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة هو أمر منظور وقابل للتحقيق هذه السنوات؟

الجواب وبشكل قاطع " لا .. وربما الف لا " فلا معادلات الوضع الدولي ولا العربي ولا الاقليمي ولا الفلسطيني حتى تجعل من امكانية قيام دولة فلسطينية أمرا منظورا وواقعا هذه السنوات. واللي بيقول بعكس ذلك " أعمى بعيون أمريكية".

الصورة الثالثة في الألبوم تتعلق بما بعد فترة رئاسة " الأخ أبو مازن" أطال الله في عمره .. فالكل يدرك أن بقاء سيادة الرئيس الفلسطيني في قيادة السلطة الوطنية افلسطينية هي مسألة سنوات معدودة مسقوفة بعمر زمني أنا شخصيا ومن كل قلبي أتمنى موفور الصحة والعافية لهذا الفلسطيني صاحب رؤيا واضحة – قد أتفق وقد أختلف معه فيها – لكنه كان الأجرأ دوما في التعبير عنها دونما مواربة أو ايحاء.

لكي تكتمل الصورة، فان ألأمريكان والأوروبيين لا يعتقدون أن المجتمع الفلسطيني والبيت الفتحاوي سيجمع على أحد من بين كوادر فتح على تولي منصب رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، فلن يكون اللواء جبريل الرجوب أو الدكتور محمد اشتيه، أو الدكتور صائب عريقات، أو غيرهم من الأسماء التي ستجمع على أحدها حركة فتح، ولن يكون هناك اجماع على أحد من خارج حركة فتح كالدكتور سلام فياض مثلا أو الدكتور زياد أبو عمرو أو غيرهم.

لذا لا بد من شخصية تجمع عليها الحركة .. وربما يكون القائد الأسير مروان البرغوثي هو ذلك الذي سيحظى بالاجماع فلا أحد يستطيع الاعتراض على أسير فلسطيني.

بامتعاض شديد سيرضى الأمريكان والأوروبيين بتولى الأخ مروان البرغوثي لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية لكنه سيكون – بالنسبة لهم - مرحلة انتقالية لنقل الرئاسة الى فتحاوي آخر.

الصورة الرابعة .. أمام ذلك أين الدولة الفلسطينية؟

في الأفق المنظور ... لا دولة فلسطينية.

شددت الأردن على أهلنا في قطاع غزة بالغاء " عدم الممانعة" ومنعهم من الانتقال الى العالم من خلال أراضيها وذلك بهدف تحريك المجتمع المدني الفلسطيني والفلسطينيين بشكل عام للدعوة الى تخفيف القيود على أهلنا في قطاع غزة وبالتالي فتح الحدود مع مصر أي بما معناه تتحول مصر الى الرئة التي يتنفس بها أهلنا في قطاع غزّة وسوف يوافقون على ذلك فانهم فعلا يحتاجون الى نقطة حدود يخرجون ويدخلون من خلالها الى قطاع غزّة وبالتالي عودة الخيار المصري الى قطاع غزّة كما كان قبل عام 1967.

وينطبق ذات الأمر في الضفة الغربية من خلال التلميح الى امكانية أن تذهب بسيارتك الى الأردن مقابل مبلغ زهيد أي فتح الحدود مع الاردن تحت سيطرة اسرائيلية وبالتالي العودة الى ما كان عليه الوضع قبل عام 1967 وسوف يرضى أهل الضفة الغربية بذلك فيكفهم " ذل التصاريح والجسور كما قال شاعرنا الراحل عبد اللطيف عقل في رائعته الشعرية الحسن بن زريق ما زال يرحل " ونلاحظ أيضا أنه يكثر الحديث عن خيار الكونفدرالية مع الأردن.

ولو أجرينا استطلاعا للرأي العام الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة فان النتائج ستظهر تأييدا فتح المعابر وتأييدا لكونفدرالية حيث أن هم المواطن الفلسطيني هو تخفيف القيود والمعاناة والانفتاح على العالم.