المانحون والحكم الصالح

e-mail icon
المانحون والحكم الصالح
إياد الرياحي
مقالات
-
الأحد, 8 آيار (مايو), 2016

أدى المانحون الدوليون في السنوات العشرون الأخيرة فيها دوراً مهماً في صيوغ معادلات واهتمامات جديدة في الساحة الفلسطينية، وإدخال تحولات على طريقة عمل فاعلين سياسيين ومنظمات أهلية مع الجمهور الفلسطيني. أهم تلك التحولات إدخال مفهوم الحكم الصالح، حقوق الإنسان، في الوقت الذي شهدت فيه الأعوام 2001-2003 ثلاثة حروب دامية تحت شعار «الإصلاح وبناء أنظمة حكم جيدة»، فجرى إسقاط حكم الملا عمر زعيم طالبان في أفغانستان، والرئيس العراقي صدام حسين الذي أعدم لاحقاً، ورعت الولايات المتحدة سياسياً اجتياح المدن الفلسطينية، وحصار الرئيس ياسر عرفات حتى آخر أيام حياته، إضافة إلى إقرار كثير من القوانين وقرارات العقوبات الاقتصادية لدول تصنفها واشنطن أنظمة «حكم غير صالحة»، أو دول فاشلة.

كان للعملية العسكرية التي أعلنتها «إسرائيل» لفرض مجموعة من «الإصلاحات» الأمنية والسياسية على السلطة الفلسطينية في نيسان 2002، النتائج الدامية نفسها لحرب أميركا في العراق وأفغانستان، ففي حيز جغرافي لا يتجاوز عدد سكانه المليونين، وتقل مساحته عن 6 آلاف كيلومتر مربع، قتلت إسرائيل في العام 2002 وحده، ما يقارب ألفاً ومئة من الفلسطينيين. وخلال أقل من أسبوعين، احتجزت 5000 فلسطيني في معسكرات اعتقال تابعة لها. هذا الرقم مشابه تماماً لما حدث في العراق إذا أخذنا في الاعتبار حجم المساحة وعدد السكان، وأكثر دموية مما جرى في أفغانستان. والفرق يكبر إذا ما أخذ في الحسبان عدد الضحايا الفلسطينيين خلال الفترة بين عامي 2000 و2009، حيث استشهد أكثر من سبعة آلاف فلسطيني، وما لا يقل عن 100 ألف جريح في الانتفاضة الثانية.

عبر مقاربة الإصلاح والحكم الرشيد، أصبحت السلطة كبنية خاضعة للمحاسبة والتقويم بشكل مستمر، الأمر الذي ارتبط غالباً بمحطات سياسية معينة، تحديداً بعد اجتياح المدن الفلسطينية، حيث برز مفهوم الإصلاح وبناء حكم رشيد على الأجندة الدولية وبقوة، وتعدى ذلك أجندة إصلاح المال وضبط أوجه صرفه ومحاربة الفساد بشكل عام، إلى المطالبة بإدخال تعديلات في تركيبة النظام السياسي- الأمني للسلطة الفلسطينية، بتوحيد الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها، أو المطالبة باستحداث منصب رئيس الوزراء (وهذا ما تم فعلاً تلبيته)، ولم يكن ذلك ليؤدي إلى إصلاح الحكم، بل إلى بروز صراعات على الصلاحيات. فمنذ أن طالبت إدارة بوش باستحداث منصب رئيس الحكومة، شعر ياسر عرفات بأن ثمة ضغوطاً تمارس عليه، للإتيان بمحمود عباس رئيساً للحكومة، وهكذا كان، حينها بدأ عرفات يشعر بأن رفيقه القديم «أبا مازن» بات بعيداً عنه، وهو الصراع نفسه الذي نشأ بين الرئاسة التي أصبح على رأسها محمود عباس، وبين الحكومة التي تقودها حركة «حماس»، وهو صراع لم يقتصر على الصلاحيات فحسب، بل على صراع سياسي تمت تغذيته بقرار المانحين الدوليين التعامل مع الرئاسة الفلسطينية وحدها. والأزمة المالية التي عصفت بالمنظمة في أوائل التسعينيات، عاشتها السلطة الفلسطينية بشكل خانق العام 2006، وتعيشها اليوم أيضاً لإعادة وضع الفلسطينيين في إطار المفاوضات مع حكومة الاحتلال.

 

الإصلاح والحكم الرشيد بقوة الدبابات

في السياق الفلسطيني، تطورت أجندة الإصلاح وبناء الحكم الرشيد عبر محطتين أساسيتين: الأولى الاجتياح العسكري الإسرائيلي وإعادة احتلال مدن الضفة الغربية في نيسان 2002. والثانية، الانقسام السياسي وسيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة في العام 2007. قبل ذلك، كانت الاحتجاجات الداخلية والانتقادات الدولية قليلاً ما تسمع. فعلى المستوى الداخلي، شكل «بيان العشرين» أول احتجاج على الفساد، حين وقعت عشرون شخصية فلسطينية، بينهم تسعة أعضاء في المجلس التشريعي، بياناً يدين الفساد في السلطة الفلسطينية. وحمل البيان ياسر عرفات المسؤولية لأنه صمت عن الفساد المالي بعدما وعد الشعب بـ «سنغافورة» بدلاً من المستنقع الراكد الذي غرق فيه حوالي ثلاثة ملايين شخص، باستثناء 200 أو 300 شخص من المحيطين به الذين يتمتعون بمكانة «أشخاص بالغي الأهمية»، ويعيشون في أحسن حال (إدوارد سعيد، «الحياة»، 7/12/1999).

منذ السنوات الأولى لقيام السلطة الفلسطينية، كان موضوع الإصلاح مادة جيدة للبحث والتقويم، فشكل ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا السابق العام 1997، وبتمويل من مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، طاقماً لبحث المشكلات الرئيسة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية. واحدة من النتائج اللافتة التي خلص إليها التقرير تقول «إن تسوية دائمة للصراع المستمر منذ عقود بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإقامة علاقات سليمة في المنطقة، تتطلب إقامة كيان سياسي فلسطيني بكل معنى الكلمة، كيان يتمتع بالقدرة والمصداقية». طاقم البحث اعتبر أن حكماً صالحاً هو شرط ضروري لنجاح العملية السلمية، «ولهذا فإن الأطراف كافة تتحمل مسؤولية مساعدة وتسهيل عملية تقوية المؤسسات الفلسطينية العامة» (يزيد صايغ وخليل الشقاقي، تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية، نيويورك، مجلس العلاقات الخارجية، 1999). وأشار تقرير آخر، تواطأ في بعض أجزائه خبراء فلسطينيون بعنوان «اعتبارات التخطيط لتدخل دولي في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي» (وهو تقرير منسجم تماماً مع الفكرة القائلة أن غياب الإدارة الفاعلة أحد أسباب عدم حصول الفلسطينيين على دولة) إلى أن التهديد الذي يواجه حل الدولتين تتحمل السلطة مسؤوليته، نظراً لعدم تمتعها بإدارة فاعلة وشفافة، إضافة إلى تصفية قدرتها على الحكم بشكل كبير، فيما أن عدم الثقة، والإجراءات المتبادلة (غياب الشفافية لدى الفلسطينيين، والتوسع الاستيطاني عند الإسرائيليين) عوامل أخرى تهدد هذا الحل.

إن إخفاق التوصل إلى اتفاق سلام في «كامب ديفيد» عام 2000، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، جعلا ملف الإصلاح بمثابة الأولوية الأهم للمانحين. ورداً على سؤال بشأن الانعكاسات التي قد يواجهها عرفات حال غياب التحرك لوقف «العنف»، قال وزير الخارجية الأميركية آنذاك كولن باول، إن عرفات «سيخسر سلطته رويداً رويداً في المنطقة» (موقع الجزيرة. نت 2001). وتزامن تصريح باول مع تصريحات للرئيس عرفات يؤكد على أن الهدنة التي أعلنها مع إسرائيل ستظل قائمة، حتى لو أصر الإسرائيليون على خرقها، وتوعد الفلسطينيين الذين يخرقون وقف إطلاق النار مع الاحتلال بالملاحقة. وقال عرفات في كلمة وجهها الى الفلسطينيين عبر شاشات التلفزيون إن جميع التشكيلات العسكرية الفلسطينية باتت خارجة على القانون. وأضاف: أن هناك سلطة فلسطينية واحدة في مناطق الحكم الذاتي، وأن هذه السلطة إن اتخذت قراراً توجب على الجميع احترامه (المصدر السابق). وكان يلزم لتطبيق هذا القرار اختيار اللحظة المناسبة لعزل عرفات تماماً، ووضع خطة للإصلاح في قيد التنفيذ، حددتها إسرائيل بعد عملية «بني بارك». وقد سبق اجتياح المدن، والبدء بالعملية العسكرية، وإعادة احتلال عسكري مباشر للضفة الغربية، إعلان شارون أن عرفات بات خارج اللعبة السياسية، وفي الوقت الذي كانت تشتعل الضفة الغربية، كانت أيضاً حالة ملائمة للإعلان عن جملة من الإصلاحات المالية والأمنية التي باتت تطالب بها أميركا و«إسرائيل»، وكانت الإدارة الأميركية تنتظر أن تجعل العملية العسكرية الفلسطينيين يقبلون بكل المطالب التي تقدمت بها قبل العملية لتطبيقها دفعة واحدة.

 

السلطة والاصلاح وقوة الدبابة

في أثناء تلك المطالبات، كان الفلسطينيون يشيعون شهداءهم في معظم مدن الضفة. وفي محاولة أخرى لتجنب تطبيق الإصلاح بالنسخة الإسرائيلية ـ الأميركية، وافقت السلطة الفلسطينية على شروط قوة العمل الدولية، في ظل استبعاد الولايات المتحدة قيام أي دولة فلسطينية قبل أن يتخلص الفلسطينيون من الفساد، ويختاروا قادة «لم يلوثهم الإرهاب». واستجابة لمطلب أميركي رئيسي، وافق عرفات على إنشاء شركة قابضة لتجمع كل الأموال والأرصدة الخاصة بالسلطة الفلسطينية تحت مظلة واحدة؟ وقال سلام فياض، وزير المالية الذي تولى منصبه في تعديل وزاري أجراه عرفات، إن الشركة القابضة سوف تضمن الشفافية في التعاملات المالية التي يطلبها المانحون (العالم 2002). وجاء طرح هذا الخيار للحد من سلطة عرفات في صرف الأموال، وتحديداً الأموال غير المعلن عنها، أو التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وليس الآتية من الدول المانحة. وبمساندة من صندوق النقد الدولي، أمر عرفات بتأسيس المجلس الأعلى للتنمية من أجل الإشراف على جهود السلطة الفلسطينية في تعزيز الإدارة وتقوية المالية العامة. وكان الدور الإستراتيجي المنوط بهذا المجلس الذي ضم ثلاثة وزراء، هو المساعدة في إعادة توجيه السياسات الاقتصادية الفلسطينية ودفع السياسة العامة نحو مزيد من الانسجام مع المعايير الدولية. ولم يجتمع المجلس الأعلى للتنمية إلاّ بضع مرات، ولم يتحول إلى أداة للإصلاح المالي، مع أن القضايا التي كان مكلفاً معالجتها أصبحت بنوداً مركزية في عملية الإصلاح التي قامت بها وزارة المالية على مدى السنوات اللاحقة. وأبدى العديد من المسؤولين الفلسطينيين العام 2002 ترحيبهم بقوة العمل الدولية للإصلاح، المؤلفة من اللجنة الرباعية، فضلاً عن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ودول مانحة أخرى.

 

حكومات فياض

في مقارنة رقمية، نجد أن صافي الإيرادات المحلية تحسن في العام 2010 ليصل إلى 1.927 مليار دولار مقارنة بـ 954 مليون دولار، بزيادة تقدر بحوالي 49.5%، حيث كان التغيير الأكبر بارتفاع إيرادات المقاصة من 617 مليون دولار في العام 2004 إلى 1.259 مليار دولار في العام 2010. وعلى صعيد النفقات، فقد قفز إجمالي النفقات الجارية وصافي الإقراض من 1.528 مليار دولار في العام 2004 إلى حوالي 3.076 مليارات دولار في العام 2010، فيما بلغ الدعم الخارجي للموازنة في العام 2004 حوالي 353 مليون دولار مقارنة بحوالي 1.146 مليار دولار في العام 2010.

لكن هذا الارتفاع في الإيرادات ترافق مع ارتفاع كبير في النفقات أيضاً، والتي تأثرت بارتفاع فاتورة الرواتب من 870 مليون دولار في العام 2004 إلى 1.613 مليار دولار في العام 2010، بينما قفزت النفقات الأخرى «غير الأجور» من 501 مليون دولار في العام 2004 إلى 1.227 مليار دولار في العام 2010 (إبراهيم ربايعة، جريدة «الحياة الجديدة»، 23/9/2012). وهذا يعني زيادة التحصيل الضريبي من الشرائح الاجتماعية المختلفة، والزيادة الهائلة في توظيف السلطة للقوى العاملة، وزيادة حجم الأجهزة الأمنية ونفقاتها.

هذه الأرقام والمعطيات جاءت كلها بعد تولي فياض مسؤولياته رئيساً للوزراء وتأليف عدة حكومات متعاقبة، بهدف «ترشيق» البنية التابعة للسلطة الفلسطينية، ولكن المقاربة التي أتبعتها حكومة فياض منذ توليه مسؤولياته جاءت لتضع المجتمع الفلسطيني والسلطة أمام مخاطرة اقتصادية واجتماعية كبيرة. ورغم كافة التحذيرات والدراسات التي صدرت من جهات فلسطينية ودولية نقدية، إلا أن الحكومة استمرت بنهجها القاضي بقيادة القطاع الخاص «للتنمية» عبر الاستثمار غير المدروس، وعبر توسيع مساحات الاقتراض الفردي والمؤسساتي، وحتى للسلطة نفسها، وتسريع الاندماج في منظومة السياسات النيوليبرالية عبر تبني مبادئ اقتصادية هشة لا تناسب وضع مجتمع تحت الاحتلال. ومع الحديث عن تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية، إلا أن ما حصل هو العكس، بحيث أصبح المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة مرهوناً بكامله لتلك المساعدات، بل ازدادت الموازنة العامة للسلطة باطراد غير مبرر، ومع هذا كله بقي كثير من المسؤولين مصراً على فكرة «النمو»، التي تراجع الاعتماد عليها عالمياً كمقياس أساسي للتنمية، والآن يتم وصف النمو بالفقاعة الاقتصادية.

المقاربة ذاتها وضعت الحـــكومة الفلسطـــينية نفسها وقضية الشعب الفلسطيني في إطار الإصلاح وبناء المؤسسات للدولة، والتي جعلت من الفلسطينيين موضوعاً للمحاسبة والملاحظة والتقييم الدائمين من المانحين والمؤسسات الدولية. وتجاوزت الملاحظات الواردة في تقرير البنك الدولي الأخير مسألة مكافحة الفساد إلى التـــقرير بشأن هل كان الفلسطينيون جاهزون لإقامة دولتهم أم لا، علـــى اعتبار أن ذلك هو «مسألة فنية»، وليست قضية احتلال وســـطو على أراضي وممتلكات الغير بامتياز بما تعنيه من قضية تحرر وطني، بينما اعتبر البنك الدولي أن السلطة واقتصادها غير جاهزين للتحول إلى دولة وذلك لعدم استقرار الاقتصاد الفلسطيني واعتماد السلطة أكثر مما يجب على المساعدات الأجنبية.

 

باحث مؤسس في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، رام الله