القول الصريح الغائب حول تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي

e-mail icon
القول الصريح الغائب حول تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي
جورج جقمان
مقالات
-
الخميس, 30 حزيران (يونيو), 2016

أبدأ بسؤال: ما هو المشتركبين ظاهرتي دونالد ترامب وبيرني ساندرز، وانتفاضات مصر وتونس، ونتائج الاستفتاء فيالمملكة المتحدة حول الخروج من الاتحاد الأوروبي؟
منذ ظهرت نتائج الاستفتاء للخروج من الاتحاد الأوروبي، تعج وسائلالإعلام بمختلف أنواعها بالتحليلات حول الأسباب والنتائج المحتملة. لكن يلاحظ منتابع بعض منها أن وسائل الإعلام «المؤسساتية» في الغرب خاصة تحجم عن القول الصريححول أسباب هذه النتائج. فيقال مرة إنها ثورة ضد الطبقة السياسية في بريطانيا، أوإنها ضد لندن العاصمة التي صوتت مع البقاء في الاتحاد، أو أنها عودة لتنامي«الشعور القومي»، أي أن هذه التفسيرات تبقى جميعها على سطح المشهد، فلا يسألمثلاً: لماذا تنامى الشعور القومي؟ أو ما هي المشكلة الحقيقية في الطبقة السياسيةفي بريطانيا؟ ولماذا يصوتون ضد لندن العاصمة؟ 
وأقرب ما يكون من ذكر للسبب الحقيقي هو القول: إنه تصويت ضد«العولمة» دون تحديد ما هو المقصود بهذه الكلمة ذات المعاني المتعددة. فيتركللقارئ أو المشاهد التفكير فيما تعني، لعله مثلا تصويت ضد «العولمة الثقافية»، أوضد «القرية الكونية»، أو ضد «الشبكة العنكبوتية» أو ضد البضائع الصينية، وهكذا.
والسبب الحقيقي يكمن في الإجابة على السؤال أعلاه. وصريح القوليبدأ في صريح قول المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدةبيرني ساندرز. وهو يشكل في الواقع ظاهرة لم يكن بالإمكان رؤيتها في أي انتخاباترئاسية أميركية قبل عقد من الزمن، أي قبل الأزمة الاقتصادية التي بدأت في الولاياتالمتحدة في العام 2008 وانتقلت إلى دول أخرى بسبب العولمة الاقتصادية ضمن إطارالنظام النيوليبرالي الاقتصادي المعولم
هنا يكمن ما هو مسكوت عنه في معظم وسائل الإعلام التي تمثل وجهةنظر «المؤسسة» غربيا وعربيا أيضا. وقد قالها صراحة بيرني ساندرز أنه يريد إحداثثورة في النظام الحالي داخل الولايات المتحدة، وهاجم في معظم خطاباته النظام الذييسمح للواحد في المائة كما قال بالاستئثار بالثروة على حساب إفقار الـ 99% الباقين.
أما دونالد ترامب المرشح الجمهوري في نفس الانتخابات، فقد عبر عنغضب الطبقة العاملة في الولايات المتحدة من ضمنها تلك الفئات التي تصوت تقليدياللحزب الجمهوري، بسبب إفقارها المطّرد في ظل هذا النظام الاقتصادي المعولم، حتىوإن كانت مواقفه شعبوية غوغائية غامضة في تفاصيلها. لكنه التقط اللحظة وتاجر بهاأيما تجارة. غير أن مواقفه لا تتعدى عن كونها تعبيرا فقط عن الغضب العارم دون حلولمقدمة من قبله سوى شعارات عامة، وتعبئة عنصرية ضد المهاجرين والمسلمين. لكنه هوأيضا نتيجة لنفس أسباب ظاهرة ساندرز وإن كان من منحى يميني عنصري غوغائي.
أما ثورات أو انتفاضات مصر وتونس، فقد قامت إلى حد بعيد لنفسالأسباب حتى لو كان هناك خصوصيات عربية من بينها الفساد و»اقتصاد المحاسيب» كمأسمي، أي المحسوبين على النظام، والإفقار المتزايد لأغلبية من الشعب بهذا المزيج.هذا أيضا في ظل هيمنة النظام الاقتصادي المعولم الذي يسعى لفرض سياساته الاقتصاديةعلى دول العالم المختلفة من خلال عدة آليات منها وصفات صندوق النقد الدوليالمعروفة. ومن الملفت للنظر والمفارق أيضا أن تقريرا حديثا صدر مؤخرا في حزيران2016، أي قبل بضعة أسابيع، عن صندوق النقد الدولي نفسه يعترف فيه بوضوح أنالسياسات التي اتبعها منذ انتهاء الحرب الباردة بتوجيه من الدول المسيرة للصندوق،تؤدي إلى الإفقار وإيقاف عجلة التنمية في معظم البلدان. وهو تقرير مفاجئ ومهمويمكن الرجوع إليه على موقع الصندوق
(http://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/2016/06/ostry.htm).
نعود إلى بريطانيا وما هو مشترك بين عناصر السؤال الأول. مؤشر واحديوضح الفكرة: إن معظم من اقترع للخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة(باستثناء إسكتلندا) يسكنون في شمال لندن، أي المقاطعات التي يتشكل أغلب سكانها منالطبقة العاملة التي عانت من سياسات «التقشف» التي فرضتها الطبقة السياسية عليها.من ضمن ذلك الخصخصة المطردة للنظام الصحي الوطني الذي برز بوضوح في النقاش العامقبل الاستفتاء. إنها أيضا نفس الظاهرة والسياسة الاقتصادية المعولمة التي هيالقاسم المشترك في بريطانيا والولايات المتحدة ومصر وتونس ودول أخرى في العالم.ولا غرابة أن هناك حركات انفصالية تدعو للخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي تنظرإليه الشركات الكبرى فقط كسوق كبير لا غير، في بلدان مثل اليونان وإسبانياوإيرلندا ومالطا ولوكسمبورغ وحتى فرنسا وإن كان بقيادة اليمين العنصري في هذهالحالة، أي «دونالد ترامب» فرنسا في شخص «مارين لو بين».  
سنرى ما سيحدث كنتيجة لهذا الاستفتاء. وبالرغم مما قالته المستشارةالألمانية أنجيلا ميركل من أنهم لن يسعوا لمعاقبة بريطانيا بسبب نتائج هذاالاستفتاء، من الواضح أن الطبقة السياسية في الدول الرئيسة في الاتحاد الأوروبيلها مصلحة واضحة في عدم تشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في دول الاتحاد، إن رأتأنه يمكن الخروج من الاتحاد دون دفع ثمن باهظ. وهذا ما نوهت إليه ميركل أيضا فينفس التصريح!!
ويجب التوقع أن الطبقة السياسية في دول الاتحاد ستخشى الآن معظمأنواع الاستفتاءات التي تعطي الشعب قولا مباشرا في سياسات الدولة. ويمكن التوقعأيضا أنه سيتم التقيد الصارم بالإجراءات «الديمقراطية» العادية: ينتخب الشعبممثليه مرة كل أربع سنوات ثم ينتهي دورهم. ويقوم ممثلو الشعب بعد ذلك بعمل مايريدون.

أستاذ في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت