الفكر السياسي لحركة حماس بين الميثاق والوثيقة: فكر جديد أم إعادة إنتاج السابق؟

e-mail icon
الفكر السياسي لحركة حماس بين الميثاق والوثيقة: فكر جديد أم إعادة إنتاج السابق؟
منصور أبو كريم
مقالات
-
الثلاثاء, 23 آيار (مايو), 2017

 

مقدمة

منذ أن كشف خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة "حماس"، النقاب عن إعداد حركته "وثيقة سياسية" تحمل فكر الحركة وموروثها السياسي، ظهرت العديد من التحليلات والمقالات التي تناولت الوثيقة، وخرجت التسريبات على ألسنة البعض من حركة حماس بأن هناك وثيقة سياسية جديدة قيد الإعداد والمشاورة، وأنها ستكون عند صدورها بمثابة الرؤية المرجعية التي يلتزم بها الجميع في خطابه الفكري والسياسي، والأرضية لإستراتيجية التحرك واتجاه البوصلة النضالية، وخارطة الطريق التي تعيد التأكيد على ثوابت الحركة فيما يتعلق بطبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ورؤية الحركة من المسألة اليهودية، والمصالحة الوطنية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والعلاقة مع الفصائل والحركات الفلسطينية.

كما ظهرت العديد من التحليلات والآراء التي تناولت الوثيقة، سواء بالنقد أو بالتقييم؛ بهدف قياس مدى التطور الذي طرأ على فكر الحركة وبرنامجها السياسي، ورؤيتها للقضايا الكبرى، خاصة القضايا التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وعملية السلام، والدولة الفلسطينية، والعلاقة مع الداخل الفلسطيني.

فثمة فرق بين "الفكر الإسلامي" و"الإسلام" نفسه، فالفكر الإسلامي هو صنعة المسلمين العقلية لتحقيق مصالح المجتمع، وخدمة المبادئ الدينية عامة، أما الإسلام فهو وحي، وسنن ثابتة. وبناء عليه، فإن الفكر قابل للتطوير والتغيير والتعدد في وجهات النظر، بحكم الواقع المتغير، واختلاف المجتهدين، لذا إن الالتزام بنتائج الفكر مرتبط باتساقه مع القواعد والأصول الإسلامية العامة.

وفي إطار سعى حركة المقاومة الإسلامية حماس لتطوير وتجديد فكرها السياسي، بما يتلاءم مع المتغيرات والتحولات الإقليمية والدولية، طرحت الحركة وثيقة المبادئ والسياسات العامة، التي رأت فيها الحركة أنها تعبر عن رؤيتها وفكرها الجديد في كافة القضايا المصيرية، وتقدم إجابات عن وجهة نظر الحركة على مختلف التساؤلات المطروحة. فقد اعتبر مشعل أن هذه الوثيقة تقدم فكرًا جديدًا للحركة مع الحفاظ على الثوابت، مما آثار طرح تساؤلات عدة حول فلسفة ومضمون الوثيقة الجديدة؟، والمبررات والتحديات التي أدت إلى طرحها؟ وهل الوثيقة تحمل فكرًا سياسيًا جديدًا أم إعادة إنتاج للقديم؟ وكيف عالجت الوثيقة الجديدة القضايا المصيرية كالدولة والمجتمع والعلاقة مع إسرائيل؟

وستحاول هذه الدراسة مقاربة هذه التساؤلات والتحديات، وإجراء مقارنة بين الوثيقة الجديدة والقديمة من أجل معرفة عوامل الاتفاق والاختلاف في فكر الحركة، من خلال العناوين الآتية:

 

لتحميل المادة أو قراءتها اضغط/ي هنا 

أولًا: فلسفة الوثيقة وإستراتيجياتها

جاءت وثيقة المبادئ والسياسات العامة من قبل حركة حماس في إطار مساعي الحركة لتجديد فكرها السياسي وسلوكها التنظيمي، فقد اعتبرت الحركة أن هذه الوثيقة تمهد لمرحلة جديدة من مراحل تطور الحركة على السياسي والنضالي، وأنها بداية لمرحلة جديدة تقدم من خلالها الحركة رؤيتها وفلسفتها للحاضر والمستقبل. فقد حملت ديباجة الوثيقة أسباب الحركة وأهدافها من طرح الوثيقة، وأكدت الحركة أن "بهذه الوثيقة تتعمق تجربتُنا، وتشترك أفهامُنا، وتتأسّس نظرتُنا، وتتحرك مسيرتنا على أرضيات ومنطلقات وأعمدة متينة وثوابت راسخة، تحفظ الصورة العامة، وتُبرز معالمَ الطريق، وتعزِّز أصولَ الوحدة الوطنية، والفهمَ المشترك للقضية، وترسم مبادئ العمل وحدود المرونة".

فحركة حماس أرادت من وثيقة 2017 أنّ تتنفس قليلًا بعيدًا عن أجواء ميثاقها الأول، في خضم المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، التي يبدو أنها تجاوزت رغبة الانفتاح على الحركة، وأرادت دمجها في النظام السياسي بشكل مختلف، وهو ما عاندت "حماس" لعدم الوصول إليه كخيار في ميثاقها.

كانت "حماس" تعرّف نفسها بأنها حركة دينية، وتقول عن نفسها إنها جناح من أجنحة حركة "الإخوان المسلمين" في فلسطين، لكنها في الوثيقة الجديدة تبتعد عن الإخوان دون ذكرهم، كما أنها لم تعلن صراحة تخليها عما جاء في ميثاقها. أما الجديد في الوثيقة فإنّ نصوصها محكمة لجهة القوانين الدولية، وخاصة القانون الدولي الإنساني، والهدف الأساس من وراء ذلك فتح أبواب الإقليم والغرب أمام الحركة، ومحاولة إلغاء وصفها "بالإرهابية".[1]

أوضح مشعل في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه عن الوثيقة عن الكيفية التي جاءت بها، والفلسفة والأهداف التي ترغب الحركة تحقيقها من خلفها، والجهات التي تستهدفها، إذ أعلن في بداية مؤتمره الصحفي، أن هذه الوثيقة ثمرة جهود أربع سنوات متواصلة، فقد توافقت قيادة الحركة في الداخل والخارج على وضع وثيقة تعكس تطور فكر الحركة على مدار تاريخها، وخاصة خلال تجربة الحركة في الحكم خلال السنوات العشر الماضية. وأكد أن الوثيقة تقدم رؤية الحركة وبرنامجها السياسي لأبناء الحركة نفسها، وشركاء الوطن، وللمحيط الإقليمي والدولي، وأن الإعداد لها بدأ منذ بداية دورة القيادة السابقة للحركة، وأن صياغتها كانت بالشراكة بين الداخل والخارج، وأنها مرت على كافة أطر ومؤسسات الحركة، ومرت بمسودات عدة، وقد استشارت الحركة في مراحل إعدادها النهائية بعض خبراء القانون الدولي من أجل أن تراعي الحركة فيها مبادئ القانون الدولي.

وأكد مشعل أن الوثيقة تمثل إجماعًا ورضى كاملًا داخل "حماس"، وأنها أخذت موافقة كل أطر ومؤسسات الحركة المختلفة، وأن فلسفتها تؤكد أن "حماس" حركة حيوية ومتطورة فكريًا وسياسيًا، وأنها تعتبر مظهرًا من مظاهر تجديد فكر الحركة، وأنها تؤكد انفتاح الحركة على العالم، من دون التخلي عن الثوابت. كما أن "حماس" حاولت تقديم وثيقة تجمع بين التشدد والليونة، التشدد مع الاحتلال والليونة والوسطية والاعتدال مع الشعب الفلسطيني.

وعلى الرغم من كل ما قاله مشعل حول فلسفة الوثيقة الجديدة وأهدافها، يمكن القول إن الوثيقة حملت ثلاث إستراتيجيات رئيسية: أولها إستراتيجية وفلسفة الوضوح الكامل، خاصة فيما يتعلق بموضوع المسألة اليهودية. فالحركة كانت واضحة في هذه القضية تمامًا، عبر إخراجها اليهود كأصحاب ديانة من دائرة الاستهداف، لصالح التركيز على المشروع الصهيوني والكيان الإسرائيلي، أو ما جاء في المادة الثانية من التأكيد على أرض فلسطين، إذ نصت المادة " فلسطين بحدودها من نهر الأردن شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، ومن رأس الناقورة شمالًا إلى أمّ الرشراش جنوبًا وحدة إقليمية لا تتجزّأ، وهي أرضُ الشعب الفلسطيني ووطنُه. وإنَّ طردَ الشعب الفلسطيني وتشريدَه من أرضه، وإقامة كيانٍ صهيونيّ عليها، لا يلغي حقَّ الشعب الفلسطيني في كامل أرضه، ولا ينشىءُ أي حق للكيان الصهيوني الغاصب فيها".

أما الإستراتيجية الثانية فتنطلق من فكرة الرفض الواضح أو الكامل، وأيضًا كانت الحركة واضحة فيها بشكل جلي، عبر رفض الاحتلال الإسرائيلي والاتفاقيات الموقعة، وخاصة اتفاق أوسلو، وموقفها الرافض لكل المبادرات الدولية، حيث نصت المادة 22 على "ترفض حماس جميع الاتفاقات والمبادرات ومشروعات التسوية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو الانتقاص من حقوق شعبنا الفلسطيني، وإنَّ أيَّ موقفٍ أو مبادرةٍ أو برنامجٍ سياسيّ يجبُ ألا يمس هذه الحقوق، ولا يجوزُ أن يخالفها أو يتناقضَ معها".

وأما الإستراتيجية الثالثة فهي إستراتيجية الغموض "المقصود"، التي استخدمتها الحركة في وثيقتها الجديدة بشكل مقصود، من أجل تقديم تصورات سياسية غير واضحة، على قضايا مصيرية، مثل طريقة تعامل الحركة مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها إطارًا وطنيًا جامعًا وليس ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، أو كما جاء في موقف الحركة من قبولها بدولة فلسطينية في حدود 67 كاملة السيادة، من دون أن تحدد كيف يمكن الوصول إلى هذه الدولة، أو فيما يتعلق بعلاقة الحركة بجماعة الإخوان المسلمين، رغم أن مشعل أكد أن "حماس" حركة مستقلة، إلا أن ذلك لم ينص عليه في الوثيقة.

وأبرز مثال على الغموض الذي احتوته كثير من بنود الوثيقة، البند رقم 20 الذي تحدثت فيه الحركة عن الدولة في حدود 1967، حيث نصت المادة على "لا تنازلَ عن أيّ جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال. وترفض حماس أي بديلٍ عن تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا، من نهرها إلى بحرها. ومع ذلك - وبما لا يعني إطلاقًا الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا التنازل عن أيٍّ من الحقوق الفلسطينية - فإن حماس تعتبر أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة".

وهذا ما دعا جمال البابا، الباحث في مركز التخطيط الفلسطيني، إلى القول إن وثيقة حماس لم تأت بجديد، ولن تحقق الغرض منها، وهو القبول العربي والدولي. فالتسويف كان الطابع الملاحظ في كثير من النقاط، ومن أهم هذه النقاط ما يتعلق بمنظمة التحرير، إذ تعاملت الوثيقة على أن منظمة التحرير إطار وطني جامع للفلسطينيين، وليس ممثلًا شرعيًا وحيدًا، وهذا يؤكد المواربة السياسية التي تنتهجها "حماس" إزاء المنظمة. وهذا ما دعا الباحث أحمد دلول - وهو من أبناء "حماس"- إلى القول إن الوثيقة ستبقى حبرًا على ورق إلى أن تتأكد بنودها أو تُنفى من خلال سلوكيات "حماس".[2]

 

ثانيًا: مبررات وتحديات طرح الوثيقة الجديدة

 تعيش حركة حماس ظروفًا في غاية الصعوبة والتعقيد، على المستوى المحلي والعربي والدولي، فالتحولات الإقليمية، وخاصة الأزمة السورية، وضعت الحركة أمام معضلات من النوع الكبير، بعد موقف الحركة المؤيد للثورة السورية، الذي اعُتبر من قبل النظام السوري وحلفائه نكرانًا للجميل الذي قدمته سورية قيادة وشعبًا لحركة حماس وقياداتها في الخارج، بالإضافة إلى مأزق الحركة الناجم عن سيطرتها على قطاع غزة قبل عشر سنوات تقريبًا، في ظل ما يعانيه القطاع من فقر وبطالة، وتردٍ للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بسبب الحصار والحروب الإسرائيلية المتكررة، مما وضع "حماس" أمام مجموعة من التحديات المصيرية، التي أصبحت تتطلب منها نوعًا من المرونة السياسية، بهدف فتح نوافذ جديدة، سواء على المستوى المحلي في العلاقة مع منظمة التحرير وفصائلها، أو فيما يتعلق بالوضع العربي والدولي، الذي أصبح يشكل تحديًا كبيرًا أمام إمكانية دمج "حماس" في النظام السياسي الفلسطيني والعربي والدولي، باعتبارها مصنفة "حركة إرهابية" وفق التصنيف الأوروبي والأميركي.

منذ شهور عدة، تناولت وسائل متعددة خبرًا مفاده أن "حماس أوشكت" على إنجاز وثيقتها السياسية الجديدة، وتعديل دستورها، ورافق ذلك انتخاباتها الداخلية، وبما يتناسب مع متغيرات إقليمية ودولية عدة، هذا التعديل الذي طالبت به كثير من القوى الإقليمية والفلسطينية وبعض القيادات والكوادر في "حماس" ذاتها، التي راهنت في السابق على مشروع الربيع العربي الذي تهاوى نتيجة المتغيرات والتحولات في العالم العربي، وخاصة في مصر وسوريا، وبالتالي كان أمام "حماس" إحداث مراجعات فكرية وسياسية لمشروعها الذي يستند إلى جماعة الإخوان المسلمين.

كانت المطالبات دائمًا تدعو "حماس" إلى الانصهار في الحركة الوطنية الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر وطني، فكان لازمًا عليها أن تغير وتخرج من عباءة الالتزام الحزبي بحركة الإخوان المسلمين إلى حيز الوطنية الفلسطينية ومظلة الديمقراطية.([3]) فحركة حماس عندما أصدرت ميثاقها في العام 1988 كانت الجهة التي عملت على إبرازه عالميًا والترويج له هي إسرائيل. بالطبع كان ذلك حاجة في نفس منظري الحركة الصهيونية، حيث قدمته على أنه وثيقة عدمية تضج بالعنصرية ومعاداة السامية والمخالفات القانونية. وقامت إسرائيل حينئذ بالتعجيل بترجمته إلى اللغة الإنجليزية، وتوزيعه في الغرب، وعقد الجلسات والندوات للتشهير بكل ما جاء به، والتحريض على "حماس" واتهامها بالتطرف والإرهاب، كما قامت إسرائيل بتشجيع الأكاديميين والإعلاميين اليهود بتناول موضوع الميثاق في أبحاثهم ودراساتهم خلال مشاركاتهم في المؤتمرات الدولية بالعواصم والجامعات الغربية. وكانت إسرائيل تهدف من وراء حملتها المسعورة تلك حول الميثاق إلى شيطنة "حماس" وعزلها على المستوى الدولي.[4]

وميثاق الحركة الذي كُتِب في العام 1988، وكتبه أحد القيادات المؤسسة للحركة وهو الشيخ "عبد الفتاح دخان"، هو أقرب للوثيقة الدينية منه إلى الوثيقة السياسية، قد يصلح في ذاك الزمان، ولكنه لا يصلح لأزمنة أخرى، وهو ما باتت تدركه "حماس"، وتحديدًا بعد أن أصبحت من كبرى الحركات السياسية في فلسطين، ونجحت في الانتخابات البلدية والتشريعية في العامين 2005 و2006 على التوالي، وتقود برنامج المقاومة، وتدير الحكم والحكومة في فلسطين، وسط عدم قبول أطراف عديدة من المجتمع الدولي بها وبحكومتها، وهو ما انعكس على أدائها وإدارتها للشأن العام.

إن ما يؤخذ على الميثاق هو الصبغة الدينية على كل شيء، حيث يسجل خصوم "حماس" عليها بأنها تستهدف المرأة المسلمة وتتجاهل المرأة غير المسلمة، وهي شريكة في النضال والوطن، لذلك بات من الضروري تجديد الفكر السياسي للحركة التي أبدعت في ميدان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يجوز أن تبقى محاكمة فكرها السياسي من خلال ميثاقها الذي كُتِب في العام 1988، فكان لا بد من أن تُبدع في تجديد فكرها السياسي، وصولًا إلى سد الذرائع أمام إسرائيل وحلفائها التي تتسلح بالميثاق كوثيقة لشيطنة وأرهبة "حماس" ومقاومتها.[5]

ساقت "حماس" الكثير من المبررات لطرح وثيقتها الجديدة، التي اعتبرتها الحركة أنها تمثل تطورًا طبيعيًا في فكر وسلوكها السياسي، فقد أكدت أنها جاءت بدافع ذاتي من دون تدخل العوامل الخارجية، رغم أنها اعترفت بتأثير التحولات والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، كما أكد مشعل أثناء المؤتمر الصحفي، إلا أن الحركة لا تستطيع أن تنكر الدوافع الإقليمية والدولية لطرح الوثيقة.

ويرى الدكتور إبراهيم أبراش أنه "من الجيد أن تصف "حماس" نفسها بأنها حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، وجيد أن تتحدث عن الديمقراطية والشراكة السياسية، ولكن هل يأتي ذلك في إطار إستراتيجية للمصالحة والانخراط في المشروع الوطني؟ أم لتسوق نفسها للخارج كحركة وطنية معتدلة تملك سلطة على الأرض، ويمكنها أن تكون بديلًا وطنيًا عن منظمة التحرير وحركة فتح؟". فتوقيت طرح الوثيقة الذي ترافق مع زيارة الرئيس محمود عباس إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس دونالد ترامب فتح باب التساؤلات حول الهدف من توقيت إعلان الوثيقة، والرسائل التي تحملها الوثيقة الجديدة، وهل هي قادرة على إحداث خرق في جدار الممانعة الدولية، وقدرة الحركة على تسويق أفكارها في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الحالية.[6]

ومن جهة أخرى تري الكاتبة شيمريت مئير، المحررة المسؤولة عن موقع المصدر الإسرائيلي، أن الدافع لطرح هذه الوثيقة يعود إلى شعور في "حماس" أنه من المهم تعديل الصورة المعادية للسامية، التي برزت في الميثاق السابق، خاصة في عهد ترامب، لدوافع نفعية، فالحركة تفهم أنه قد طرأت تغييرات، وأن سر الحركة التي كافحت من أجل بقائها يكمن في مرونتها السياسية وملاءمتها للظروف. ميثاق الحركة الجديد الذي يشكل إضافة إلى انتخابات القيادة الجديدة "عملية تجميلية" لحماس. فالتغييرات في "حماس"، لا سيّما عند مقارنتها بالجمود السياسي لدى خصمها التاريخيّ (حركة فتح) تعتبر كبيرة، فخلال أشهر قليلة، نجحت "حماس" في تغيير قادتها ونص مبادئها مجددًا، رغبة منها في بدء العمل على علاقاتها مع العالَم العربي وتحسين صورتها. بالمُقابل، يسود ركود ونقص الطاقة في حركة فتح.[7]

وفي نفس السياق يرى يوسي بلين، الوزير الإسرائيلي السابق، أن "حماس" تعيش نفس الظروف والتحديات التي كانت تواجه منظمة التحرير و"فتح" بعد الخروج من بيروت، مما اضطرت لطرح هذه الوثيقة، لذلك يرى "أن حماس توجد في وضع يشبه الوضع الذي كانت فيه المنظمة في منتصف السبعينيات عندما عبرت لأول مرة عن استعدادها للاكتفاء بأقل من جميع المناطق غربي نهر الأردن، مع التأكيد على نظرية المراحل. ولكن منذ ذلك الوقت مرت خمسين سنة. وإذا أرادت "حماس" أن تصبح حركة سياسية شرعية، فهي لن تسمح لنفسها بأربعين سنة أخرى من التلاعب بالكلمات وإعطاء الشرعية للعنف. إسرائيل ستحتاج لتقول إن هذه الوثيقة لا تغير العلاقة مع المنظمة الإسلامية العنيفة هذه التي تتمسك بالإرهاب والعنف. حكومات إسرائيل الأخيرة لم تكرر الاخطاء في رفض منظمة التحرير بالمطلق، وهي عبرت عن استعدادًا للتحدث مع "حماس" في ظل شروط معينة، أولها التنصل من استخدام القوة"[8].

ومن جهة أخرى رأت صحيفة نيويورك تايمز أن "حماس" تحاول تقديم صورة جديدة لها في الغرب عبر هذه الوثيقة، فقد اعتبرت الصحيفة أن الحركة تسعى لتقديم وجه عام أكثر اعتدالًا، في محاولة للحفاظ على دور في النضال من أجل قيادة القضية الفلسطينية، ضمن وثيقة جديدة للمبادئ تدعو إلى إقامة علاقات أوثق مع مصر، وخفض المعاداة للسامية من ميثاقها، وتقبل فكرة إقامة دولة فلسطينية مؤقتة رغم أنها لا تعترف رسميًا بإسرائيل. وأضافت الصحيفة: تحاول "حماس" تقديم نسخة أكثر مصداقية من رؤيتها للقضية الفلسطينية، والحصول على أرضية ضد الرئيس عباس الذي يتزايد نفوذه".[9]

ما يؤكد أن هذه الوثيقة موجهة للغرب أكثر منها للداخل الفلسطيني، دعوة مشعل إدارة ترامب والعواصم الدولية إلى التقاط الفرصة والتعامل بجدية مع "حماس" بعد الإعلان عن وثيقتها، إذ قال خلال مقابلة مع قناة (CNN) الأميركية، إن ما ورد في الوثيقة يكفي لأي منصف في العالم، خاصة العواصم الدولية، أن يلتقط الفرصة، وأن يتعامل بجدية معها ومع الفلسطينيين والعرب، وأن يضغط على الجانب الإسرائيلي. كما دعا مشعل إدارة ترامب إلى أن تتعظ بالمقاربات الخاطئة التي كانت في الماضي، والتقاط فرصة الموقف الإيجابي الحمساوي والفلسطيني والعربي لعمل مقاربات جديدة. وأكد أن الإدارة الأميركية الجديدة لديها مقاربة مختلفة وهامش أكبر من الجرأة، وهي تستطيع أن تحدث تغييرًا في التعامل مع ملف الصراع العربي الفلسطيني مع الاحتلال. مشيرًا إلى أن استمرار الإدارة الأميركية في مقارباتها الخاطئة والمتكررة لن يفضي إلى نتائج مختلفة.[10]

 وهذا يؤكد أن الوثيقة الجديدة موجهة للخارج أكثر منها للداخل الفلسطيني، رغم أنها حملت بعض البنود التي تتعلق بالوحدة الوطنية والشراكة السياسية، إلا أن الهدف الرئيسي منها هو محاولة إحداث خرق في جدار الممانعة الدولية، وهذا لن يحدث في المستقبل القريب لأسباب عدة، من أهمها توجهات السياسة الخارجية الأميركية المعادية لحركات الإسلام السياسي بشكل عام، وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، التي تعتبر "حماس" جزءًا منها، إضافة إلى أن الوثيقة لم تلبِ شروط المجتمع الدولي ومتطلباته.

لا شك أن هناك مجموعة من التحديات المصيرية التي أدت بحركة حماس لإعادة طرح وثيقة جديدة، في محاولة من الحركة لرفع الحرج عنها في الساحة الدولية، خاصة فيما يتعلق بالمسائل الحساسة كالمسألة اليهودية، التي كانت الحركة الصهيونية تأخذها ذريعة لوصف "حماس" بـ"الإرهاب"، بالإضافة إلى حاجة الحركة لطرح رؤية جديدة تأخذ بالحسبان التطورات السياسية والاجتماعية التي مر بها العالم والمجتمع الفلسطيني، خلال الفترة الممتدة، منذ طرح "حماس وثيقتها الأولى في بداية اتنتفاضة 1988 في محاولة منها لإحداث خرق نوعي في جدار الممانعة الإقليمية والدولية.

 

ثالثًا: مضمون وثيقة المبادئ بين الجديد والقديم

حاولت "حماس" في وثيقتها الجديدة الحفاظ على الثوابت الراسخة في فكرها السياسي؛ باعتبارها مقاومة فلسطينية، ذات صبغة إسلامية، انطلقت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، مع الأخذ في عين الاعتبار التحولات العقيمة التي شهدها النظام السياسي العربي والإقليمي والدولي، بداية من انهيار الاتحاد السوفيتي، مرورًا بأحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، والحرب على الإرهاب، والتصنيف الدولي لحركات المقاومة الإسلامية.

فرضت وثيقة "حماس" الجديدة نفسها كخبر رئيس على وسائل الإعلام العربية والعالمية، فاعتبرها البعض انقلابًا وزلزالًا سياسيًا، وقال آخرون إن "حماس" انضمت إلى معسكر "فتح" متأخرة ثلاثين عامًا، ورحب فريق ثالث بالوثيقة باعتبارها تطورًا سياسيًا مهمًا، وتخليًا عن الأيديولوجيا لصالح الواقعية السياسية، خاصة بعد فشل الإسلام السياسي. فقد حملت الوثيقة تطورًا إلى حدٍ ما في الفكر السياسي لحركة حماس، أهم مظاهر هذا التطور ظهر في تعريف الحركة لنفسها، بأنها "حركة تحرر ومقاومة وطنية فلسطينيّة بمرجعية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني". ويختلف هذا النص عن نظيره الذي ورد في ميثاق الحركة الأول، الذي نص صراحة بأن الحركة "جناح من أجنحة جماعة الإخوان المسلمين.

ويتلخص المظهر الثاني في حذف الدعوة الصريحة إلى تدمير إسرائيل، حيث وردت كلمة إسرائيل مرة واحدة في الوثيقة، وكانت في البند الثامن عشر "إن قيام إسرائيل باطل من أساسه، وهو مناقض لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف"، كما أكدت حماس بشكل واضح أنها لا تعادي اليهود بسبب ديانتهم، بل لاحتلالهم أرض فلسطين، وهذا بهدف تحسين العلاقة مع الدول الغربية التي يصنف كثير منها "حماس" باعتبارها منظمة "إرهابية".

أما المظهر الثالث من مظاهر التطور في الفكر السياسي لحركة حماس، فيخص الموقف من الدولة الفلسطينية، فالوثيقة الجديدة تتحدث عن قبول الحركة لإقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967، من دون الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ومع التشديد على رفض التنازل عن أي جزء من أرض فلسطين التاريخية.[11]

واعتبرت الوثيقة الجديدة التي تضمنت 42 بندًا تفصيلًا، أنّ إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس ضمن حدود الـ 67 هي صيغة توافقية وطنية مشتركة، مؤكدة أنّ هذا الأمر لا يعني الاعتراف بالكيان الصهيوني. ولا يعني "تنازلًا عن أي جزء من أرض فلسطين مهما طال الاحتلال ونرفض أي بديل عن تحريرها كلّها". وعن القدس المحتلة أكدت الوثيقة "القدس عاصمة فلسطين وحقّ ثابت لا تنازل عنه ولا تفريط بأي جزء منها". ورفضت الحركة جميع الاتفاقات والمبادرات ومشاريع التسوية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، مؤكدة أنّ تحرير فلسطين واجب الشعب الفلسطيني وواجب الأمّتين العربية والإسلامية. وتابعت الوثيقة "مقاومة الاحتلال حق مشروع والمقاومة المسلّحة تُعدّ خيارًا إستراتيجيًّا"، مشددة على الحق في تطوير وسائل المقاومة، ومؤكدة على حق العودة، ورفض كل الاتفاقيات الموقعة بما فيها اتفاق أوسلو.[12]

ويمكن تعيين التطورات "الجديدة" في الفكر السياسي الحمساوي في حسمه قضايا عدة، لعل أهمها يكمن في الآتي: أولًا، الاقتراب من برنامج الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، وإن بمصطلحات "حماس" واشتراطاتها، علمًا أن الأمر ذاته حصل لدى إعلان برنامج "النقاط العشر"، في المجلس الوطني الفلسطيني (الدورة 12، 1974)، الذي تضمن إقامة "سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة" على أي بقعة أرض يجري تحريرها، ثم وصلنا إلى البرنامج المرحلي (دولة فلسطينية في الضفة والقطاع)، ومنه إلى اتفاق أوسلو في العام 1993. طبعًا، لا نقصد الإيحاء بأن التاريخ يعيد ذاته، وإنما نتحدث عن برامج براغماتية، تخرج من المبدئية أو الطهرية المدّعاة، لمسايرة الوضع الدولي والإقليمي، وأيضًا للتكيّف مع واقع العجز وضعف موازين القوى.[13]

وتعتبر أهم التحولات الكبرى في وثيقة "حماس" الجديدة الانتقال من فكرة التحرير الكامل إلى المطالبة بدولة على حدود العام 1967، وما رافقه من انتقال المقاومة المسلحة من وسيلة وأداة وحيدة للتحرير إلى وسيلة (في القلب) ضمن وسائل أخرى، وهذا يوضح قابلية الفكر الجديد للاعتراف بالآخر، أو على الأقل التوصل لتسوية معه.[14]

 فالحركة وصلت أخيرًا حيث انتهت "فتح" قبل عقود، فالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات رد على المعترضين في المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 على برنامج "النقاط العشر"، الذين قالوا إنهم يريدونها سلطة مقاتلة لإحراجه، بالقول إنه يريدها "سلطة وطنية مقاتلة نفاثة"، فثمة مبالغة في القول إن الوثيقة تحتوي جديدًا أن إعدادها استغرق أربعة أعوام!، هذه وثيقة عادية جدًا، لا جديد فيها، بل إنها استندت إلى قديم الفكر السياسي الفلسطيني، في الميثاق الوطني للمنظمة وفي برامج الفصائل، الذي تقادم وتآكل.

كما أن الوثيقة تتضمن إنشاءات لا داعي لها، وخلطًا في كثير من الأمور، حيث تداخل الديني والوطني، فلم تراجع "حماس" تجربتها ولم تنقد ذاتها، ولم تتحدث البتة عن إخفاق تجربتها كسلطة في غزة التي تحكمها منفردة، ومع ذلك تحدثت في الوثيقة عن تبنيها الخيار الديمقراطي.[15]

وأيضًا، هناك من يرى أن "حماس" تأخرت كثيرًا في إصدار هذه الوثيقة، وأنها كان يمكن تسويقها بشكل أفضل لو خرجت قبل سنوات من الآن، لأن المعطيات الدولية والإقليمية لن تساعد الحركة في تسويق هذه الأفكار التي تبدو أنها لا تلبي الشروط الدولية لقبول الحركة في النظام السياسي الفلسطيني، عدا عن أن هذه الوثيقة خاطبت العالم ولم تخاطب شركاء الوطن.[16]

ويرى الدكتور "أحمد يوسف" أن ما ورد في تلك الوثيقة يعتبر بعضه إستراتيجيًا وواقعيًا؛ لأنه يحقق التوافق الوطني، وينسجم مع ما جاء في القوانين الدولية، ويبتعد عن كل المآخذ التي سجلها البعض على ميثاق 1988، واستغلتها ماكينة الدعاية الصهيونية للتشهير بحركة حماس والتحريض ضدها. فالوثيقة ضمن الملامح لن تبتعد في ثوابتها عما جاء في ميثاق 88، وإن كانت التعديلات ستشمل توضيح الموقف بأن الصراع هو بالدرجة الأولى مع المحتل الغاصب ومع المشروع الصهيوني الذي يعمل على تفريغ الأرض من ساكنيها، ولديه أجندة استعمارية قائمة على إلغاء الهوية الفلسطينية ومصادرة الأرض وطرد أهلها منها.[17]

وعلى الرغم مما سيق، فإن المتغير في الوثيقة هو فن الممكن الذي يحافظ على البقاء؛ فجديد الوثيقة ما جادت به من التلميحات التي تحافظ على ما سطرته بعد المرحلة الأخيرة والصعبة التي قدم فيها شعبنا تضحيات جسام، وهذا جيد وغير معيب. فهي تراكم على ما أنتجه التاريخ الوطني الفلسطيني الطويل الذي عمدته منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها الوطنية، المنظمة التي أتت على ذكرها الوثيقة دون الإشارة لذلك، فهذه الوثيقة نقطة تحول مهمة في تاريخ حركة حماس ربما تخرجها من حالة الجمود الفكري والسياسي الذي جلب لها ولشعبنا كل ما جلب[18].

فثمة من يرى أن الوثيقة الصادرة عن "حماس" وثيقة وطنية بامتياز، ونقلة نوعية في فكر وسياسة الحركة إذا طبقت فعلا وقولًا، وهي تعبير عن وعي سياسي طال انتظاره، كما يرى الدكتور علاء أبو عامر الذي لا يرى ضرورة بمطالبة "حماس" بالاعتراف بإسرائيل، فذلك ليس من شأنها ولا من شأن "فتح"، أو أي من الجهات الأخرى الاعتراف بإسرائيل[19]. فالمبادرة تعكس إدراكًا واقعيًا، أو تحوّل الإدراك المسبق إلى مبادرة علنية. ولا بأس في ذلك على أي حال! والحال أن حماس والحركة الإسلامية في إسرائيل تسلك فعليًا ومنذ زمن طويل سلوكًا واقعيًا في فهم ومعالجة الحقائق الحاكمة في شأن الصراع والعلاقة مع إسرائيل، وتحمل المبادرة أيضًا مؤشرات بالغة الأهمية والدلالة، من أهمها إعلان نهاية الأيديولوجيا الدينية كمحرك جوهري للدول والجماعات والمدن والمجتمعات، مثلما أعلنت مبادرة منظمة التحرير في العام 1988 نهاية الأيديولوجيا القومية.[20]

ويرى طلال عوكل أن الوثيقة الجديدة هي تطور كبير لحركة بحجم "حماس"، وخروجها في هذا الوقت ليس مرتبطًا بالظروف التي تعيشها الحركة من حالة حصار سياسي، فلا يمكن لتنظيم بحجمها أن يقوم بإصدار وثيقة من أجل حل أزمة من الأزمات التي تواجهها". لكن أيضًا من المبكر الحكم على سلوك "حماس" ونظرتها في التعامل مع الآخرين في ضوء وثيقتها الجديدة، والأمر سيحتاج إلى بعض الوقت ليتضح تعامل الحركة التي تدير شؤون القطاع المحاصر إسرائيليًا منذ السيطرة عليه منتصف العام 2007.[21]

وعلى الرغم من أهمية الوثيقة وما تحتويه من القبول بدولة فلسطينية بحدود 67، وأن "حماس" حركة وطنية مستقلة ليس لها علاقة بأي امتدادات خارجية، لم تحدث الوثيقة أي تغيير دراماتيكي في موقف الحركة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في نفس الوقت الذي تعتب فيه نقطة تحول مهمة تُدشن الحركة من خلالها، وبشكل رسمي، مسيرة التحول من تنظيم عسكري مقاوم رافض لأى حل سلمي إلى حزب سياسي يسعى للحصول على قبول إقليمي ودولي، وهذا ما يؤكد أن الوثيقة بشكل عام موجهة إلى الإقليم والعالم، وليس إلى الداخل الوطني أو حتى التنظيمي، بهدف إيجاد مكان ما للحركة ضمن خارطة التسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي تُرسم بوتيرة متسارعة بعيدًا عن الأنظار في دوائر صنع القرار الدولي والإقليمي، بما يستدعي من "حماس" أن تدرك جيدًا أن الشرعية الإقليمية والدولية التي تسعى للحصول عليها ستحتاج إلى استحقاق وطني باهظ جدًا إن حصلت عليها منفردة، نظرًا لأنها تحكم قطاع غزة الذي أصبح إقليمًا منفصلًا جغرافيًا وسياسيًا بسبب الانقسام الذي قارب على عامه العاشر.[22]

وفي هذا السياق، يحذر هاني المصري "حماس" من مواصلة طريق إعطاء الاهتمام للحصول على الاعتراف الدولي و"الإسرائيلي" من خارج المنظومة السياسية الفلسطينية، فهو يؤدي إلى ضياع كل شيء دون الحصول سوى على الفتات، لذا أقصى ما يمكن أن تحققه مما أقدمت عليه تثبيت سلطتها الانفرادية في غزة، وهي لن تكون دولة، فاعتدال "حماس" مطلوب وطنيًا بما يؤدي إلى استعدادها للتخلي الفعلي عن سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة، مقابل تخلي "فتح" فعليًا عن هيمنتها على مكونات النظام السياسي الفلسطيني، وإلى المساهمة في إعادة الاعتبار للقضية الوطنية وطابعها التحرري، من خلال الاتفاق على برنامج القواسم الوطنية المشتركة الذي يحفظ الحقوق الوطنية الفلسطينية، ويستند إلى ما يمكن تحقيقه حاليًا للوصول للحل النهائي، ويفتح طريق الفعل السياسي المؤثر لجهة إنهاء الانقسام وإعادة بناء مؤسسات المنظمة لتضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، في إطار تجسيد مشاركة سياسية حقيقية تضمن أن تكون المنظمة قولًا وفعلًا الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.[23]

إن مضمون الوثيقة يقول ضمنًا بأن (حماس الإخوانية) وصلت إلى طريق مسدود، ونتمنى أن تتجاوز (حماس الوطنية) التغيير في الكلمات والوثائق إلى مرحلة الاعتراف بالخطأ ومحاولة تصحيحه، من خلال إثبات جدارة وطنية بخطوات عملية للوحدة الوطنية تؤكد أن فلسطين قبل وفوق الجميع، وأن تقابل الرسائل المطمئنة التي أرسلتها الوثيقة إلى الخارج برسائل وممارسات عملية للشريك الوطني المفترض، الذي عليه أيضا ألا يتعجل بالحكم السلبي على الوثيقة وأن يبادر بخطوة إيجابية لاختبار مصداقية حركة حماس (الجديدة).[24]

ورغم كل ما قيل عن الوثيقة يبقى المحك العملي لوطنية ومصداقية أي حزب أو حركة هو الممارسة على الأرض وطنيًا، وما يقدمه للوطن، وقدرته على تجميع الكم الأكبر من أبناء الوطن بما يخدم المصلحة الوطنية وليس بما يرضي الأطراف الخارجية، مع تلمسنا وتفهمنا لثقل وتأثير المحيط العربي والإقليمي والدولي على الحالة الفلسطينية، أيضا فإن الحكم على حدوث تغيير إيجابي عند حركة حماس لا يتأتى من خلال وثيقة جديدة، ولا من خلال تفسيرات وتصريحات بعض قادة حماس المعبِرة عن حسن النية، بل من خلال الممارسة ما بعد الوثيقة وقدرة المستجدات التي تتضمنها الوثيقة على تفكيك ملفات الانقسام والالتقاء وسط الطريق مع منظمة التحرير في إطار إستراتيجية للمصالحة والانخراط في المشروع الوطني.[25]

ومع أهمية ما جاءت به الوثيقة من أفكار جديدة، إلا أن الأهم من ذلك هو قيام "حماس" بمراجعة عملية على الأرض، لكل المواقف والسياسات والتصريحات التي تتعارض مع الوثيقة، بعد أن أصبحت مشروع الحركة، بما يمهد لاستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والوطنية الكاملة، فالحركة يجب تبرهن على مدى التغير الذي أحدثته الوثيقة الجديدة في فكر وأسلوب الحركة، إن كانت جادة في فتح صفحة جديدة، عبر برامج وخطاب سياسي توافقي وتصالحي مع الكل الوطني الفلسطيني، وإلا بقيت الوثيقة حبرًا على ورق.

 

رابعًا: عوامل الاتفاق والاختلاف بين الميثاق والوثيقة

رغم تأكيد "حماس" على ثوابتها فيما يتعلق بالقضايا المصيرية في الوثيقتين القديمة والجديدة، خاصة قضية أرض فلسطين، التي أكدت عليها أنها من البحر للنهر لا يجوز التفريض فيها، إلا أن ذلك لا يعني تطابق الوثيقتين من حيث الفكر والجوهر، فهناك العديد من القضايا التي أدخلت الوثيقة الجديدة فكرًا جديدًا لدى الحركة أو قدمت رؤية جديدة بلغة مختلفة، خاصة في القضايا غير المصيرية، ويمكن لنا الوقوف عند أهم القضايا التي شهدت تغير في الوثيقة الجديدة، من خلال العرض الآتي:

 

 هوية حركة حماس الفكرية والسياسية

عرفت "حماس نفسها في الوثيقة الجديدة بشكل مختلف عن السابق، فقد كانت الحركة تعتبر نفسها حركة إسلامية، وجزءًا من جماعة الإخوان والمسلمين العالمية، حيث نصت المادة الثانية من الوثيقة القديمة على "حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي".[26] أما في الوثيقة الجديدة، فقد عرفت "حماس" نفسها بأنها "أنها حركة تحرر وطني مع التأكيد على البعد الإسلامي، حيث نصت المادة الأولى على أن "حركة المقاومة الإسلامية "حماس" هي حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها".

وهنا نلاحظ مدى الاختلاف بين هوية الحركة السابقة واللاحقة، فالتعريف أكد على البعد الوطني لحركة حماس، باعتبارها جزءًا من حركة تحرر وطني بصبغة إسلامية، إلا أنها لم تتطرق إلى طبيعة العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، فهل هذا التعريف يعتبر بمثابة قطع لعلاقة الحركة بالحركة الأم، أم هو مجرد تكتيك الغرض منه الابتعاد عن أزمة الجماعة الأم، خاصة في مصر، التي تعيش أصعب أيامها عقب سقوط الإخوان وعزل مرسي.

لا شك أن الوثيقة الجديدة، قدمت "حماس" بصورة مختلفة عن السابق، حيث طغى على الحركة الطابع الوطني على حساب الطابع الديني، وهو ما يعني بداية لفك ارتباط بين الحركة والجماعة، حتى ولو كان ظاهريًا، فثمة أمور وقضايا لا يمكن لحركة حماس الانفصال التام عن الجماعة بسببها، مع أن مشعل أكد أكد خلال المؤتمر الصحفي أن حركته حركة وطنية مستقلة ليست تابعة لأي تنظيم آخر، رغم أنها تنتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين، وهي جزء من جماعة الإخوان المسلمين فكريًا.

 

إستراتيجية الحركة بين الجهاد والمقاومة

خلت وثيقة "حماس" الجديدة من فكرة الجهاد الإسلامي أو الجهاد في سبيل الله، التي كانت تملأ الوثيقة القديمة، لصالح فكرة المقاومة ببعدها الوطني، وليس الإسلامي، باعتبارها حركة تحرر وطني وليست حركة دينية تجاهد في سبيل الله. فقد نصت الوثيقة القديمة على فكرة الجهاد، إذ تنص المادة السابعة على أن "حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حلقة من حلقات الجهاد في مواجهة الغزوة الصهيونية، تتصل وترتبط بانطلاقة الشهيد عز الدين القسّام وإخوانه المجاهدين من الإخوان المسلمين العام 1936، وتمضي لتتصل وترتبط بحلقة أخرى تضم جهاد الفلسطينيين وجهود وجهاد الإخوان المسلمين في حرب 1948، والعمليات الجهادية للإخوان المسلمين العام 1968 وما بعده".

 وكذلك نصت المادة الخامسة عشرة من الميثاق القديم "يوم يَغتصب الأعداء بعض أرض المسلمين، فالجهاد فرض عين على كل مسلم. وفي مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بد من رفع راية الجهاد، وذلك يتطلب نشر الوعي الإسلامي في أوساط الجماهير محليًا وعربيًا وإسلاميًا، ولا بد من بث روح الجهاد في الأمة ومنازلة الأعداء والالتحاق بصفوف المجاهدين".

ولم تذكر الوثيقة الجديدة قضية الجهاد في سبيل الله، بل أكدت على المقاومة بكل أشكالها وأنواعها باعتباره حقًا من حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، حيث نصت المادتان 24 و25 على قضية المقاومة ببعدها الوطني، مع عدم إغفال البعد الإسلامي العربي، وجاء في المادة 24 " إنَّ تحرير فلسطين واجب الشعب الفلسطيني بصفة خاصة، وواجب الأمة العربية والإسلامية بصفة عامة، وهو أيضًا مسؤولية إنسانية وفق مقتضيات الحق والعدل. وإنَّ دوائر العمل لفلسطين سواء كانت وطنية أم عربية أم إسلامية أم إنسانية هي دوائر متكاملة متناغمة، لا تعارض بينها".

 وهنا نلاحظ انتقال الصراع في الفكر السياسي لحركة حماس من المفهوم الديني للمفهوم السياسي، حتى ولو كان هذا التغير أو التحول ظاهريًا ونتيجة للضغوط الدولية، إلا أنه تحول يجب الوقف عنده، والإشارة إليه، فـ"حماس" حركة كبيرة لديها أجهزة سياسية ودينية وإعلامية، وتسيطر على معظم مساجد قطاع غزة، فهل هذا التحول سوف ينعكس على خطابها السياسي؟

أما المادة 25 من الوثيقة فأكدت اختلاف الأسلوب والإستراتيجية في موضوع المقاومة من المنهج الإسلامي إلى المنهج الوطني الذي يتوافق مع القوانين الدولية، حيث نصت على "إنَّ مقاومة الاحتلال، بالوسائل والأساليب كافة، حقّ مشروع كفلته الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الدولية، وفي القلب منها المقاومة المسلحة التي تعدُّ الخيارَ الإستراتيجي لحماية الثوابت واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني".

وهنا نلاحظ أيضًا اختلافًا ظاهرًا وواضحًا وجوهريًا بين الميثاق والوثيقة الجديدة حول إستراتيجية الحركة بين المقاومة والجهاد، فالمقاومة تأخذ بعدًا وطنيًا باعتبارها حقًا من حقوق الشعوب الخاضعة للاحتلال، أكدت عليه كافة القوانين والمواثيق الدولية، بينما الجهاد هو حق مقدس لا يرتبط بفكر وجود محتل، إنما هو دعوة لنشر دين الله بحد السيف.

 

موقف الحركة من قضية أرض فلسطين

يظهر بعض الاختلافات الجوهرية في تناول "حماس" لمفهوم الأرض، ما بين الميثاق القديم والوثيقة الجديدة، حيث كان يغلب على مفهوم الأرض في الميثاق الصبغة الإسلامية، باعتبار فلسطين أرض وقف إسلامي من دون تحديد للجغرافيا السياسية لهذه الأرض، بعكس الوثيقة الجديدة التي أعطت مضمونًا وطنيًا في إطار حدود جغرافية محددة. فقد نصت المادة 11 من الميثاق "تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات، سواء كانت فلسطينية أو عربية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامي على الأجيال الإسلامية إلى يوم القيامة".

بينما تناولت الوثيقة الجديدة مفهوم الأرض الفلسطينية بشكل مختلف إلى حد ما عن المفهوم والطابع الإسلامي الصرف، فقد نصت المادة الثانية من الوثيقة الجديدة على أن " فلسطين بحدودها التاريخية المعروفة من نهر الأردن شرقًا إلى البحر المتوسط غربًا، ومن رأس الناقورة شمالًا إلى أم الرشراش جنوبًا وحدة إقليمية لا تتجزأ، وهي أرض الشعب الفلسطيني ووطنه. وإن طرد الشعب الفلسطيني وتشريده من أرضه، وإقامة كيان صهيوني عليها، لا يلغي حق الشعب الفلسطيني في كامل أرضه ولا ينشئ حقًا مشروعًا للكيان الصهيوني الغاضب فيها".

 وهنا يظهر البعد الوطني في الفكر السياسي لحركة حماس بشكل جلي، بعد ما كانت لا تركز على البعد الوطني باعتبار أرض فلسطين جزءًا من ديار المسلمين التي قسمها الاستعمار الأجنبي، ورغم أهمية ذلك التطور في الفكر السياسي للحركة، إلا أن "حماس" لم تتخل عن البعد القومي والإسلامي بشكل مطلق في الوثيقة الجديدة؛ لأن المادة الثالثة من الوثيقة الجديدة، نصت على أن " فلسطين أرض عربية إسلامية، وهي أرض مباركة مقدسة، لها مكانته الخاصة في قلب كل عربي ومسلم".

وهنا تحاول "حماس" توطين فكرها السياسي ورؤيتها للقضايا المصيرية، من دون قطع العلاقة نهائيًا مع الماضي، خاصة أن الحركة تعيش مرحلة انتقالية ووضعها السياسي على المستوى المحلي والعربي والدولي لا يسمح لها بقطع الصلة مع الماضي بشكل نهائي، خاصة أن الحركة تخشى على نفسها من اتهامها بأنها خلعت جلدها كما فعل الآخرين، لذلك أكد مشعل أن هذه الوثيقة لن تكون الأخيرة، فقد تكون هناك وثائق في المستقبل حسب متطلبات التطور والتقدم في فكر الحركة.

 

موقف الحركة من اليهود والاحتلال الإسرائيلي

 منذ بداية نشأتها نظرت "حماس" للصراع العربي الإسرائيلي على أنه صراع ديني بين المسلمين اليهود، وأنه صراع أزلي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لذلك طالبت في ديباجة الميثاق القديم العرب والمسلمين التوحد في معركة التحرير أمام "اليهود"، حيث أكدت الديباجة على أن "ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يجلي صورتها ويكشف عن هويتها، ويبين موقفها، ويوضح تطلعها، ويتحدث عن آمالها، ويدعو إلى مناصرتها ودعمها، والالتحاق بصفوفها، فمعركتنا مع اليهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة، وهي خطوة لا بد من أن تتبعها خطوات، وكتيبة لا بد من أن تدعمها الكتائب تلو الكتائب من هذا العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف حتى يندحر الأعداء، ويتنزل نصر الله". واستشهدت الحركة بعدد من آيات القران الكريم التي خلت منها الوثيقة الجديدة تمامًا، وأكدت الحركة في المادة الخامسة عشرة من الميثاق على "أن الصراع هو بين المسلمين واليهود الذي يتطلب رفع راية الجهاد في سبيل الله".

بينما أخرجت الوثيقة الجديدة "اليهود" كأصحاب ديانة سماوية من مفهوم الصراع، لصالح الحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي، التي حولت اليهود من أصحاب ديانة سماوية، إلى جماعة قومية تطالب بحقوق سياسية. حيث أكدت المادة 15 من الوثيقة الجديدة "تفرق حماس بين اليهود، كأهل كتاب، واليهودية كديانة من ناحية، وبين الاحتلال والمشروع الصهيوني، من جهة أخرى، وترى أن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعًا مع اليهود بسبب ديانتهم. و"حماس" لا تخوض صراعًا ضد اليهود لكونهم يهودًا، وإنما تخوض صراعًا ضد الصهاينة المحتلين المعتدين، وستواجه "حماس" كل من يحاول أن يعتدي على الشعب الفلسطيني أو يغتصب حقوقه أو يحتل أرضه، بصرف النظر عن دينه أو قوميته أو هويته".

فالميثاق تحدث عن أن العداء لليهود، بينما استدركت الوثيقة ذلك بأن العداء للاحتلال الصهيوني، وهذا يعني انتقال الصراع من ديني لصراع سياسي.[27] ويرجع هذا الأمر إلى استغلال الحركة الصهيونية لموقف "حماس" من اليهود لإدانة الحركة في المحافل الدولية.

وفي هذا السياق يرى أحمد يوسف أن حركة حماس قد أخرجت من وثيقتها السياسية الجديدة اليهود الذين هم خارج دائرة الاحتلال ومعادلة العدوان من حسابات العداء، كون الكثير منهم هم أصلًا ضد المشروع الصهيوني لاعتبارات دينية وأخلاقية، ويقف بعضهم إلى جانب الحق الفلسطيني، كما أن بعضهم هم ممن عاشوا على هذه الأرض، وفرضت عليهم الحركة الصهيونية اتباع أجندتهم العنصرية والعدوانية، وكانت الآلاف منهم قبل مائة عام تعيش بيننا كأقلية دينية، وتحكم علاقاتنا معهم مع غيرهم من الطوائف الدينية الأخرى ما ورد في "الوثيقة العمرية" و"وثيقة المدينة"، والتي ملخصها "لهم ما لنا، وعليهم ما علينا".[28]

لا شك أن الضغوط الدولية، ووضع "حماس" ضمن قوائم الحركات الإرهابية، واتهامها بمعاداة السامية، قد أدى بالحركة إلى إعادة النظر في وضع اليهود في دائرة الاستهداف، والتركيز على الحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي، بهدف سحب الذرائع والحجج من يد كل ما يحاول حشر الحركة في الزاوية. ورغم أهمية الخطوة التي جاءت في سياق المرونة السياسية، عبر فصل العقائدي عن السياسي، مما يعني أن الصراع قد تحول في فكر "حماس" من صراع ديني إلى سياسي، إلا أن إسرائيل والمجتمع الدولي لن يقبلا من "حماس" أنصاف الحلول، فالوثيقة تحتوي على كثير من القضايا والمواقف التي قد تستخدم من قبلهما لاستمرار وصف الحركة بالإرهاب.

 

موقف الحركة من عملية السلام والاتفاقيات الموقعة

لم تختلف نظرة "حماس" إلى الحلول السلمية أو عملية التسوية السياسية بين الوثيقة القديمة والجديدة إلا في اختلاف واحد، هو قبول الحركة الدولة الفلسطينية في حدود العام 1967، باعتبارها إجماعًا وطنيًا، مع التأكيد على عدم التنازل عن باقي الأرض المحتلة، فقد أكدت "حماس" في المادة 13 من الميثاق أن الحركة تعارض كل المبادرات والمؤتمرات الدولية، حيث جاء فيها " تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية جزء من دينها، على ذلك تربى أفرادها، ولرفع راية الله فوق وطنهم يجاهدون. (واللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أكثر النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (يوسف: 21). وأكدت في نفس المادة على "لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية، فمضيعة للوقت، وعبث من العبث. والشعب الفلسطيني أكرم من أن يعبث بمستقبله، وحقه ومصيره. وفي الحديث الشريف "أهل الشام سوط في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتوا إلا همًا وغمًا". (رواه: الطبراني مرفوعًا وأحمد موقوفًا، ولعله الصواب، ورواتهما ثقات، والله أعلم)".

بينما أكدت الوثيقة الجديدة على نفس المعنى، ولكن بلغة مختلفة، يغلب عليها الطابع الوطني والسياسي بدل الطابع الديني، من دون استخدام آيات القران الكريم والأحاديث النبوية، حيث حاولت "حماس" التأكيد على ثوابتها، ولكن بلغة مختلفة إلى حد ما، عبر التأكيد على رفض وعد بلفور والاحتلال الإسرائيلي، والاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، حيث نصت المادة 18 من الوثيقة على "يُعدُّ منعدمًا كلٌّ من تصريح "بلفور"، وصكّ الانتداب البريطاني على فلسطين، وقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وكلّ ما ترتّب عليها أو ماثلها من قرارات وإجراءات؛ وإنَّ قيام "إسرائيل" باطلٌ من أساسه، وهو مناقضٌ لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ولإرادته وإرادة الأمة، ولحقوق الإنسان التي تكفلها المواثيق الدولية، وفي مقدّمتها حقّ تقرير المصير".

ونصت المادة 19 من الوثيقة على "لا اعترافَ بشرعية الكيان الصهيوني؛ وإنَّ كلّ ما طرأ على أرض فلسطين من احتلال أو استيطان أو تهويد أو تغيير للمعالم أو تزوير للحقائق باطلٌ؛ فالحقوق لا تسقط بالتقادم".

ونصت المادة 21 على: "تؤكد حركة حماس على أن اتفاقات أوسلو وملحقاتها تخالف قواعد القانون الدولي الآمرة من حيث إنها رتبت التزامات تخالف حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ولذلك فإن الحركة ترفض هذه الاتفاقات، وما ترتب عليها من التزامات تضر بمصالح شعبنا، وخاصة التنسيق (التعاون) الأمني".

كما جاء في المادة 22 "ترفض "حماس" جميع الاتفاقات والمبادرات ومشروعات التسوية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو الانتقاص من حقوق شعبنا الفلسطيني، وإنَّ أيَّ موقفٍ أو مبادرةٍ أو برنامجٍ سياسيّ يجبُ ألا يمس هذه الحقوق، ولا يجوزُ أن يخالفها أو يتناقضَ معها".

وهنا ليس ثمة اختلاف جوهري بين الوثيقتين سوى في لغة الخطاب السياسي المستخدم للتعريف برؤية الحركة ومواقفها السياسية من هذه القضايا المطروحة، فالحركة حاولت التأكيد على ثوابتها لكن بلغة مختلفة.

 

موقف الحركة من الدولة الفلسطينية في حدود 1967

لم تتناول "حماس" في ميثاقها السابق الموقف من الدولة الفلسطينية في حدود 67، رغم أنها رفضت كافة قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة، حيث اعتبرت الحركة أن فلسطين كاملة من البحر إلى النهر هي أرض وقف إسلامي لا يمكن التفريط في أي جزء منه.

وأعادت الحركة التأكيد على هذا الموقف ولكن بلغة مختلفة إلى حد ما، رغم قبولها المشروط بدولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف، مع عودة اللاجئين الفلسطينية، من دون التنازل والتفريط في باقي الأرض الفلسطينية، حيث نصت المادة 20 من الوثيقة على أنه "لا تنازلَ عن أيّ جزء من أرض فلسطين، مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال. وترفض "حماس" أي بديلٍ عن تحرير فلسطين تحريرًا كاملًا، من نهرها إلى بحرها. ومع ذلك - وبما لا يعني إطلاقًا الاعتراف بالكيان الصهيوني، ولا التنازل عن أيٍّ من الحقوق الفلسطينية - فإن "حماس" تعتبر أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة".

ليس الجدال هنا عن مشروعية تمسّك "حماس" بحق الفلسطينيين في أرضهم التاريخية، وإنما عن مسؤوليتها عن توضيح كيفية إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، إن لم يكن بالمفاوضات، أي بالتفاهم مع إسرائيل، ومن خلفها المجتمع الدولي، وبتقديم التنازلات. وقد كان يمكن لهذه الحركة بدلًا من مقاربة كهذه لم تثبت صحتها، على مدار أكثر من أربعة عقود، ومع إخفاق اتفاق أوسلو منذ قرابة ربع قرن، الذهاب نحو خيار الدولة الديموقراطية الواحدة، في فلسطين/إسرائيل، أي دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، من دون أي تمييز، ما يفيد بنقل الكفاح من مجرد دولة في الضفة والقطاع إلى كامل فلسطين، على نحو أقرب لفهم "حماس". والمعنى أن خيارًا كهذا، على رغم صعوبته، يعيد الاعتبار للتطابق بين أرض فلسطين وشعب فلسطين وقضية فلسطين، كخيار نضالي ومستقبلي، لا سيما أن "حماس" قاربت برنامج الدولة في الضفة والقطاع في شكل خجول بعد أفوله، أي أنه كانت ثمة خيارات بديلة لا تضع "حماس" في هذا الموقف المتناقض والحرج.[29]

وحول هذه المعضلة يرى الكاتب الصحفي ديفيد هيرست، أن المعضلة التي تواجه "حماس" بعد أن باتت تعترف بحدود العام 1967 هي كيفية دخول المنظمة وتحولها إلى جزء من قيادة الشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت تبقى مخلصة لمبادئها.

وأكد "هيرست" أن وثيقة حماس الجديدة على الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها الحركة، نصت على 3 شروط تحول دون اللحاق بحركة فتح، وهي: رفض الاعتراف بإسرائيل، ورفض التخلي عن أي بقعة من فلسطين من النهر إلى البحر، بالإضافة إلى الإصرار على عودة جميع اللاجئين والنازحين إلى ديارهم.[30]

 ولكن هناك من يرى أن "حماس" تسير على نفس خطى "فتح"، فمقارنة ما كانت عليه "فتح" بالأمس بما يجري في "حماس" اليوم لا يخلو من دلالة. إذ تكفي نظرة سريعة إلى أوجه الشبه في رحلة التشدد والاعتدال التي مرت بها "فتح" لفهم توجهات "حماس" الجديدة، فـ"حماس" بدأت من حيث بدأت "فتح"، أي المطالبة بتحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، وانتهت حيث انتهت، بالتمسك بسلطة أوسلو والقبول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع ضمن شروط معينة.

سيقال إن "حماس" متمسكة في وثيقتها الجديدة بتحرير كامل فلسطين. وهذا صحيح. لكنه تمسك شبيه بما لدى "فتح"، وليس ثمة ما يدل على صلة له بالموقف السياسي الفعلي، إلا في الجانب الأيديولوجي الذي يخدم التماسك التنظيمي. هذا لا يعني الاعتراض على نهج الواقعية السياسية، لكنه إدراك بأن الحل المرحلي الذي التحقت به "حماس" لم يعد مرحليًا، منذ زمن بعيد، وما الخوض فيه إلا خوض في التسوية بأثمانها الفادحة.[31]

وهنا، تحاول "حماس" التجاوب مع المواقف الدولية والعربية والفلسطينية، التي تنادي بقيام دولة فلسطينية في حدود العام 1967م؛ من دون التنازل الكلي عن باقي الأرض الفلسطينية باعتباره موقفًا مبدئيًا وثابتًا من ثوابت الحركة. فلا يمكن للحركة في الوقت الحالي التخلي عنه، إلا أن هذا الموقف سيظل يشكّل عقبة أمام الحركة على المستوى الدولي، لأن المجتمع الدولي يريد من الحركة إجابات واضحة وصريحة تتعلق بشروط اللجنة الرباعية، ومن أهمها الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والقبول بالاتفاقيات الموقعة، التي كانت سبب في فرض حصار سياسي ومالي على "حماس" وحكومتها العاشرة.

وخلال المؤتمر الصحفي لمشعل، حاول فك التناقض والغموض في بعض القضايا التي وردت في الوثيقة الجديدة، خاصة قضية القبول بدولة فلسطينية على حدود 1967 من دون التنازل، حيث أكد أن حركته لن تقدم إجابات على أمور غير مطروحة عليها، بمعنى إذا عرض على الحركة صفقة شاملة عند إذن تستطيع الحركة تقديم إجابات واضحة، أو كما قال "لكل حدث حديث".

 

موقف الحركة من الدولة والمجتمع

لم تتطرق "حماس" بشكّل صريح إلى مفهوم الدولة في الميثاق القديم، لأنها كانت جزءًا من حركة الإخوان المسلمين التي كانت تنادي بالخلافة الإسلامية، وبالتالي لم تتناول الحركة مفهوم الدولة في الميثاق، رغم ذلك أكدت على رؤيتها للمجتمع المسلم، حيث تناولت المادة 20 من الميثاق صفات المجتمع: "المجتمع المسلم مجتمع متكافل وهذه الروح الإسلامية هي التي يجب أن تسود في كل مجتمع مسلم، والمجتمع الذي يتصدى لعدو شرس نازي في تصرفاته لا يفرق بين رجل وامرأة أو كبير وصغير، هو أولى أن يتحلى بروح الإسلام هذه".

بينما أكدت الحركة في الوثيقة الجديدة الدولة باعتبارها كيانًا سياسيًا وثمرة من ثمرات التحرير، أي أنها ربطت فكرة الدولة بالتحرر من الاحتلال، كما فعلت معظم الحركات الوطنية عندما انطلقت بالكفاح المسلح، حيث رأت كل الحركات الوطنية بما فيها "فتح" أن هدفها إقامة دولة ديمقراطية على كامل تراب فلسطين بعد التحرير. وهنا لا يختلف طرح "حماس" عن طرح "فتح" وفصائل المنظمة حول الدولة الديمقراطية التي تبنتها المنظمة العام 1969 كخيار لحل المسألة اليهودية في فلسطين، إذ أكدت "فتح" أن طبيعة النظام السياسي لهذه الدولة يقرره الشعب الفلسطيني عقب مرحلة التحرير وليس قبلها.

وأكدت "حماس" في المادة 27 من الوثيقة أن "الدولة الحقيقية هي ثمرة التحرير، ولا بديل عن إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس".

وجاء في المادة 26 "تؤمن حماس وتتمسك بإدارة علاقاتها الفلسطينية على قاعدة التعددية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار، بما يعزز وحدة الصف والعمل المشترك، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية وتطلعات الشعب الفلسطيني".

ورأت الحركة في المادة 28 أن العلاقات في المجتمع تقوم على أساس الشراكة الوطنية وقبول الآخر، واعتماد الحوار أساس العلاقات في المجتمع الفلسطيني، حيث نصت على "تؤمن "حماس" وتتمسك بإدارة علاقاتها الفلسطينية على قاعدة التعددية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار، بما يعزّز وحدة الصف والعمل المشترك، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية وتطلّعات الشعب الفلسطيني". ولكن هذا الأمر بحاجة إلى سلوك عملي على الأرض حتى تؤكد الحركة أن وثيقتها ليست مجرد شعارات، وهذا لن يأتي سوى عبر إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية كتطبيق عملي على الأرض لمفهوم الشراكة الوطنية.

 

موقف الحركة من منظمة التحرير الفلسطينية

اختلف موقف "حماس" إلى حد ما من منظمة التحرير، إذ كانت الحركة تتعامل مع المنظمة بغموض مقصود، باعتبار فيها الأخ والابن، إلى اعتبارها إطارًا وطنيًا جامعًا يجب المحافظة عليه، دون الوصول للاعتراف الكامل بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، إذ نصت المادة 27 من الميثاق القديم على "منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه. فوطننا واحد ومصابنا واحد ومصيرنا واحد وعدونا مشترك".

بينما نجد الاختلاف في الوثيقة الجديدة ظاهرًا بوضوح في المادة 27، إذ نصت على "منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية".

وهنا نلاحظ عدم اعتراف حركة حماس بمنظمة التحرير بشكل كامل باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، حسب قرارات الجامعة العربية والأمم المتحدة، إلا أن الحركة خطت خطوة في اتجاه الاعتراف الكامل بالمنظمة، لأنها لم تغلق الباب بشكل كامل، فقد ربطت الحركة ذلك بعملية تطويرها وتأهيل مؤسساتها، فقد نصت المادة 28 من الوثيقة الجديدة على "تؤكد حماس على ضرورة بناء المؤسسات والمرجعيات الوطنية الفلسطينية على أسس ديمقراطية سليمة وراسخة، في مقدمتها الانتخابات الحرة والنزيهة، وعلى قاعدة المقاومة والشراكة الوطنية، ووفق برنامج واستراتيجية واضحة المعالم، تتمسك بالحقوق وتلبي تطلعات الشعب الفلسطيني"، ورغم الغموض المقصود في التعامل مع منظمة التحرير باعتبارها إطارًا جامعًا، إلا أنّ هذه الخطوة تعتبر خطوة إيجابية من "حماس" في تعاملها مع المنظمة. وكان الأجدر بـها أن تعلن اعترافها بالمنظمة وأن تربطه بتطوير مؤسساتها وتفعيلها.

 

موقف الحركة من النخب والقيادات والمرأة الفلسطينية

أكدت "حماس" في الوثيقتين على أهمية دور النخب السياسية والثقافية، وعلى أهمية دور المرأة، باعتبارها شريكة للرجل في معركة الكفاح والتحرير، حيث أكدت دور المرأة المسلمة في المادة 17  من الميثاق، وجاء فيها "للمرأة المسلمة في معركة التحرير دور لا يقل عن دور الرجل فهي مصنع الرجال، ودورها في توجيه الأجيال وتربيتها دور كبير، وقد أدرك الأعداء دورها وينظرون إليها على أنه إن أمكنهم توجيهها وتنشئتها النشأة التي يريدون بعيدًا عن الإسلام فقد ربحوا المعركة".

بينما أكدت الوثيقة الجديدة على أهمية دور كافة شراح المجتمع في النضال والكفاح، حيث أكدت المادة 33 "إن مختلف مكونات المجتمع من شخصيات ورموز ووجهاء ومؤسسات المجتمع المدني، والتجمعات الشبابية والطلابية والنقابية والنسائية، العاملة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، هي روافد مهمة لعملية البناء المجتمعي ولمشروع المقاومة والتحرير".

كما أكدت المادة 34 من الوثيقة أهمية دور المرأة، ولكن بلغة مختلفة عن السابق، غلب عليها الطابع الوطني بدل الطابع الإسلامي، وجاء فيها "إن دور المرأة الفلسطينية أساس في بناء الحاضر والمستقبل، كما كان دائمًا في صناعة التاريخ الفلسطيني وهو دور محوري في مشروع المقاومة والتحرير وبناء النظام السياسي".

 وهنا نلاحظ مدى الاختلاف في الفكر السياسي واللغة المستخدمة بين الميثاق والوثيقة في التعامل مع قضايا المرأة والمجتمع والنخب السياسية والشبابية، حيث حاولت "حماس" في الوثيقة طرح مفهوم وفكر سياسي يركز على الطابع الوطني، بدل الفكر الديني الخاص، الذي لم يساعد الحركة على الاندماج بشكل كبير في كل قضايا المجتمع.

 

الخاتمة

تناولت هذه الدراسة الفكر السياسي لحركة حماس خلال الثلاثين عامًا الماضية، عبر دراسة مرتكزات فكرها السياسي، سواء الذي جاء به ميثاقها القديم الذي غلب عليه الطابع الديني، أو الذي حملته وثيقة المبادئ والسياسات العامة، من خلال شرح مفصل لأهم النقاط والقضايا التي تضمنها كل من الميثاق والوثيقة، مع التركيز على المبررات والتحديات، وعوامل الاتفاق والاختلاف بين الوثيقتين، فهناك العديد من المؤشرات والدلائل على وجود مظاهر اختلاف في الفكر السياسي لـ"حماس" الذي عبرت عنه الوثيقة. فالوثيقة التي اعتبرتها الحركة دليلًا إرشاديًا لخطاب وسلوك الحركة السياسي خلال الفترة المقبلة، أكدت أن الفكر السياسي للحركة خرج من الفكر الديني الثابت، إلى الفكر السياسي البراغماتي المتطور، حسب الظروف والمعيطات المحلية والإقليمية والدولية، وإن كانت الحركة ما زالت تحتفظ لنفسها ببعض الثوابت التي ترى أنها لن تقدم فيها تنازلات مجانية، إلا أنها أصبحت تسير على نفس خطى منظمة التحرير و"فتح".

وفي ضوء ما تقدم، يمكن لنا التأكيد على النقاط الآتية:

  • على الرغم من الاختلافات البسيطة بين ميثاق "حماس" القديم، ووثيقتها إلا أن الفكر السياسي للحركة قد تطور بعض الشيء. فالحركة حاولت توطين فكرها السياسي بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة، والتحولات العميقة على الساحة الإقليمية والدولية.
  • عكست الوثيقة الجديدة مواقف أكثر واقعية، فبعد عشر سنوات من تجربة الحكم كانت كفيلة أن تقوم "حماس" بتطوير فكرها السياسي بما يتلاءم مع النظام الدولي وشروط ومتطلبات المجتمع الدولي، وأن تحاول أن تقدم فكرًا جديدًا يراعي هذه المتطلبات مع الحفاظ على ثوابتها، ومن أهمها عدم الاعتراف بإسرائيل.
  • تغير مفهوم الصراع العربي الإسرائيلي في الفكر السياسي لدى "حماس" من صراع ديني بين المسلمين واليهود، كما كانت تعتبره في السابق، إلى صراع سياسي، وهذا يعتبر تحولًا فكريًا وسياسيًا مهمًا سوف تبنى عليه سياسات لاحقة.
  • انتقلت "حماس" في وثيقتها الجديدة، من فكرة التحرير الكامل غير قابل للتنازل أو التفريط، إلى فكرة الحل المرحلي القائم على قبول الحركة بدولة فلسطينية في حدود 1967، وإن كانت ما زالت ترفض الاعتراف بإسرائيل.
  • حاولت "حماس" في الوثيقة إخراج اليهود كأصحاب ديانة سماوية من دائرة العداء والاستهداف، لصالح التأكيد على العداء للحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي، بهدف سحب الذرائع من كل من يحاول وصم الحركة بالعداء للسامية.
  • حملت الوثيقة بعض الصيغ الغامضة، خاصة فيما يتعلق برؤية الحركة لمنظمة التحرير التي اعتبرتها الحركة إطارًا جامعًا للكل الفلسطيني، أو فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية في حدود 1967. حيث سعت الحركة لتقديم مرونة في هذه القضايا مع الحفاظ على الثوابت.
  • سعت الحركة عبر وثيقتها لمخاطبة العالم والمجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، فالوثيقة موجهة للمجتمع الدولي والعالم، أكثر منها للمجتمع الفلسطيني، وإن كانت تضمنت بعض القضايا التي تتعلق بالشأن الوطني، فالحركة أرادت من هذه الوثيقة الانفتاح على العالم، وطرح نفسها باعتبارها محاورًا وطرفًا رئيسيًا في المعادلة الفلسطينية، وإرسال رسالة للفواعل الدوليين، بأنها الأقدر على أخذ زمام المبادرة، وأن أي عملية تفاوضية لن يكتب لها النجاح ما لم تكن "حماس" طرفًا أساسيًا فيها.
  • خلت الوثيقة من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي كانت تملأ الميثاق القديم، لصالح الخطاب السياسي المضبوط، باعتبار أن "حماس" حركة مقاومة وطنية، وليست حركة دينية تستمد رؤيتها من آيات القران الكريم والأحاديث الشريفة فقط.
  • لم يتغير موقف الحركة من القرارات والمبادرات والاتفاقيات الموقعة بين الوثيقة الجديدة والقديمة، وخاصة اتفاق أوسلو التي أكدت الحركة على رفضه.
  • رغم أهمية الوثيقة باعتبارها خطوة في طريق التقدم؛ إلا أن هذه الوثيقة وما حملته من لغة جديدة لن تساعدها كثيرًا في اختراق الساحة الدولية، لأن هذه الساحة تضع شروطًا ومحددات محورية غير قادرة "حماس" في الوقت الحالي على دفع ثمنها أو التجاوب معها.
  • حاولت "حماس" في الوثيقة الجديدة الظهور بمظهر الحركة المستقلة فكريًا وسياسيًا عن حركة الإخوان المسلمين الأم، عبر عدم التأكيد على العلاقة التي تربط الأصل بالفرع.
  • لم تقدم الحركة في الوثيقة فكرًا سياسيًا جديدًا، بل أعادت إنتاج السابق بلغة وخطاب سياسي مختلف، غلب عليه الطابع السياسي البراغماتي بدل الطابع الديني اللاهوتي.

 

التوصيات

  • دعوة حركة حماس للقيام بمراجعة عملية على الأرض، لكل المواقف والسياسات والتصريحات التي تتعارض مع هذه الوثيقة، بعد أن أصبحت مشروع الحركة، بما يمهد لاستعادة الوحدة الوطنية على قاعدة الشراكة السياسية والوطنية الكاملة.
  • يتوجب على حركة حماس ضبط خطابها السياسي على المستوى المحلي والعربي والدولي، بما يتوافق مع بنود الوثيقة الجديدة، فالحركة يجب تبرهن على مدى التغير الذي أحدثته الوثيقة الجديدة في فكر وأسلوب الحركة، إن كانت جادة في فتح صفحة جديدة، عبر برامج وخطاب سياسي توافقي وتصالحي مع الكل الوطني الفلسطيني.
  • العمل بشكل سريع على إنهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية، مع التأكيد على دعوة الفصائل الفلسطينية والقوى والفعاليات الوطنية والإسلامية لأخذ دورها الوطني في ممارسة ضغوط على الطرفين، بهدف تغليب الوحدة الوطنية والمصالح العليا للشعب الفلسطيني على المصالح الحزبية الضيقة.
  • الدعوة إلى حوار وطني شامل بحضور كل التنظيمات والقوى والشخصيات الوطنية، من أجل الاتفاق على برنامج عمل وطني وإستراتيجية موحدة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، خاصة في ظل الرغبة الأميركية لإعادة إطلاق عملية السلام.

 

الهوامش

[1] خليل، ضياء، "حماس" بين ميثاق 1988 ووثيقة 2017: تغييرات تماشي الواقع، صحيفة العربي الجديد، لندن، 2/5/2017. https://goo.gl/GZH4Ek

[2] أحمد دلول، منشور على الفيس بوك حول وثيقة "حماس"، 1/5/2017، https://goo.gl/CWXvwk

[3] سميح، خلف، الوثيقة السياسية لحماس بين الميثاق الوطني وأدبيات فتح والنطاق الحزبي "رؤية"، وكالة أمد للإعلام، 3/4/2017م، https://goo.gl/oi0vi6

[4] أحمد يوسف، الجدل السياسي حول الوثيقة والوعي الحركي المطلوب، وكالة أمد للإعلام، 16/3/2017،: https://goo.gl/QBltVx

[5] حسام الدجني، من وحي الوثيقة والميثاق، مدونات الجزيرة، 2/5/2017م، https://goo.gl/HVLsI3

[6] إبراهيم أبراش، وثيقة "حماس" خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية، ملتقى الثقافة والهوية الوطنية، 4/5/2017، https://goo.gl/eK31Aj

[7] شيمريت مئير، ميثاق حماس الجديد: عملية تجميل سياسية، مقال رأي، موقع المصدر الإسرائيلي، 4/4/2017م، https://goo.gl/9V17Dn

[8] يوسي بلين، يجب على حماس الاختيار بين الاستمرار في التلاعب بالكلمات وبين ترك الإرهاب والعنف كأدوات أساسية لتحقيق أهدافها السياسية، مقال رأي، منشور على صحفية رأي اليوم الدولية، نقلا عن صحيفة إسرائيل اليوم، https://goo.gl/zIksqe

[9] نيويورك تايمز تكشف "السر الخفي" وراء إطلاق "وثيقة حماس"، وكالة أمد للإعلام، 2/2/2017، https://goo.gl/WcBjfL

[10]

[11] إيهاب أبو منديل، حماس الجديدة، وكالة قدس نت للأنباء، 5/5/2017، https://goo.gl/zmLR0m

[12] قناة الميادين، تقرير بعنوان: الميادين تنشر مسودة وثيقة حماس السياسية الجديدة المعمّمة على الكوادر، 2/4/2017، https://goo.gl/AjNkdx

[13] ماجد كيالي، ما الذي لم تقله وثيقة «حماس»؟، جريدة الحياة اللندنية، 9/5/2017، https://goo.gl/naam6a

[14] إيهاب أبو منديل، منشور على الفيس بوك، حول وثيقة حركة حماس الجديدة، https://goo.gl/BrceGt

[15] ماجد كيالي، منشور على الفيس بوك حول وثيقة حركة حماس الجديدة، 2/5/2017، https://goo.gl/fCuQEL

[16] أكرم عطا الله، قناة الحرة الأميركية، برنامج ساعة حرة ، 15/2017، https://goo.gl/z6WSa3

[17] أحمد يوسف، الوثيقة السياسية الجديدة لحركة حماس، وكالة سما الإخبارية، 13/3/2017، https://goo.gl/6XmjFM

[18] شفيق التلولي، وثيقة حماس بين الجديد والقديم، منشور على صفحته الشخصية على الفيس بوك، 3/4/2017، https://goo.gl/1rEo4s

[19] علاء أبو عامر، رأي شخصي على الفيس بوك، 2/4/2017م، https://goo.gl/aDGouB

[20] إبراهيم غرابية، «حماس» التي لم تفاجئ أحداً سوى نفسها، جريدة الحياة اللندنية، 4/5/2017، https://goo.gl/EDvsQX

[21] طلال عوكل، "حماس" بين ميثاق 1988 ووثيقة 2017: تغييرات تماشي الواقع، (حوار)، صحيفة العربي الجديد، لندن، 2/5/2017، عhttps://goo.gl/GZH4Ek

[22] عبير ثابت، وثيقة حركة حماس الخضراء ما بين الثورة والدولة، وكالة أمد للإعلام، 3/4/2017، https://goo.gl/kqA2O2

[23] هاني المصري، قصف "الشعيرات" ووثيقة "حماس" وخصم الرواتب، مقال رأي، وكالة أمد للإعلام، 11/4/2017، https://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=168042

[24] إبراهيم أبراش، وثيقة حماس خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية، ملتقى الثقافة والهوية الوطنية، 4/5/2017، https://goo.gl/eK31Aj

[25] المصدر السابق.

[26] لمزيد من المعلومات حول ميثاق حركة حماس القديم، انظر: ميثاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الجزيرة نت، https://goo.gl/xETMk0

[27] حسام الدجني، من وحي الوثيقة والميثاق، مدونات الجزيرة، 2/5/2017م، https://goo.gl/HVLsI3

[28] أحمد يوسف، مرجع سابق.

[29] ماجد كيالي، مصدر سابق.

[30] ديفيد هيرست، هل تذهب حماس إلى الحج و"الناس راجعة" ؟!، وكالة سما الإخبارية، 3/4/5/2017، https://goo.gl/ZvJd8T

[31] إيهاب أبو منديل، مصدر سابق.