النقد حاجةً وطنيةً فلسطينية

e-mail icon
النقد حاجةً وطنيةً فلسطينية
سمير الزبن
مقالات
-
الأحد, 14 شباط (فبراير), 2016

منذ انطلاقتها في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، احتكرت الفصائل الفلسطينية المؤتلفة في إطار منظمة التحرير "الوطنية الفلسطينية"، وصاغت معادلةً تقوم على أساس أن من يدخل في عضوية هذه الفصائل يكون "داخل الصف الوطني"، والذي يستقيل منها يصبح "خارج الصف الوطني". وبالتالي، عوقب عديدون من الأعضاء الذين تركوا هذه الفصائل بالتشهير والتخوين والاتهام بالعمالة لإسرائيل أو لسلطات أخرى، لمجرد أنهم خرجوا من فصائلهم لخلافات سياسية ومواقف نقدية. كانت هذه الصيغة فعالة في محاصرة الأصوات النقدية في التجربة الفلسطينية، بذريعة اتهامها بأنها أصوات الطابور الخامس الذي يحاول هدم التجربة الفلسطينية من داخلها. على الرغم من ذلك، كان منسوب النقد والنقد الذاتي في التجربة الفلسطينية، في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، أعلى بكثير منها في الوقت الراهن. 
رفضت فصائل العمل الوطني مجتمعة النقد، بذريعة أولوية المعركة مع العدو، وكثيراً ما استعارت الفصائل الفلسطينية الشعار المصري "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، باعتباره أداة قمع شديدة الفعالية في إسكات الأصوات النقدية التي لا تعجبها. والآلية الأهم التي تم اعتمادها، في ذلك الوقت، واستخدمتها "حماس" فيما بعد، وتستخدمها اليوم بطريقة أكثر حدة من السابق، هي الخلط المتعمد بين النقد الذاتي وجلد الذات. 
نقصد بالنقد الذاتي: نقد سياسات الفصائل ومنظمة التحرير ونقد سياسات حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بوصفها سياساتٍ لا تتناسب مع الأهداف الفلسطينية، وطبيعتها قضية تحرّر وطني من احتلال استيطاني، وبالتالي، نقد السياسات التي تجعل الفلسطينيين يدفعون ثمنها غالياً، من دون أن يحصلوا، في مقابلها، على منجزات على الأرض، أي نقد السياسات العدمية، أو الممارسات التي لا تخدم المصالح الفلسطينية من وجهة نظر المنتقدين لهذه السياسات. 
نقصد بجلد الذات: أن يُحمّل الفلسطينيون أنفسهم مسؤولية السياسات الإسرائيلية، لأنهم ارتكبوا أخطاء سياسية أو حتى خطايا، وبالتالي، اعتبار السياسات الإسرائيلية الاحتلالية ووحشيتها محقة. كأن نقول إن الموقف الفلسطيني الرافض قرار التقسيم الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947 يعطي الحق بإقامة دولة إسرائيل على أنقاض المجتمع الفلسطيني، في تبرير أن ما جرى لاحقاً كان نتيجة رفض الفلسطينيين ذلك القرار، وليس نتيجة العدوانية الصهيونية وطبيعة مشروعها الاستيطاني الاقتلاعي. 
الخلط بين النقد الذاتي وجلد الذات يجعل كل نقد لسلوك الفصائل التي تحتكر "الوطنية 
الفلسطينية" متهماً بأنه يخدم العدو، فلو تم اليوم القول لـ"حماس" إن أغلبية مطالبها المحقة برفع الحصار عن قطاع غزة اليوم كانت متحققة قبل الصراع الدموي الداخلي بينها وبين "فتح" قبل تسع سنوات، وذلك كله بفضل اتفاقات أوسلو بكل عيوبها، ولم نكن بحاجة لكل هذا الدم الذي سال خلال هذه السنوات، لا على يد الإسرائيليين، ولا في الصراع الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني، لنعود ونطالب بما كان متحققاً من قبل، فهل نصبح بهذا النقد نخدم العدو الصهيوني؟ طبعاً، لا يبرر هذا كله الحصار الإسرائيلي وغير الإسرائيلي لقطاع غزة. 
يشبه ما قامت به "حماس" قصة "الحاخام والعنزة" اليهودية، وجوهرها أن جعل الشروط أسوأ يجعل الوضع السيئ السابق يبدو كأنه الأفضل مطلباً وهدفاً، وهو ما يحوله إلى إنجاز. فقد تم وضع الفلسطينيين في شروط أسوأ، واليوم الهدف إخراجهم من هذا السيئ إلى الأقل سوءاً، إلى وضعهم السابق، وهو ما يُظهر الوضع الجديد بوصفه إنجازاً. لا يعني هذا النقد أن إسرائيل على حق في سياساتها العدوانية الاستيطانية، والأخطاء والحماقات الفلسطينية لا تبرّر الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين. وفي المقابل، ليس هناك قدسية لحركة المقاومة، وكل مقاومة قابلة للنقد، ولها حصتها من الأخطاء والسلوكيات الخاطئة، حتى تحت النار، فلا يدفع ثمن العدوان المقاتلون وحدهم، والذي يقع جل ثقله على المدنيين الذين يواجهون وحشية إسرائيلية منفلتة من عقالها وهم في العراء. 
إذا قلت اليوم إن الحرب الأخيرة كان يمكن تجنبها، وهي جاءت في وقتٍ لا يناسب الفلسطينيين على الإطلاق، وفي أسوأ شروط فلسطينية، ويجب تجنب أي حرب تشبهها، فهذا القول لا يجعل العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة محقاً، وهذا النقد لا يخدم العدو، كما تدعي "حماس" وأبواقها. عندما يحتكر طرف قرار الحرب، ولا يدفع ثمنه وحده، عليه أن يسمع كل النقد الذي يوجه له، حتى لو جاء هذا النقد تحت النار، فليس أعضاء "حماس" أو الجهاد الإسلامي، وغيرها من الفصائل، وحدهم من يدفع ثمن هذا العدوان. واليوم نرى جيداً أن من دفع الثمن الغالي للوحشية الإسرائيلية في ثلاثة حروب هم سكان غزة البسطاء والضعفاء والفقراء. وليست قدرة الصمود الفلسطينية الكبيرة مبرراً لذبح الشعب الفلسطيني، المرة بعد الأخرى، لإثبات وحشية إسرائيل، فلوحشيتها علامات على كل جسد فلسطيني، ولها ضحية في كل بيت فلسطيني. 
يبحث النقد الذاتي في الأخطاء التي ارتكبناها بحق أنفسنا، ومحاسبة أنفسنا على هذه الأخطاء التي ندفع ثمنها دماء، وكون من يسقطون شهداء لا يعني التعامل مع الأرواح البشرية بخفة، ومحاسبة الذات يجب أن تكون علناً. خاضت "حماس" حرباً مع السلطة الفلسطينية وطردتها من قطاع عزة، وقامت حرب طاحنة ودموية بين الطرفين للاستيلاء على السلطة، ويعود الطرفان إلى المصالحة مرةً بعد أخرى، من دون أي مراجعة من أي طرف، مراجعة تقول للبشر/ الضحايا، ما الذي جرى، ومن المسؤول عن الدم الذي سال في هذا الصراع؟ أما سياسة صفحة وطويت، فهي تُبقي كل عوامل الصراع الداخلي الدموي قائمةً، وقابلة للتجدد في أي وقت. 
يتم التصدّي لجلد الذات بوصفه تبريراً لسياسات إسرائيل وعدوانيتها. وحتى في هذه الحالة، لا يُقبل تكميم الأفواه وقطع الألسن ومنعها من الكلام، إنما بالنقاش والجدل مع هذه الأصوات. وارتكاب الضحية أخطاءً لا يعطي الجلاد الحق بذبحها. لكن، للضحية الحق في نقد سلوكها الخاطئ في مواجهتها الجلاد، بل هناك حاجة ضرورية وملحة اليوم لأن تراجع الضحية الفلسطينية تجربتها نقدياً.