المشروع التحرري الفلسطيني النقيض للمشروع الصهيوني ليس بديلا اعتراضيا لدولة فلسطينيّة على حدود العام 1967

e-mail icon
المشروع التحرري الفلسطيني النقيض للمشروع الصهيوني ليس بديلا اعتراضيا لدولة فلسطينيّة على حدود العام 1967
غانية ملحيس
مقالات
-
الأربعاء, 29 حزيران (يونيو), 2016

المشروع  التّحرري الفلسطيني  النقيض  للمشروع الاستعماري الصهيوني العنصري، يمثل  الإطار الشّامل  والرؤية  الاستراتيجيّة  بعيدة   المدى  لحل  الصراع  الوجودي الفلسطيني/ العربي -  الصهيوني ،  ويعي  أهمِّيّة  التّدرّج  في تحرير الوطن  وهزيمة الكيان  الاستعماري الصّهيوني  العنصري ،  الذي تمّ إنشاؤه ، أيضاً ، بالتَّدريج  .

 

وعليه  ، فهو ليس  بديلا  اعتراضيّاً   يرمي  إلى  دفع  الفلسطينيّين إلى التخلي عن المكتسبات المهمة  التي حققوها  بنضالهم  الطويل  وتضحياتهم  الجسيمة على مدى نصف قرن  .  ولا يستهدف  على الإطلاق ،  كما  يروج  المشكّكين ، المطالبة  بتعديل الهدف  الوطنيّ  الصحيح   بإنهاء  الاحتلال  الإسرائيلي  للأراضي الفلسطينيّة التي تمّ احتلالها في عام 1967  وإقامة دولة فلسطينيّة عليها  ،  والذي بات تحقيقه  يحظى  بإجماعٍ  دوليّ ( قرار الجمعية العامة للأمم المتّحدة رقم 19/67 الصادر في 29/11/2012) ، باعتباره الاحتلال (المُصنَّف دوليّاً  كذلك ) الوحيد الباقي في القرن الواحد والعشرين .

 بل على العكس من  ذلك  تماماً ،  فإنه  يدعو  إلى توفير موجبات ميزان قوى جديد يسمح بقيامها ، عبر  تركيز وتكثيف  النِّضال  الفلسطيني  ضد جيش الاحتلال  والمستوطنين  الصّهاينة  في  المناطق  التي يقر العالم  بأسره بأنها  أراضٍ  فلسطينيّة  محتلة ، وتعترف القوانين الدوليّة بشرعية مقاومة الاحتلال فيها  بكافة الأساليب . 

ولذلك ، فهو  يطالب   باحتضان الحراك الشبابيّ  ورعايته وتنظيمه وتأطيره وتمكينه  من  تطوير أساليبه الكفاحيّة  المشروعة ،  لرفع  كلفة  استمرارالاحتلال   ميدانيّاً ،  ويدعو للعمل  بالتوازي على  بناء  تحالف  دوليّ  واسع  ضد الاحتلال الإسرائيلي  الناشئ  عام  1967 ،  لا  يستثني منه القوى الإسرائيليّة  المناهضة  للاحتلال  والاستيطان لتسريع  إنهائه .

 ويدرك  أنَّ العمل السياسي  والديبلوماسي على  أهميّتهما  وضرورتهما ،  ليسا  مؤهلين وحدهما  لإنهاء الاحتلال ، وأنه  لا  بد  أن  يقترنا بالمقاومة المشروعة لدحره بأشكالها  كافة ، الكفاحية والشعبية  والمقاطعة الاقتصاديّة  والثقافية إلخ ...

ويعرف تماما ،  أن  المقاومة اللبنانيّة هي  التي  دفعت  إسرائيل  للانسحاب الأحادي  من  جنوب  لبنان عام  2000  بعد احتلال دام ثمانية عشر عام   .

وأن المقاومة الفلسطينيّة  المتواصلة  ضد  المحتل  هي  من  أجبرت  إسرائيل على  الإقرار بوجود الشّعب الفلسطيني ،  الذي ارتكز المشروع  الصهيوني على  إنكاره .

ويعي  أن  الانتفاضة  الشعبية  الفلسطينيّة  الأولى  ، وتوسعها  وانتشار فعالياتها  في كامل  الوطن ،  وانتقال  مركز ثقل  المقاومة  إلى  مركز الصِّراع  في  فلسطين ، وإسهامها  في كشف  زيف ادعاءات الحركة  الصهيونية  ، وفي  فضح  وحشيّة  الجيش الإسرائيلي  ضد أطفال  الحجارة  ، وتنامي التعاطف الشعبي العربي والإقليمي والدّولي  مع  قضيّة  فلسطين العادلة  ، هو ما  اضطّر إسرائيل  للاعتراف  بمنظمة  التحرير الفلسطينية  ممثلا  للشّعب الفلسطيني ، رغم  ما  شاب  هذا  الاعتراف  من مقاصد  ونقائص  .

وهي ، أيضاً ،  ما  أجبرالقيادة الإسرائيلية  على  البحث  عن  مخرج  لمأزقها ،  والتوقيع  مع  المنظمة على اتفاق إعلان المبادئ حول الحكم الذاتي الانتقالي  في الضفة  الغربية وقطاع غزة عام 1993 ،  والتي  سارعت الولايات المتحدة الأمريكيّة إلى رعايته .

 فهذا  الاتفاق ، على  سوء  النوايا  المضمرة  من  ورائه  ورداءة   مضمونه ، شكل  أول  اعتراف  رسميّ  من  الحركة  الصهيونيّة  ومن الإمبرياليّة العالميّة  بقيادة  الولايات المتحدة الأمريكيّة، بوجود  احتلال  إسرائيلي  لجزء من الأراضي الفلسطينية.

 

 كما يعي  أن  الانتفاضة الفلسطينيّة  الثانية ( انتفاضة الأقصى ) ، التي أعقبت اقتحام شارون  للمسجد  الأقصى  برفقة  3000  جنديٍّ  مدجّجٍ  بالسّلاح  لإرهاب الشّعب الفلسطيني  في أعقاب انهيار  مفاوضات كامب ديفيد عام 2000  ،  وخلافاً  لما  يُروِّجه  البعض حول  نتائجها  التدميرية ، للتّقليل من  فعالية  مقاومة الاحتلال  . قد كشفت  عن  تطوُّر مهمّ   في  قدرة  الشّعب  الفلسطينيّ  على  الصّمود  المقاوم  ، وجاهزيَّة عالية  للتّضحية  في ميدان الاستشهاد دفاعا عن مشروع الاستقلال الوطنيّ، ومقدرة - عند امتلاك  القرار السياسي -  على إنهاء  قدرة  إسرائيل على الاستمرار في احتلالها  المربح  للضفة الغربية  وقطاع  غزة  ،  ومواصلتها  قتل  الشّعب الفلسطينيّ  دون  أن  تدفع  ثمناً  باهظاً  لسلوكها العدواني .

كما كشفت انتفاضة الأقصى ، عن  مقدرة غير مسبوقة للمقاومة  على رفع  كلفة  الاحتلال الإسرائيلي  وتكبيده  خسائرَ  بشريّة ومادّيّة  موجعة ، لم تستطع الإحصاءات  الإسرائيليّة  إخفاءها .

فبدون إغفال  ضخامة  عدد  الضحايا  الفلسطينيّين  جرّاء  إرهاب  الجيش النِّظاميّ الإسرائيليّ  والمستوطنين  ،  وتضاعُف عدد شهداء  انتفاضة الأقصى  بنحو 4.3  ضعفا مقارنةً  بانتفاضة  أطفال الحجارة  (إرتفع عدد الشهداء  من نحو 1124 شهيدا خلال الانتفاضة الأولى إلى 4858 شهيدا خلال الانتفاضة الثانية ، غالبيتهم السّاحقة من المدنيين )  .

 فقد تضاعفت  خسائر إسرائيل  بوتائر أعلى ،  وبلغت مستويات غير مسبوقة  منذ إنشاء الكيان الصّهيوني عام 1948 ، إذ ارتفع  عدد القتلى الإسرائيليين بنحو 6.6  ضعفا  مقارنة بعددهم  في الانتفاضة الأولى  (من 160 قتيلا إلى  1063 ) أكثر من نصفهم ( 53.7%) من الجيش والمستوطنين   ، وقد بين المراسل  العسكريّ  لصحيفة  هآرتس الإسرائيليَّة ، زئيف شيف  ضخامة الخسائر البشريَّة الإسرائيليّة الناجمة عن  انتفاضة  الأقصى  بقوله  : " إذا استثنينا حرب 1948 وحرب اكتوبر 1973 ،  فإن هذه  الانتفاضة  جبتْ من الاسرائيليين  ثمناً  كبيرا على صعيد الخسائر البشريّة (1017 قتيل) ، اكثر من أيّ حرب خاضتها اسرائيل ، أي اكثر مما كلّفتها حرب 1967( 803 قتلى) ، وحرب الإستنزاف (738 قتيلا) على  الحدود مع مصر وسوريا  والأردن . واكثر مما كلّفتْها المقاومة اللّبنانية إبّان احتلالها جنوب لبنان لمدّة ثمانية عشرعام ، حيث لقي 850  جنديّ اسرائيليّ مصرعهم  " .

 كما  ذكر آفي  ديختر رئيس جهاز الأمن العامّ  الاسرائيلي ،آنذاك ، بأنّ "عدد ضحايا إسرائيل من القتلى والجرحى خلال سنوات انتفاضة الأقصى ،  يفوق بثلاثة أضعاف حجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل منذ إنطلاقة الثّورة الفلسطينيّة في 1/1/1965 وحتى إندلاع إنتفاضة الأقصى قي 28/9/2000 ".  وأضاف " أصيب جرّاء الإرهاب  الفلسطينيّ  من الاسرائيليّين (قتلى وجرحى) في السّنوات الأربع الاخيرة  11.356 شخصاً ، مقابل 4.319  شخصاً اصيبوا بين  العام 1947 و 2000 " .

كما أدت انتفاضة الأقصى إلى  تراجع  تدفق  المهاجرين  اليهود إلى الكيان الصهيوني بشكلٍ كبير ، وإلى انعكاس المسار باتجاه  الهجرة العكسيّة .

وتحدثت  الصحف الإسرائيليَّة ،أيضاَ ،  عن عودة أعداد  كبيرة من المستوطنين إلى داخل الخط الأخضر .  وتنامت ، كذلك ،  ظاهرة رفض  المجنّدين الإسرائيليّين للخدمة العسكريّة  في الضفة الغربية  وقطاع غزة إلى  درجة  أقلقت  قادة إسرائيل  ودفعت  برئيس وزرائها  ، أنذاك ، السفاح شارون للتركيز عليها  في خطابه  إلى الجمهور الإسرائيلي بتاريخ 22/2/2002  والتّحذير من خطورتها .

وعلى الصَّعيد الاقتصاديَّ ، كبَّدت انتفاضة  الأقصى  إسرائيل  خسائرَ  مادِّيَّةٍ   غير مسبوقةٍ ، فتراجعت  معظم  المؤشّرات الاقتصاديّة ، التي كانت قد سجَّلت نموّاً لافتا  ومتسارعا  منذ  بدء عملية التّسوية السِّياسية  في مدريد ،  وخصوصا ، بعد توقيع اتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني- الإسرائيلي  حول  الحكم  الذَّاتي الانتقالي في13/9/1993، واتفاقية وادي عربة مع الأردن في 26/10/1994  .

وعلى  الرغم من وجود عوامل أخرى ،غير انتفاضة الأقصى ، كانت قد أسهمت في تراجع أداء الاقتصاد الإسرائيلي خلال السّنوات الأولى من الألفية الثانية ،  كتباطؤ الاقتصاد العالميّ  وخصوصا الأمريكيّ  والأوروبيّ ،  وأزمة  الصّناعة التكنولوجيّة العالميّة ، وارتفاع حساسيَّة الاقتصاد الإسرائيليّ  لذلك ، بسبب تنامي اندماجها في الاقتصاد العالمي عموماً  ، والاقتصادات الغربيّة خصوصاً، منذ عقد التسعينيّات ، وإرتفاع الأهميّة النسبيَّة لصناعاتها وصادراتها التكنولوجيّة .

إلا  أنّ ، ذلك،  لا يُقلِّل  من  أهميّة  التّأثير الكبير لانتفاضة  الأقصى على الاقتصاد   الإسرائيليّ  . فللمرَّة الأولى  منذ إنشاء  إسرائيل ، سجل  النّاتج  القوميّ  الإجماليّ الإسرائيليّ  نموّاً  سالباً  لسنتين  متتاليتين ،إذ   بدأ  بالتّراجع  في الرّبع الأخير من عام 2000 ، وقد قدّر البنك  المرْكزيّ الإسرائيلي  حجم  الخسائر التي مُني بها الاقتصاد الإسرائيلي  خلال الربع الأخير من عام 2000 بنحو 2 مليار دولار أمريكي ،  ما أدَّى إلى تراجع معدّل النّموّ العالي المتوقّع لمجمل العام  من 7- 8 % إلى 6.4%.  وسجَّل في عاميْ  2001  و2002  معدّلات نموّ سالبة بلغت  -0.9% و-1% على التّوالي ،   فيما لم  يسجّل أيّ نموّ خلال الرّبع الأوّل من عام 2003 .

كما تراجع النّاتج القومي الإجمالي للفرد بنسب  أعلى  بلغت - 2.9 %  -3% خلال تلك الفترة .   وسجّل  ناتج  قطاع الصّناعة التّحويليّة نموّا سالباً  بلغ - 1.9%  عام 2001 ، وقطاع البناء والتّشييد – 10.5% .  وكان القطاعُ  السِّياحي أكثر القطاعات تأثّراً ،  إذ تراجعت عائداته  إلى النِّصف ،  وأُغلِق  العديد من المنشات السّياحيّة ، وسرّح آلاف العاملين في هذا القطاع .  وتأثر قطاع النّقل ، أيضاً ، وتراكمت الخسائر على شركة طيران العال ما اضطرها  إلى وقف العديد من رحلاتها والاستغناء عن جزء من أسطولها .   وأَغلقت بعضُ الشَّركات الدَّوليَّة العابرة للقارات فروعها ، التي  كانت قد أنشأتها  في إسرائيل  بعد توقيع الاتّفاق الفلسطينيّ - الإسرائيليّ  لتُشكّل مراكز لها في منطقة الشّرق الأوسط .

 وتراجعت الصّادرات الإسرائيليّة الكليّة   بنحو 11%  عام 2001  ، و5.4%  عام 2002 ، وانخفض التّبادل التّجاري الفلسطينيّ - الإسرائيليّ بنسبة 45%  ( يبلغ في المتوسّط نحو 3 مليار $ سنويّا) .

 ورغم أن الواردات الفلسطينيّة من إسرائيل (2.5 مليار$ سنويا في المتوسط  ) لا تشكّل أكثر من 6- 7% من إجمالي الصّادرات الإسرائيليّة ،   إلا أنّ السّوق الفلسطينيّة تُمثّل السّوق الأكثر ربحيّة للاقتصاد الإسرائيلي ، كونها  تُشكل امتدادا للسّوق الدّاخليّة الإسرائيليّة  بفعل واقع الاحتلال  وقربها الجغرافي  وانخفاض تكلفة النّقل  وخلوّها من أيّ معوقات إدارية أو فنية .

 كما  انخفضت الواردات الإجماليّة الإسرائيليّة  بحوالي 4.4%  و3% خلال عاميْ 2001 و2002 على التّوالي . وانخفض نمو قطاع الأعمال بنسبة 2.2% ،  وشهدت التّحويلات  الماليّة للخارج  ارتفاعا بنحو 80% عن مُستواها في عام 2000  (2,8 مليار$ عام 2001)  . وانخفضت الاستثمارات الأجنبيّة بحوالي 11%  .  كما تراجعت القيمة السّوقيَّة  للأسهم في بورصة تلّ أبيب .  وتدهور سعر صرف الشيكل الإسرائيلي مقابل العملات الأجنبيّة الرئيسة ، وانخفضت الإيرادات الضّريبيّة بسبب تراجع النَّشاط الاقتصادي ،  ولجأت الحكومة الإسرائيليّة إلى إجراء  تقليصات حادَّة في الميزانيّة  أدّت إلى انخفاضٍ في الإنفاق العامّ المدنيّ بشقّيْه الاستثماري والجاري .  وارتفعت معدّلات البطالة إلى أكثر من 9.3% عام 2001  وإلى 10.4% في عام 2002 .

وتضاعف الإنفاق العسكريّ الإسرائيليّ السنويّ بأكثر من ثلاثة أضعاف ، بعد أن كان قد انخفض إلى نحو ثُلث مستواه في أعقاب توقيع اتّفاق أوسلو .

 وتظهرالتّقديرات الإسرائيليّة  أن  قيمة الخسائر التي  تكبَّدها   الاقتصاد الإسرائيلي  نتيجة  لانتفاضة الأقصى قد  بلغت في الأشهر الثّلاث الأولى لاندلاعها فقط  نحو 2 مليار دولار أمريكي  ، فيما  بلغت نحو 3 مليار دولار  عام 2001 .  وتضاعف تأثير الانتفاضة في عام 2002  ليصل حجم الخسائر النّاجمة عن الانتفاضة إلى  نحو 7.6 مليار دولار أمريكي  .

وتراجعت عمليّة  تطبيع  العلاقات  العربيّة - الإسرائيليّة ، والإسلاميّة - الإسرائيليّة   التي   كانت  قد  شهدت تطوّراً  كبيراً على الصّعيدين السّياسي والاقتصادي  بعد توقيع اتّفاق إعلان المبادئ الفلسطينيّ - الإسرائيليّ عام 1993 . ونشطت  اللجان  الشعبيّة لمقاومة التّطبيع  مع إسرائيل  في معظم الدّول العربيّة والإسلاميّة  .

 

 وأجبرت تداعيات  انتفاضة  الأقصى  رئيس الولايات  المتحدة  الأمريكيّة الأكثر يمينيّة

/ جورج بوش الإبن / ، للإعلان في خطابه  حول الشّرق الأوسط  بتاريخ 24/6/2002  عن استحقاق الشعب الفلسطيني  لإقامة  دولته  الفلسطينيّة على أرض  فلسطين ،

 على الرغم  مما رافق هذا الإعلان الأمريكي  (الأول من نوعه منذ بدء المشروع الصهيوني )  من  اشتراطات  كي يتسنى  إقامة الدولة  الفلسطينيّة  ، وأهمها :

1- دعوة الشعب الفلسطيني إلى " استبدال  قيادته الإرهابيّة المستبدّة  الفاسدة  بقيادة  نزيهة  مسالمة ديموقراطيّة  حتّى  يُنهي عذابه  ويتّسنى  له قيام دولة فلسطينيّة" . 

وجعل ذلك شرطا مسبقا  لقيام  هذه الدولة " السّلام يتطلّب قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة، حتى يمكن أن تولد دولة فلسطينيّة ، وإنني أدعو الشعب الفلسطيني إلى انتخاب زعماء جدد، لا يشينهم الإرهاب".          

2- تعديل نظام  الحكم  القائم  ،  إذ  أشار الرئيس بوش  إلى  أن "  المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب  ليست  له  سلطة ، وتتركز السلطة  في أيدي نفرٍ قليلٍ لا يمكن محاسبتهم ، ولا يمكن لدولة فلسطينيّة أن تخدم مواطنيها ، إلا بدستورٍ جديد يفصل  بين السّلطات " . 

3- القيام بإصلاح ماليّ يضع الإنفاق الفلسطيني  تحت الرقابة الدوليّة ، للقضاء على  أيّة  إمكانيّة  لاستخدام الموارد  الماليّة  للسلطة  لتمويل  مقاومة  الاحتلال  بقوله: "واليوم،  فإن السّلطات الفلسطينية  تشجّع الإرهاب ولا تعارضه "  وأشار إلى

" ضرورة العمل  مع  الفلسطينيّين  في مشروعٍ  كبيرٍ للإصلاح  في المجال المالي   تحت الإشراف الدّولي".  وأضاف " الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي مستعدون  للإشراف على الإصلاحات في الشؤون الماليّة الفلسطينيّة، وتشجيع الشّفافية والتدقيق المستقلّ " .

4- الإشراف الخارجي على القوى الأمنيّة الفلسطينيّة عبر" الإصلاحٍ في المجال الأمني"  فقال  " وهذا سيستلزم جهداً خاضعاً لإشرافٍ خارجيّ  لإعادة بناء وإصلاح الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة ، ولا بد أن تكون للنّظام الأمنيّ  خطوط  واضحة  للسّلطة  وقابليّة  المساءلة ، وكذلك سلسلة  قيادة موحدة " .

وقد  تمّ تشريع  الشروط الأمريكيّة  لقيام الدولة الفلسطينيّة دوليا ،  إذ  رحّب كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحاديّة والأمم المتّحدة  بمضمون خطاب الرئيس بوش  في البيانين الصّادرين عن  الرباعية الدوليّة  في 16/7/2002 و17/9/2002 ، وشكّل هذا الخطاب جوهر خطّة خارطة الطّريق التي أطلقتها الرباعيّة في نهاية ابريل/نيسان/  2003  .

 

ويدرك المشروع التحرري الفلسطيني النقيض للمشروع الصهيوني  أن ما تقدم لا علاقة له  بالإصلاح  المحق الذي كان يطالب به الشعب الفلسطيني ويستهدف تحسين أداء السلطة الفلسطينيّة .

ويعرف تماما أنّ  الامتثال  فلسطينيا  إلى الشروط  الأمريكيّة – الإسرائيليّة  كافّة ،  لم يؤدّ  إلى قيام  الدولة الفلسطينية  الموعودة .  وأن  انتخاب سلطة  مسالمة  تنتهج التفاوض المباشر مع الاحتلال  كطريق وحيد ، وتجرم المقاومة المشروعة دوليا  ضد الاحتلال ،  قد  أدى عمليا  إلى تراجع  فرص قيامها .

ولذلك ، فإنّه يعي تماما  أن تصعيد  المقاومة ضد الحصار  والاحتلال  والاستيطان  في  المناطق الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967  في إطار مشروع نهضويّ تحرري نقيض  للمشروع الصهيوني ، هو ، فقط ،  ما سيؤدي إلى إنهاء الاحتلال  الإسرائيلي لكامل الأراضي الفلسطينية  المحتلة  منذ عام 1967  وإتاحة الفرصة الحقيقية  لإقامة الدولة الفلسطينية عليها .  وأنّ ، ذلك ،  سيصبح  ممكنا ، فقط ، عندما   يتم  رفع كلفة  استمرار الحصار والاحتلال والاستيطان  إلى درجة  تفوق  عوائده ،  وعندما يصبح  استمراره عبئا ثقيلاً  (عسكريا  وماديّاً  وسياسيا  وأخلاقيا )  يفوق  قدرة  داعمي إسرائيل على احتماله ، ما سيسرّع  بإنهائه  دون أن يترتّب على الشعب الفلسطيني أيّة التزامات  قانونيّة  تكبل  المُستقبل   .

 

 وعليه ،  فإنّ المشروع التحرري الفلسطيني النقيض للمشروع  الصهيوني ،  هو البوصَلة التي  يتوجب أن يسترشد  بها كافة  أبناء  الشّعب العربيّ  الفلسطيني  في  الوطن  والشّتات  .

 وهو المنارة التي  ينبغي أن تهتدي بها  كافة  القوى السّياسيّة والعقائدية والتنظيميّة  والحزْبيّة الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني  في  مختلف المراحل  النضاليّة ،  كي  لا  تضل  طريقها   .

وهو المرجعيّة العليا   التي يفترض أن   يحتكم  إليها  الفلسطينيّون  جميعا  في  سلوكهم  وسياساتهم  وخططهم  ،  وفي جميع  قراراتهم  الكفاحيّة  والسياسية  والديبلوماسيّة والاقتصادية  والاجتماعية والإدارية  والثقافية والقانونية  إلخ...

 

وغيابُ  هذا  المشروع ، كما هو جارٍ حاليّا  ،  يؤدّي إلى التّيه الفلسطينيّ الذي  يقود  إلى  تفجّر  الأزمات  والتناقضات  كافة   .

 

وكما  أوضحت المقالات السّابقة ( 11 مقال منشورعلى الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية / مسارات /  ) ، فإن المشروع التحرري الفلسطيني النقيض للمشروع  الصهيوني ، ينطلق مِن الإيمان العميق  بوحدة  الشعب  والوطن  والقضية  ، ومن الفَهْمٍ  الواضِحٍ  للحقوقِ الوَطَنِيَّة  والتّاريخِيّة الثّابتة  غير القابلة  للتّصرّف للشَّعب العربي الفلسطيني  في  أرض  وطنِه  فلسطين .

ولا  يفرق  في مسعاه  التّحرري  بين الأراضي الفلسطينيّة  وفقا  للأقدميّة الزّمنيّة  لاحتلالها  . لكنه ،  في ذات الوقت ،  لا يستبعد على الإطلاق  إمكانيّة  تفاوت مواعيد  تحريرها  من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني  العنصري .

كما  أنه  لا  يميّز  أو  يفاضل  بين  حقوق  أيّ  من  مكوّنات الشّعب  الفلسطيني  في الوطن والشّتات  .  وليس  لديه  أيّ  استعداد  لمقايضة  حقوق أي  جزء  من  الشّعب الفلسطيني  بحقوق  بقية   أجزائه .  بل يستهدف بلوغ  جميع أفراد  الشعب الفلسطيني  لحقِّوقهم  الأساسِيّة  المشروعَة   في  الحرّيّة  والعودة  وتقرير المصيرعلى أرض فلسطين ،  مع  إدراكه الكامل بحتميّة  التدرج  في  بلوغها   .

 

كما ينطلق المشروع التحرري الفلسطيني النقيض  ، أيضاً ، من  وعي  كامل  بطبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصّهيوني العنصري ، ومرتكزاته الفكرية الرجعيّة،  وغاياته الكولونياليّة . ويدرك عناصر قوته  الذاتيّة ، وعمق  تحالفاته وارتباطاته  المصلحيّة  الدولية  والإقليميّة  والمحليّة .

ويصوغ  بالمقابل ، رؤية   نهضويةً إنسانيّةً  تحرريةً  نقيضة  لمواجهته  والإعداد الصحيح  لهزيمته  ، فيسعى  إلى  تصحيح   المفاهيم  الخاطئة  التي غرسها الاستعمار وعززها  الصراع  الوجودي  الطويل  .   ويركز  على  القيم  الإنسانيّة  المشتركة  ويتواءم  مع  روح  العصرِ  في  القَرن الواحد  والعشرين  وما  تفْرضه حقائقِ  عصر العولمة والثورة  المعرفية  والمعلوماتيّة  وقيم حقوق الإنسان وتطوّر الوعيِ الدولي بالحقوقِ الأساسِية  المتساوية   لجميعِ البشر في العيش الحر الكريم  .

فيسعى  إلى  بناء  منظومة قادرة على تحقيقه ،  بحيث  يجد  كل  فلسطيني على اختلاف  عقيدته  الدينيّة   وانتمائه  السياسي وجنسه  ومكان  عيشه  فُرصة واعدة   ومصلحَةً  شخصِيّة في الإسهام الفاعل  بتحقيقه .

 ويجِد  فيهِ  اليهودي الإسرائيلي ، أيضا ، عند  تحرره من  الفكر الاستعماري الصهيوني العنصري ،  مصلحة  آنية  ومستقبليّة ، بديلة عن تلك التي يعهده بها قادته "بالبقاء على حد السيف إلى الأبد "  تمكنه من التقاط  فرصة ممكنة  للعيش  الحر  الآمن  الكريم  وتشارك الوطن الواحد  مع أصحابه  الأصلِّيين في  إطار من  المساواة  التامة  أمام  القانون  .

 

وبذلك ، فإنّ المشروع النّهضوي التّحرري الفلسطيني النقيض للمشروع الصهيوني  يعي تماما  عدم جواز الخلط   بين الكيان  الاستعماريّ الصّهيونيّ  العنصريّ  الذي  يتوجب تكثيف  النضال ضده  لهزيمته  وإنهائه ،  وبين  الوقائع  الإنسانيّة  المسْتجدّة الناجمة عن  الغزوة  الاستعماريّة  الغربيّة   لبلادنا ،  ونجاحها  في  إنشاء مركز استيطاني  يهوديّ  فوق  أنقاض  الشعب الفلسطيني  يتولى حلّ  المسألة اليهودية  المتفاقمة  خارج الحدود الأوروربية من جهة  ،  ويشكل من جهة أخرى  قاعدة ارتكاز غربية  أماميّة ،  للحفاظ على المصالح  الحيويّة  للاستعمار الغربي   في  هذه المنطقة الجيو – استراتيجية  الأهم  لموقعها الفريد  وثرواتها الوفيرة  .

 

وينطلق المشروع  من إدراكه  بأن غالبيّة  يهود  إسرائيل ،  مثل  الشعب الفلسطيني ،  ضحايا   للمشروع الاستعماري الاستيطاني  الغربي  الصهيوني ، سبق  اقتلاع  معظمهم  بالقوّة  مِن أوطانِهِم  الأوروبيّة  الأصْلِيّة  بالتواطؤ  بين  النازية والفاشية والحركة الصهيونيّة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي  ، بعد أن تمّ إغْلاقِ كافَّة  منافذ  الهجرة  والهرب من المجازر ضدهم  لإجبارهم على  التوجه إلى  فلسْطين  بدعوى الوعد الإلهيّ ، وبادعاء  خلوها  من  السكان .   ثم التواطؤ لاحقا  مع  أنظمة  الحكم  التي  ولاها  الاستعمار على البلاد العربية من أجل  افتعال  الأزمات  مع  مواطنيها  اليهود  لاقتلاعهم من النسيج المجتمعي العربي  وتهجيرهم  إلى فلسطين ،  لتزويد الكيان  الاستيطاني الصهيوني  المستحدث   باحتياجاته  البشريّة ، وتمكينه ، بذلك ،  من إحكام  سيطرته  على الأراضي  الفلسطينيّة  التي  تم احتلالها بالقوة ،  وطرد غالبيّة  أهلها  خارجها  .

 

وعلى الرّغم  من وعيه  التام  بما  ألحقه الاستيطان اليهودي بالشعب الفلسطيني من مآس  وويلات ، إلا  أنه  يبدي الاستعداد  الكامل   لتجاوز  الماضي المرير من أجل  بناء  مستقبل  واعد ،  ويظْهر ، لذلك ،  جاهزيّةً  استثنائية  للتعامل الإنساني  الخلاق  الذي يليق بالمشاريعِ  النّهضوية  التّحررية  ، ولحل نهائي للصراع الوجودي القائم حاليّاً ، ويدعو  من أجل ذلك ، إلى إعادة النّظر فلسطينيّا  في  فكرَة الدّولة  القَوميّة  باعتبارها  شكلا  وَحيدا  لتحقيقِ الحرّيّة  والعودة  وتقريرالمصير للشعب الفلسطيني ، ويطالب  بالاستعاضة  عنها  بمفْهوم  الدّولة الوطنيّة، التي تتيح  للفلسطينين العودة إلى أرضِهم وممارسة حقوقهم التّاريخيّة  الثابتة  والعيْش الآمن  بحرّيّة  في وطنهم  وممارسة  حقّهم  في تقرير المصير ،  وتعترف ، أيضاً ، بحقوق المواطنة المكتسبة  ليهود إسرائيل  حصريا  (وليس عموم  اليهود )  في فلسطين ، عند تخليهم عن عقيدتهم الصهيونية الاستعمارية العنصرية  ، والقبول  بالعيش المشترك  في  دولة  ديموقراطية  عمادها المواطنة التي   تكفل  للجميعِ  حقوقا  (أصيلةً ومكتسبة ) متساوية   في العيش  الآمن  الحر الكريم  وتقرير المصير .  ويلتزم جميع مواطنيها  ببناء  دولة  مدنيّة  حديثة  وعصريّة   تحترم التّنوع  والتعدّديّة  دون تمييز عرقيّ  أو قوميّ  أوإثنيّ أو دينيّ  أو طائفيّ أو مذهبيّ أو في اللون ، أو النوع الاجتماعي إلخ... . ويلتزمون ، أيضاً ،  بتأسيس نظام  حكم  ديموقراطيّ  كفؤ  جامعٍ  مستوعب لكافّة مكوّنات المجتمع ، يحترم  التّمايز والخصوصيّات الثّقافيّة  للْأفراد  والجماعات على السّواء ، ويحمي  حقوقهم  ،  ويكفل لهم  الحرّيّات الأساسيّة ، بما في  ذلك حرِيّة المعتقد والعبادة  وممارسة الشعائر الدينيّة وحريّة الفكْر والتعبير ، ويضمن تساوي حقّ جميع أفراد المجتمع  بالمشاركة في الحياة السّياسيّة ، وفي إدارَة الشّأن العام  ، ويوفر  بيئة  قانونيّة  تنمويّة  محفزة  للنُّمو والتّقدم  والرّخاء الفردي والمجتمعي . ويكفل  العدالة المجتمعيّة ، ويؤمن   فرص وآليّات  تحققها ، ويضمن  سيادة القانون  واستقلال القضاء .

 

  ولذلك ، فهو   يطالب النخب الفلسطينية بالإسراع  في مغادرة موقع  المفعولِ  به  العاجز عن التّأثير الذي طال  مكوثنا  فيه  تحت ذريعة اختلال  موازين  القُوى .

 

ويدعوهم  للتّوقّف  عن  نهج  تخويف  الذّات ، بالتّهويل من أخطار المقاومة ، لأنّ ذلك  يُؤسِّسُ للخنوع  والاسْتِسْلام  ،  إذ  يعي  أن  التاريخ  الإنسانيّ   لم  يعرف  شعوبا  تحررت  من الاستعمار  بدون  مقاومة ،  ويطالب  ، في ذات الوقت ، بالامْتناع  عن الاستهانة بالمخاطر القائمة ،  لأنّ عدم  التحسّب الجادّ  للأخطار  يدفع   إلى التّهوّر ويقود إلى التّهلكة   .

كما  يدعو  القادة  إلى  التّوقف  عن مواصلة  القفز  بين مبادرات  وبدائل  تفاوضية

ليس  لها آفاق ،  خصوصاً   في ظل واقع  فلسطيني  منقسم  ومهترئ ،   وانهيار وتشظّ  عربي  غير مسبوق ،  وتسابق إقليمي  ودولي على  صياغة  نظام  شرق أوسطيّ  جديد ،  يلعب  فيه  الكيان  الصهيوني  الدور المركزي   .