العلاقات الإسرائيلية الأميركية في شرق أوسط متغير

e-mail icon

توطئة

لقد أتى فوز دونالد ترامب مباغتاً الكثيرين، وبخاصة في ظل ترجيحات إعلامية واستطلاعات رأي رأت في فوزه أمراً مستبعداً.  وبعد هذا الفوز المباغت، يتهافت كثيرون في محاولة قراءة وتوقع السياسات المتوقعة للرئيس المنتخب، إن كان على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية، ويقدمون التحليلات عن رمزية فوز ترامب وأثره على الثقافة السياسية الأميركية، إذ أنه تخطى معظم الأعراف المتعلقة بالانتخابات في أميركا، ومنها "الخبرة" المتوقعة من الرئيس، فترامب لا يملك خبرة سياسية مطلقاً، فهو لم يتولَّ منصباً سياسياً في تاريخه، ومنها كذلك اللباقة السياسية المعتادة والمتوقعة من المرشحين في مظهر الخطاب السياسي وشكله.

رابط مباشر لقراءة الكتاب أو تحميله

ترامب المتعالي على المؤسسات الرسمية الأميركية، والمنقلب على موازينها القانونية والعُرفية، لا يمكن إخضاعه بشكل كلي للمقاربات التقليدية في عملية قياس السياسات المتوقعة منه ومن إدارته.  لطالما عانت البحوث الاجتماعية من عدم قدرتها على التنبؤ، فالمعرفة عادة ما تكون ما بعدية؛ أي قراءة متأخرة للأحداث وتبعاتها.  من هنا، فإن محاولة إعطاء قراءة واضحة لأركان السياسة الخارجية في عهد ترامب، تخضع لإشكاليات بحثية عديدة، يكمن أهمها في أن ترامب هو مرشح غير تقليدي ضمن عملية اصطفاف واستقطاب سياسي يساري-يميني متصاعد في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة خصوصاً.  كيف يمكن لنا فهم هذا المخاض السياسي وإسقاط عوامله على السياسة المتوقعة للولايات المتحدة في السرق الأوسط، وبالعلاقة مع إسرائيل تحديداً؟

يأمل حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، بشدة، أن تحافظ واشنطن على التزاماتها الأمنية من توفير غطاء إستراتيجي عسكري ودعم غير مشروط لها.  ويمكن القول إن سياسة ترامب في الشرق الأوسط تمثل إلى يومنا هذا امتداداً لسياسة أوباما مع اختلافات هامشية، وإن كانت لها تبعات ذات أهمية.  فبعد خمسة أشهر من توليه الحكم، بدأ الرئيس الأميركي بتحديد السياسة الخارجية المتعلقة بالمنطقة وتشكيل معالمها.  وتكمن أولوياته في مكافحة ما يُسمى بالإرهاب في العراق وسوريا خصوصاً، وهو امتداد لوعوده الانتخابية والمرتبطة، أيضاً، بالتيار الأيديولوجي الذي اشتبك معه في صياغة حملته الانتخابية من يمين الحزب الجمهوري المتمثل بستيفين بانون.

تكمن الأولوية الثانية لدى ترامب في احتواء نشاطات إيران التي كانت العنوان الأساس لزيارته إلى السعودية، وهي أول رحلة يقوم به كرئيس للولايات المتحدة.  يريد ترامب خلق جبهة إستراتيجية موحدة ما بين دول عربية تمثل أوجه الأنظمة السياسية الرافضة للتوغل الإيراني في المنطقة، وإسرائيل.  وفي محاولة لتشكيل ذاك التحالف، يبتعد ترامب، بشكل واضح، عن سياسة أوباما التي رأت في الثورات العربية منطلقاً لدعم بعض أوجه التيارات السياسية المعارضة في المنطقة، كان أهمها الإخوان المسلمين في مصر وتونس تحديداً.  نجاح سياسة واشنطن في إرساء تحالف عربي-صهيوني يرتبط بعاملين؛ قدرة الولايات المتحدة على خلق أوصال ترابط ما بين دول محورية، وبخاصة السعودية والإمارات والأردن ومصر وتركيا، وضمن تضارب مصالح وتناقضات تعتلي كلاً من تلك الدول.  المقاطعة العربية لقطر تندرج تحت سياسة سعودية متصاعدة تحاول درء واحتواء أيٍّ من منافسيها الخليجيين لقيادة هذا التحالف.  بينما يرتكز العامل الثاني على إيجاد صيغة لحل المسألة الفلسطينية كمقدمة لقيام تحالف علني واضح وجلي.

ركائز هذه الإستراتيجية لا تختلف عما سبقها، وان كانت طرق وسُبل تحقيق ذلك تعتمد على شكل مختلف.  فمثلاً، إرجاء ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، يؤكد على أن ليس هناك تغير جذري في طبيعة العلاقات ووجهتها السياسية.  إن الإستراتيجية الأوسع نطاقاً التي تنتهجها الولايات المتحدة تركز، أساساً، على محاولة الحد من الأعباء الخارجية بعد سنين طويلة من التوغلات العسكرية المكلفة.  إلا أن ترامب يحاول وسائل مختلفة جداً للهدف نفسه.  إن الصراحة غير المعهودة التي يتمتع بها الرئيس الحالي تهدف إلى تحفيز بقية العالم إلى العمل دون التطرق إلى قضايا حقوق الإنسان.  وفي حالة الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، تبنّى ترامب مفهوم حلف شمال الأطلسي العربي -الذي تقوده المملكة العربية السعودية وتجهيزه بشكل جيد مع الأجهزة العسكرية الأميركية- لمساعدة الولايات المتحدة على تحييد التهديدات، وخلق رادع لإيران.

على الرغم من أن أسلوب ترامب قد يبدو مختلفاً، ما زالت السياسة الخارجية الأميركية تتماشى مع ما سبقها في محاولة خلق توازن قوى يصب في صالح الهيمنة الأميركية.  كان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش محورياً في صعود السياسة الأميركية هذه في منطقة الشرق الأوسط، فالتغول العسكري في العراق وأفغانستان أخرج المنطقة عن توازنها بفتح بوابة لإيران لخلق نفوذ واسع لها يمتد من غرب أفغانستان وصولاً إلى لبنان.  عمد أوباما إلى إعادة الموازين دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة تخللتها الاتفاقية النووية، ومحاولات دؤوبة لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.  تمكنت الولايات المتحدة من تقليص التوتر مع إيران حتى تتمكن من التركيز على أولويات السياسة الخارجية الملحة الأخرى.  ليأتي ترامب متحرراً من سياسة أوباما الداعمة "لحقوق الإنسان"، والانفتاح على الإخوان، وتيارات سياسية معارضة، معطياً الضوء الأخضر لتصفية منابع التناقضات عند الدول العربية الحليفة لواشنطن وتركيا.

الأزمة القطرية تدل على أن خلق أوصال تحالف عربي-تركي-صهيوني واضح المعالم في مواجهة إيران، صعب المنال.  الانقسامات الحادة والتناقضات الجلية ما بين أقطاب هذا التحالف، تقوّض قدرة الولايات المتحدة على تثبيت أجندتها لخلق ما يُسمى بناتو العرب.  ناهيك عن الصعوبات التي تشكلها التحالفات الاجتماعية والاقتصادية التي يستمد منها نتنياهو حكمه، ورفض شرائح واسعة صهيونية لاتفاق سلام.  أي على الرغم من الاختلافات الظاهرية والخطابية المتجلية بشخصية ترامب وتقلباتها، فإن السياسة الخارجية التي ينتهجها لن تكون ذات مضمون جذري مختلف.

هذه الدراسة تعالج، أساساً، فترة حكم أوباما، وأن ما أتى به يصح في فهم أسس العلاقات الثنائية، وواقعها الاجتماعي والسياسي، والتجاذبات التي تصاحبها من تقارب وتباعد.

ملف الإصدار: