انفصال الاحتلال عن الضفة

e-mail icon
انفصال الاحتلال عن الضفة
برهوم جرايسي
مقالات
-
الأحد, 21 شباط (فبراير), 2016

أظهرت سلسلة من المؤشرات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة، وجود أغلبية كبيرة جدا في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) مؤيدة لمخطط الانفصال من جانب واحد عن الضفة الغربية المحتلة، وتحويل التجمعات السكانية الفلسطينية إلى ‘كانتونات’ منفصلة عن بعضها ومحاصرة بجدار الاحتلال. كما تدل المؤشرات على احتمال إقامة ‘حكومة وحدة’ إسرائيلية لتنفيذ هذا المخطط، أو أن يكون المخطط محور انتخابات برلمانية مبكرة. ويبدو أن إسرائيل بدأت تتحرك على الساحة الدولية لتسويق مخططها، كما ظهر هذا في تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
وتبين من فحص أجريته لمواقف الكتل البرلمانية؛ إن كانت قد صرّحت بموقفها من هذا المخطط، أو من خلال منهجية كتل أخرى، أن ما بين 90 إلى 94 نائبا في الكنيست، من أصل 120 نائبا، وهم 88 % من نواب الكتل الصهيونية والدينية، يؤيدون هذا المخطط الاحتلالي، الذي من شأنه أن يزيد من تدمير حياة الشعب الفلسطيني في الضفة. إذ إن الانفصال سيكون من دون تنسيق، ومن دون الاعتراف بدولة فلسطينية؛ وستكون الضفة محاصرة من الجهات الأربع، وتبقى نسبة 70 % من مساحة الضفة بما فيها القدس، تحت سيطرة جيش الاحتلال. كما يشمل المشروع فصل 200 ألف مقدسي فلسطيني عن مدينتهم كليا، عبر جدار الاحتلال الذي يخترق أحياء المدينة، ودمّر سير الحياة الطبيعية فيها.
والتحول الأساس في الأيام الأخيرة، كان تبني أكبر أحزاب المعارضة ‘العمل’، لهذا المشروع الذي وضعته أشد أحزاب اليمين تطرفا منذ سنوات طويلة. في حين كان واضحا من خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الكنيست قبل أيام، أنه ليس فقط يتبنى المشروع، بل قال إنه أول من لوّح بشبيه له في العام 2009؛ وقال إن حزب ‘العمل’ يصل متأخرا إلى هذا الموقف.

وعلى ضوء النتيجة الحاصلة، فإن الاحتمال وارد بدرجة معقولة، بأن يبادر نتنياهو إلى تشكيل حكومة موسعة، يضم إليها حزب ‘العمل’ وكتلا أخرى، تسيطر على 75 % من مقاعد البرلمان وأكثر؛ مهمتها الأساسية الشروع بهذا المشروع، الذي من شأنه أن يشكل تدميرا كليا لإمكانية إقامة دولة فلسطينية، لسنوات طويلة، وسيجعل ملايين الفلسطينيين في الضفة يعيشون في سجن منقطع عن العالم. والاحتمال الآخر، هو أن يبادر نتنياهو خلال عام ولربما أكثر بقليل، إلى إجراء انتخابات مبكرة، تكون هذه الخطة أو خطة شبيهة أخرى، محور الانتخابات، وبعدها يبدأ تنفيذ المشروع.
ويلقى هذا المخطط معارضة، قد تكون حادة جدا، من أحزاب المستوطنين في الضفة، التي تدعو إلى فرض ما يسمى السيادة الإسرائيلية على كل فلسطين التاريخية، على أن يكون للفلسطينيين أدنى الحقوق المدنية؛ وبين تلك الأحزاب من يجاهر علنا بالطرد والتهجير الجماعي للفلسطينيين من وطنهم.
مؤشر آخر يجب أخذه بعين الاعتبار، هو تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لدى لقائها نتنياهو في برلين الأسبوع الماضي، إذ رددت المقولة التي باتت السائدة في الكنيست: ‘هذا الوقت ليس مناسبا لحل الدولتين’، وهي العبارة التي لوّح بها رئيس حزب العمل يتسحاق هيرتسوغ. ثم أضافت قائلة: ‘إنه مقابل هذا يجب اتخاذ خطوات كبيرة على الأرض’، من دون أن توضح قصدها، لكن الاعتقاد هو أنها سمعت عن المشروع من نتنياهو، وأن إسرائيل شرعت في تسويق المخطط عالميا.
يستغل الاحتلال الإسرائيلي أساسا الأوضاع الإقليمية، وأيضا الأجواء العالمية، ونظرة الرأي العام العالمي لما يجري في الشرق الأوسط، وامتداده إلى أوروبا، لتسويق أجندته. في وقت تغرق فيه أوروبا في أزمات عدة، منها اقتصادية، وأخرى القلق على أمن الشارع الأوروبي، ومسألة تدفق اللاجئين من آسيا وأفريقيا.
هذا التطور الجديد، الذي لا يمكن الاستهانة به، واعتباره مجرد فرضية، يتطلب حراكا فلسطينيا وعربيا موازيا، والاستفادة من مراكز قوى عالمية أخرى، من الممكن أن تقودها مصالحها إلى الاعتراض على المخطط الإسرائيلي المتبلور، والذي بالتأكيد ستبحث له إسرائيل عن غطاء دولي داعم.