"الغيبية السياسية" نهج تعسّفي يساهم في تآكل الوطنية الفلسطينية

e-mail icon
"الغيبية السياسية" نهج تعسّفي يساهم في تآكل الوطنية الفلسطينية
باسم الزبيدي
مقالات
-
الخميس, 1 حزيران (يونيو), 2017

بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود، وتحديدا في 1 أيار 2017، أصدرت حركة حماس وثيقة سياسية جديدة حملت عنوان "وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس"، شملت الوثيقة 41 مادة، إضافة الى مقدمتها، تغطّي منطلقات ومحددات فكر حماس السياسي وتفاعلاته في نطاق الحالة الفلسطينية وفي الإطارين الإقليمي والعالمي. بالمجمل، الوثيقة ليست وثيقة سياسية وإنما هي تعريف بالحركة وبمنطلقاتها في فهم مختلف القضايا من حولها، كُتبت بلغة واضحة ومباشرة وعصرية وذلك على عكس ميثاق 1988. بإصدارها هذه الوثيقة تريد حركة حماس القول انها نضجت وبلغت سن الرشد، وأنها تجاوزت ما تركه ميثاقها السابق من أثقال على صدرها طيلة سنين لجموده وسطحيته وارتجالية صياغته، ذلك الميثاق الذي غابت عنه الرصانة والرويّة كونه جاء على عجل في خضم فعاليات الانتفاضة التي تزامنت مع استعدادات الحركة للإعلان عن تأسيسها في 6 كانون أول 1987.

لا يسعى هذا المقال الى نقد تلك الوثيقة أو الدفاع عنها أو حتى التعليق عليها فهذه مهمّة السياسيين، وانما الى قراءة الجدل الدائر حولها لآيضاح ما أود تسميته "بالغيبية السياسية" في الفكر السياسي الفلسطيني. أقصد بهذا المصطلح ان هناك على الدوام حلقة مفقودة في تحليل الشأن السياسي الفلسطيني يتسبب بها غياب قواعد التفكير المنظّم والمنبثق من مقدمات واضحة ومحددة وينتهي باستنتاجات منطقية، والذي يرافقه عدم تحديد واضح ودقيق لمعاني ومدلولات المفاهيم وأوجه تباينها زمانيا ومكانيا وأصول مقارناتها وشروط تعميمها. هذا يُسفِر عن فهم تبسيطي ساذج للأمر المبحوث يقوم على إقحام ذاتيّة تجعل تقود الى رؤية العالم كما ينبغي بدلا من رؤيته كما هو فعلا. مثال على ذلك النقاش الدائر مؤخرا حول وثيقة حماس الجديدة وما تحمله من معان وما يمكن ان يترتب عليها من انعكاسات.            

بالعموم، الوثيقة الجديدة إطار تعريفي فكري، ارادت حماس عبرها ان تتجاوز آثار الانعكاسات السلبية للفجوة بين ميثاق 1988 الذي اتسم بالجمود والانغلاق والتبسيط من جهة، وسلوكها السياسي المرن والمنفتح والبراغماتي من جهة أخرى، ومن ثمّ المحافظة على مكاسبها واستمرار التفاعل مع ما يحيط بها من تطورات محلية وإقليمية ودولية. الوثيقة تصف حماس كقوة تحرر وطني، فلسطينية الهوية وإسلامية الفكر وغير اخوانية، وتقول ان غرضها ليس محاربة اليهود وانما مجابهة إسرائيل والمشروع الصهيوني، وترى بفلسطين مكانا ذا هوية مركبة تجمع ما هو ديني وثقافي وسياسي، وترى بإسلامها مبدأ شمولي وسطي معتدل، يقوم على التسامح والتعايش مع الآخرين وليس الإقصاء، وترى منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني تعمل الحركة معه بهدف انتزاع الحقوق الفلسطينية. وتغلِّب الوثيقة المفردات الوطنية على الدينية الغيبية، كالشعب بدلاً من الأمة، والوطني بدلاً من الديني، والصهيونية بدلاً من اليهودية، والمقاومة بدلاً من الجهاد، والتحرر الوطني بدلاً من إعلاء كلمة الله، وتتكرر في الوثيقة أيضا مفاهيم ومفردات دنيوية أخرى كالتعددية والديمقراطية والشراكة الوطنية وغيرها. اما سياسيا فتعلن الوثيقة ان حماس تقبل الحل المرحلي للصراع مع المشروع الصهيوني المتمثل بإقامة دولة فلسطينية على أراضي 1967، دون التنكر لحق اللاجئين والقدس. 

منذ صدور الوثيقة، توالت التعليقات عليها، منها من أثنى عليها واتفق مع ما ورد بها في سياق مشروع حماس السياسي، ومنها من جاء نقديا ومشككا بمسوغاتها ومحاجِجا انها جاءت متأخرة عقودا، كما رأي فريق آخر انها تهافُت وتنازُل يُذكّر بما انتهت اليه منظمة التحرير وفتح من تنازلات قادتهما الى سلطة (وليس دولة) كسيحة تملك القليل من مقومات الديمومة والاستمرار. الملفت ان معظم التعليقات يغيب عنها رصانة المعايير ووضوح المنطلقات في تحليل وفهم ما ورد بالوثيقة، كالقول ان حماس أخطأت في الماضي عندما "خَوَّنَت وكَفَّرّت" الآخرين لتجاوزهم "المحددات الوطنية"، وانها بقبولها دولة فلسطينية في حدود 1967 تتراجع عما رفضته بالماضي، ويَخلُص هذا الرأي الى ان على حماس الاعتراف بخطأ تشدّدها أو تأخرها في قبول الدولة في حدود 1967 والاعتذار للشعب الفلسطيني على ما لحق به من أضرار!!

أكثر من ملاحظة يمكن تسجيلها هنا أولها عدم وجود تعريف دقيق وواضح لما يسمى "بالمحددات الوطنية". فهذا المصطلح مبهم وغالبا ما يتم استخدامه بميكانيكية وكيدية عند قياس قرب أو بعد أي فعل (أو فاعل) سياسي عن تجسيد حق تقرير المصير المتمثل بالحرية والاستقلال، وبدون معايير واضحة. يمكن على سبيل المثال النظر الى أوسلو على انه خطوة منسجمة مع "المحددات الوطنية" وخادم لها كما اعتقدت حركة فتح، تماما كما يمكن لفريق آخر (حماس والجهاد الإسلامي مثلا) ان ينظر اليه كخطوة استسلام وتفريط! هناك بعد آخر لهذه الإشكالية يتمثل بأن الجهة التي نحتت مصطلح "المحددات الوطنية" أي "منظمة التحرير" هي ذاتها متغيرة، ما يعني ان مفرداتها وبرامجها وأدوات إعمالها هي أيضا متغيرة وغير ثابتة.

ان ما يمكن وصفه بالاعتدال او التشدد إزاء "المحددات الوطنية" هو في حقيقته اجتهاد تمليه لحظة تاريخية محددة يمكن ان لا يتوافق معه الجميع، تماما كما حدث عام 1974 عندما عارضت جبهة الرفض "اعتدال" قيادة منظمة التحرير بشأن البرنامج المرحلي الذي نص على قبول دولة على جزء من فلسطين. فاختلاف الطرفين حول تأويل ما تعنيه "المحددات الوطنية" وسُبُل ترجمتها جعل الفريق الأول "يعتدل" والآخر "يتشدد". كوْن مصطلح "المحددات الوطنية" وغيره من مفردات المسألة الوطنية يتسم باللزوجة والمرونة هذا يعني تلقائيا عدم جواز احتكار ما يعنيه هذا المصطلح من أي كان، لأن في ذلك إقصاء للآخرين عن الفعل الوطني. ان مُضي منظمة التحرير باحتكار معنى الوطنية الفلسطينية، خاصة في ظل تآكلها وفي ظل عدم إنجازها للدولة الفلسطينية المستقلة، هو إقصاء للآخرين، ليس فقط الاسلاميين، وانما أيضا لكل قوّة او حركة سياسية (إسلامية أو علمانية أو غير ذلك) يمكن أن تُفرزها الحالة الفلسطينية في المستقبل.

ان التمادي في احتكار معاني هذه المفردات وصيغ إعمالها على الأرض من شأنه ان يعمّق التمزّق الراهن وان يزيد الفجوة بين الأطراف السياسية من جهة، وبين تلك الأطراف والشارع الفلسطيني من جهة أخرى، في ظل تصورْن متباينين للمسالة الوطنية برمتها. فالمنظمة ترى "بالوطنية" مفردة مقبولة كما يوحي بها ميثاقها ومقرراتها، وأن أي تأويل آخر هو غير مقبول كونه لا-وطني، بينما ترى "حماس" أن "الوطنية" المقبولة هي تلك التي تتفق مع مبادئها ومنطلقات فهمها للمسألة الوطنية كما وضّحها ميثاقها، وأن أية محددات أخرى مرفوضة كونها غير وطنية!! ان الاعتقاد بأزلية وخلود ما تعنيه المفردات التي اعتمدتها المنظمة في الماضي أو التي تعتمدها حماس اليوم هو اعتقاد تعسفي، خاصة ان المفردات في الحالة الأولى قد أصابها الوهن بعد خرقها أكثر من مرة، عوضا عن ان المنظمة نفسها شاخت وبهتت حيث لا يتجاوز حضورها اليوم حدود بند إنفاق في موازنة السلطة الفلسطينية. وينطبق الشيء ذاته على المفردات التي تتداولها حماس، خاصة في ظل تأثرها بفكر الاخوان المسلمين وكونها أحد طرفين أسّسا لأخطر انقسام في تاريخ الفلسطينيين.  

من الواضح ان الإشكالية مرتبطة الى حد كبير بمسألة الشرعية، فهي اليوم باهتة ومتآكلة لدى غالبية الحركات والأحزاب والبنى والتراكيب السياسية، حيث يغيب الاحتكام للانتخابات والتفاهمات والتعاقدات والتشاور والمساومات ويطغى عسف السيطرة والاستبداد وقيم النديّة والصراع والاقصاء. ان السجال العدميّ حول المفردات الوطنية هو أحد تعابير استفحال أزمة الشرعية لدى مختلف الأطراف والمؤسسات التي يُفترض أن ترعى وتُترجم تلك المفردات. أما معالجة أزمة الشرعية فهي كفيلة بوضع العراقيل أمام جنوح أي طرف لإقصاء الآخرين ومن ثم "إجباره" على التعايش معهم والبناء على ما هو مشترك وعام.       

ملاحظة أخرى هامة تُعنى بالتشدد والاعتدال واستسهال تداولهما كيديا في السياق الفلسطيني رغم عدم التوافق على ما تحملانه هاتين المفردتين من معان وايحاءات. ان "تشدد" أو "اعتدال" طرف ما إزاء قضية معينة هو أمر تحكمه شروط وأسباب ذاتية وموضوعية تختلف عن الشروط والأسباب التي تحيط "بتشدد" او "اعتدال" طرف آخر إزاء نفس القضية. فمثلا، الحديث عن "اعتدال" حماس بقبولها دولة في حدود 1967 (وبالتالي تماثلها مع منظمة التحرير) هو ادعاء تنقصه الرصانة كون "اعتدال" حماس الذي أعلن عنه في وثيقة 2017 يختلف عن اعتدال منظمة التحرير الذي أعلنته عام 1974. فاعتدال المنظمة جاء عبر قبول البرنامج المرحلي (برنامج النقاط العشر) في لحظة تاريخية محددة، واستغرق الوصول اليه ثلث المدة الزمنية (1965-1974) التي احتاجتها حماس لتتحول الى الاعتدال (1988-2017)، بمعنى ان "اعتدال" حماس جاء بعد ثلاثة اضعاف المدة الزمنية التي احتاجتها منظمة التحرير "للاعتدال".

أسئلة صعبة كثيرة تبرز هنا ليس من السهل الإجابة عليها من بينها: أي الاعتدالين أكثر خدمة للمشروع الوطني، هل هو الاعتدال السريع الذي ولجت به منظمة التحرير أم الاعتدال البطيء الذي اختارته حماس؟ هل هناك من "مدى زمني نموذجي" أو "سن بلوغ شرعي" لممارسة الاعتدال أو العزوف عنه؟ كيف يمكن تحديد ذلك ومِن قِبَل مَنْ ومتى وفي أية حالات؟ وأيضا، ما الذي كسبته منظمة التحرير بخطواتها المبكرة نحو "الاعتدال"، وما الذي خسرته حماس في تلكؤها في ذلك المسار وبلوغه ببطء؟ ما الذي يمكن ان يكسبه الطرفان جراء "اعتدالهما" المعبّر عنه بقبول دولة فلسطينية في حدود ارض 1967، دون ان ننسى ان اعتدالهما (سريعا كان أم بطيئا) لا يضمن لهما بالضرورة بلوغ الدولة المستقلة!!! ان الجدل حول "الصيغة الأمثل للإعتدال" لا يمكنه أن ينتهى بإجابة واضحة ليس فقط لصعوبة تعريفه بشكل دقيق وانما أيضا لتعذر الاتفاق على مسطرة قياس واحدة لتقدير انعكاساته السلبية أو الإيجابية على المسألة الوطنية.    

الجدل الذي لا تضبطه معايير واضحة هو جدل غيبي يهدد بعدميته استمرار التشظي والتفتت والتشرذم ما يستدعي جدّية قصوى لمحاصرته والخروج منه لدرء تبعاته التدميرية. نقطة البدء ربما تكون بمعالجة مسألة الشرعية، شرعية الفكر والفعل لدى الحركات والأحزاب ومختلف البنى والتراكيب ومأسستها لتفضي الى الاعتراف بالآخر والتعايش معه والاقرار بحقة أن يكون جزءا من الجهد الوطني وأن يساهم به دون تكفير أو تخوين. النجاح في تحقيق ذلك من شأنه ان يلجِمَ الرغبة في احتكار "حقيقة" مفردات المسألة الوطنية والتخفيف من إغراء حشرها في ثنائيات ضيقة كالمقدّس والمدنّس والوطني واللاوطني والمعتدل والمتشدّد وغير ذلك، والتعاطي مع تلك المفردات بمرونة وانفتاح كونها مفردات معقدة لا تقبل ان يمتلك ناصية حقيقتها أحد. امّا الإخفاق في تحقيق ذلك فمن شأنه ان يعزّز غيبية سياسية تزيد من تآكل جسد وروح الوطنية الفلسطينية.