بين الدستور والحاجة إلى ميثاق وطني جديد

e-mail icon
بين الدستور والحاجة إلى ميثاق وطني جديد
أنيس فوزي قاسم
مقالات
-
الجمعة, 1 آيار (مايو), 2009

 

قدمت هذه الورقة إلى ورشة "ركائز المصلحة الوطنية العليا" التي تعقدت في عمّان

يثور سؤال حاد في الأوساط الفلسطينية المسكونه بالهم الوطني حول حاجة الفلسطينيين حالياً إلى دستور أم إلى ميثاق وطني جديد. والحاح السؤال مرده- في ظني- إلى التخبط الذي وصلت اليه القيادات الفلسطينية، والتشرذم الذي اصاب اجنحة الحركه الوطنيه الفلسطينية وعدم قدرتها على انتاج كوادر جديده ورؤى جديده، ووقوع الجميع في نفق مظلم لا ضوء في آخره بفعل مسار اوسلو والانسلاخ عن الركائز الوطنية الثابتة.

I- الحاجة إلى دستور

إن الخيار بين الحاجة إلى دستور أو إلى ميثاق وطني، لا تحدده الرغبة الذاتيه، بل هناك شروط موضوعيه تحدد ان كان الشعب الفلسطيني بحاجه إلى دستور أم إلى ميثاق. ومن أهم الشروط الموضوعيه ان الدستور – عادة- هو العقد الاجتماعي لمجموعه من السكان استقرّت في منطقة جغرافيه محدده وقررت العيش معاً طبقاً لمنظومة من القيم، وقررت بناء وتطوير مؤسساتها التي تتولى توزيع الثروه والناتج الوطني بين اصحاب العقد الاجتماعي، وتتولى هذه المؤسسات كذلك صيانة وتطوير الحقوق والواجبات. يكون هناك دستور حين يكون هناك استقرار أو تدشين مرحلة استقرار أو الانعطاف بحالة استقرار لحالة استقرار اخرى.

 

ان الشروط الموضوعيه لكتابة دستور للشعب الفلسطيني ليست متوفره، اذ ان حوالي نصف هذا الشعب مازال في حالة شتات متواصل وانتقال مستمر، والنصف الآخر مازال في قبضة الاحتلال الاسرائيلي. وبالكاد يوجد فلسطيني في غير هذين المعسكرين.

 

أما ما سميّ بالقانون الأساسي في ظل السلطة الفلسطينية فقد كان تمريناً ذهنياً جديراً بالاحترام الاّ انه لا قيمة دستورية له وذلك لاسباب أهمها ان الحاله الفلسطينية التي كتب لها ذلك النظام الأساسي كانت حالة هلامية غير مستقره، وهي، وفي تعريف اتفاقيات اوسلو التي انتجت السلطة الفلسطينية، حاله مؤقته.

 

II- الميثاق القومي والميثاق الوطني

 

الاّ ان الفلسطينيين ادركوا مبكراً وضع الشتات الذي كان يعيش فيه اكثر من نصفهم، فابتكروا صيغة "الميثاق القومي الفلسطيني" الذي أفرغت فيه الركائز الوطنيه الأساسيه، حيث انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني في مدينة القدس في 28/ايار – مايو 1964 وصادق على الميثاق الذي اصبح العقد الذي انضوى تحته الفلسطينيون في كافة مشارب الارض وانشئت منظمة التحرير الفلسطينية. حدد الميثاق القومي الركائز العليا للشعب الفلسطيني. اذ ورد في مقدمة الميثاق ان الشعب آمن بحقه في "استخلاص وطنه وتحقيق حريته وكرامته... وفي السير قدماً على طريق الجهاد المقدس حتى يتحقق له النصر الكامل" كما برّر حقه في استخدام القوه بانه يستند إلى حقه "في الدفاع عن النفس واسترداد الوطن السليب بكامله" وهو الاستخدام للقوه المسموح به في ظل القانون الدولي الحديث، ويمضي الميثاق في ترسيخ الركائز العليا فأكد ان الواجب الاول للفلسطينيين هو "تحرير وطنهم" وان تحرير فلسطين "واجب قومي تقع مسؤولياته كاملة على عاتق الامه العربيه بأسرها.."، واعلن الميثاق ان "الصهيونيه حركة استعمارية"، و"حركة غير مشروعه"، وان اسرائيل ستكون "مصدر دائم للقلق والاضطراب في الشرق الاوسط خاصه" . " ومن المهم، على نحو خاص، ملاحظة ما ورد في الماده (24) التي نصت على ان " لا تمارس [منظمة التحرير الفلسطينية] أية سيادة اقليميه على الضفه الغربيه في المملكه الاردنيه الهاشميه ولا قطاع غزه ولا منطقة الحمه. وسيكون نشاطها على المستوى القومي الشعبي في الميادين التحريرية والتنظيميه والسياسيه والماليه." كما اكد الميثاق ان المنظمه " لا تتدخل في الشؤون الداخليه لأية دوله عربيه."

 

هذه الركائز الأساسيه كانت تستهوي الفئات الفلسطينية في مختلف اماكن تواجدها وعلى مختلف الأصعده والانشطه. وبمصادقة مؤتمر القمه العربي الاول المنعقد في الاسكندريه في أيلول/ سبتمبر 1964 على هذا الميثاق اكتسبت منظمة التحرير اول شهاده بمشروعيتها على مستوى الاقليم العربي الرسمي. كما ان ذلك مهّد للالتفاف الشعبي حولها، وان كان التفافاً بطيئاً في البدايات.

 

بعد هزيمة العام 1967 وظهور حركات المقاومه المسلحه، ولاسيما ظهور حركة فتح، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الرابعه في العام 1968، والتحقت هذه الحركات مع ممثلي جيش التحرير الفلسطيني بالاجتماع، وفرضت هذه العناصر الجديده تعديلات على مواد الميثاق، حيث اضيفت مواد وعدلت اخرى وحذفت مواد قديمه. ان ابرز هذه التعديلات هي تعديل اسم الميثاق، فأصبح "الميثاق الوطني الفلسطيني"، واضيفت مادة تعلن ان الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وتم حذف الماده (24) التي حظرت على المنظمه الممارسه السياديه على مناطق الضفه الغربيه وقطاع غزه ومنطقة الحمّه. اما التعديلات الاخرى، فان الصفه الأهم فيها هو التأكيد على الهويه الوطنيه الفلسطينية والشخصيه الفلسطينية. اما الركائز الأساسيه الاخرى فقد ظلت على حالها دون تعديل.

 

تجدر الاشاره إلى نقطتين جديرتين بالتعليق لأنهما تمسّان بعض الركائز الأساسيه. الاولى هي الاعلان عن ان الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للتحرير، وهذا تأكيد لم يكن ضروريا وليس دائماً صحيحاً أو متاحاً. ان هناك ادوات للنضال قد تكون – في بعض الاحيان وتحت بعض الظروف- أكثر فاعليه من استخدام السلاح. والانتفاضه الفلسطينية الاولى اكبر دليل على ذلك، لا بل ان شباب الانتفاضه الاولى اصروا على عدم استخدام السلاح رغم غواية الاسرائيليين لهم بذلك. لقد ادى هذا السلوك إلى نزع فاعلية الكثير من اسلحة الجيش الاسرائيلي بما في ذلك سلاح المدرعات والطيران. والظروف الدوليه السائده حالياً قد لا تتيح للمقاومه الفلسطينية استخدام السلاح، مما يعني نجاعة استخدام ادوات الحرب النفسيه أو الاعلاميه أو الاقتصاديه. ونعلم حالياً عن تأثير الحمله الدوليه لمقاطعة المنتجات الاسرائيليه والاستثمار في مشاريع اسرائيليه ونموّها، كما ندرك تأثير حملة المقاطعه الاكاديميه للجامعات الاسرائيليه.

 

اما النقطه الثانيه فهي الغاء الماده (24) مما يعني ان قيادة منظمة التحرير كانت تتطلع إلى ممارسة سياديه على هذه المناطق علماً ان الضفه الغربيه اصبحت جزءاً من المملكه الاردنيه، وقطاع غزه كان تحت الاداره المصريه، ومنطقة الحمه تحت الاداره السوريه. فهل كان لدى القياده تصوراً واضحاً عن تبعات هذا الموقف وعواقبه وتوقيته، بل واكثر من ذلك، المسؤوليه التي سوف تلقى على كاهل المنظمه بينما هي لم تحقق هدفها الرئيسي في تحرير وطنها السليب؟!

 

III- الممارسات العمليه

 

ان أخطر وأهم ما طرأ على الميثاق هو عدم تقيّد القيادات الفلسطينية بما ورد فيه من ثوابت وركائز. بل أصبح التطاول عليه والانتقاص من قدره أمراً يمارس دون وجل أو خجل، ودون قيام حركة احتجاج فعّاله في وجه هذا التطاول. وعلى سبيل المثال، فان البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني في مطلع حزيران/ يونيو من العام 1974 كان اخلالاً بالثوابت الفلسطينية. فالنقاط العشر التي مثلت البرنامج المرحلي تتضمن، ولأول مره، الاشاره إلى "اقامة سلطة الشعب الوطنيه المستقله المقاتله على كل جزء من الارض الفلسطينية التي يتم تحريرها." ان هذا التعديل كان امتثالاً للتغيرات التي طرأت بعد حرب اكتوبر 1973 وعقد مؤتمر جنيف، كما انه كان مؤشراً على استعداد منظمة التحرير للتأقلم مع المستجدات الدوليه. وفي دورته السادسه عشره، وافق المجلس الوطني المنعقد في الجزائر في شباط/ فبراير 1983 على قرارات قمة فاس (عقدت في 9/9/1982) التي طالبت بوضع الضفه الغربيه وقطاع غزه تحت اشراف الأمم المتحده كمرحله انتقاليه قبل ان يتم اعلانها دوله فلسطينيه. وفي مؤتمر الجزائر المنعقد في تشرين ثان/ نوفمبر 1988، اتخذ المجلس الوطني الفلسطيني قراراً اعلن فيه قيام دولة فلسطين على حدود العام 1967، اي انه تنازل عن تحرير كامل التراب الفلسطيني كما وردت في الميثاق، وتنازل عن اعتبار الصهيونيه حركة استعماريه وغير مشروعه ووافق على التعايش معها ولم تكن زيارة الرئيس ياسر عرفات إلى باريس في ايار/ مايو 1989، التي اعلن فيها ان الميثاق الوطني الفلسطيني اصبح Caduc ( واستخدم التعبير الفرنسي الذي يعني "عفا عليه الزمن") آخر تلك الانتهاكات.

 

أما أخطر مراحل الانحدار والتخلّي عن الركائز الفلسطينية فقد كانت في اتفاقيات اوسلو اعتباراً من اعلان المباديء الموقع في ايلول/ سبتمبر 1993، وليست انتهاءاً باتفاق واشنطن في ايلول/ سبتمبر 1995. وهي في مجموعها اتفاقيات حوّلت منظمة التحرير الفلسطينية من حركه ثورة شعب ملأت اسماع العالم واحتلت موقعاً في هيئة الامم المتحده لم يسبقها اليه اية حركة تحرر وطني، إلى مقاول من الباطن لسلطة الاحتلال. اذ أن فحوى هذه الاتفاقيات هو تحميل منظمة التحرير مسؤوليات أمن وحماية اسرائيل، وادارة شؤون السكان الفلسطينيين في التجمعات السكانيه مثل المدن والمخيمات ولاسيما في المناطق (أ)، دون ان تحصل المنظمه على اي من الحقوق التي ناضلت من أجلها. وللتدليل على أهمية هذه الاتفاقيات لاسرائيل وخطورتها على المنظمه، تجدر الاشارة انه حين قام رئيس منظمة التحرير الفلسطينية بالتقدم بطلب الانضمام كدوله عضو إلى الامم المتحده في ايلول/ سبتمبر 2011. قام وزير الخارجيه الاسرائيلي بتهديد المنظمه بانها اذا مضت في طلبها فان اسرائيل سوف تلغي اتفاقيات اوسلو. نهره ايهود باراك وذكّره بان ذلك سوف "يحمل اسرائيل مسؤولية رعاية 2.5 مليون فلسطيني." وقبل ذلك، حين قدمت اتفاقية اوسلو إلى الكنيست للمصادقة عليها، أعلن اسحق رابين، رئيس الوزراء الاسرائيلي آنئذٍ، بان هذه الاتفاقيه تشكل انتصاراً للصهيونيه.

 

ثم قامت القياده الفلسطينية بتنفيذ تعهد اعطته للحكومه الاسرائيليه بتعديل بنود الميثاق التي لا تتفق مع اتفاق اوسلو، وذلك بدعوة المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد في غزه في نيسان/ ابريل 1996 وبحضور الرئيس الاميركي بيل كلينتون، حيث تمّ شطب كافة الركائز الأساسيه للشعب الفلسطيني، ولم يعد للفلسطينيين ميثاقاً يجتمعون عليه أو يجمعهم عليه. وفوق ذلك كله، لم يحصل الفلسطينيون على اي مقابل من هذا التنازل المريع، ولا زالت منظمة التحرير الفلسطينية الخادم الأمين في منزل السيد المحتل.

 

IV- النتائج والتوصيات

 

ونشأ عن هذا التحلل في الميثاق الفلسطيني، تحلل في الفصائل المقاومه، حيث لم تعد تقاوم، بل انخرطت في عملية الفساد التي هي شرط عضوي للبقاء في ظلال اوسلو، وشاركت في توطين الفساد للاستفاده منه، وتناحر اكبر فصيلين على قضايا لا علاقة لها بالقضيه الوطنيه الكبرى، وفشلت كل محاولات التوفيق والمصالحه بينهما مما يدلل على ان الفصيلين يتفاوضان ويوقعان اتفاقيات ولكن بدون نوايا حسنه مما يؤسس للفشل عند لحظة التوقيع. فهل يحتاج الافراج عن معتقلي الطرفين، وكلاهما وقود الثوره والصمود، إلى اتفاقيات وترتيبات كما لو ان العمليه تتم مع العدو الاسرائيلي؟ وهل اعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية تحتاج إلى وساطات وصفقات وهي الوطن المعنوي لكل الفلسطينيين؟

 

ان العوده إلى اعادة صياغة ميثاق وطني جديد أمر واجب وممكن وقابل للتنفيذ والانجاز، ولكن ذلك يحتاج إلى شروط لنجاحه.

 

اولاً: هل يستطيع الفلسطينيون العوده إلى الميثاق القومي أو الميثاق الوطني دون الاطاحه بكل اتفاقيات اوسلو؟ واذا تمت الاطاحه باتفاقيات اوسلو، هل يطرح الفلسطينيون تحرير كامل التراب الفلسطيني ام الاكتفاء بالاراضي المحتله عام 1967؟ وهل بقي من تلك الاراضي ما يتسع لدوله قابله للحياه؟ ان هذا يحتاج إلى نقاش موسع ومعمق حتى يصل الفلسطينيون أو معظمهم إلى قناعة ما.

 

ثانياً: من المهم التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده. وهذه الوحده تتمثل في انتخاب ديمقراطي لممثلي الفلسطينيين في مجلس وطني جديد. وهناك محاولات جدّيه لاستخدام التكنولوجيا لاجراء الانتخابات ويقوم بهذه العمليه حالياً تجمعات شبابيه فلسطينيه في المخيمات والجامعات.

 

ومن المهم كذلك التأكيد على اعادة انتاج الماده (24) من المثياق القومي وابتعاد منظمة التحرير عن ممارسة أو طلب ممارسة اية سياده اقليميه في اماكن تواجد الفلسطينيين، ذلك ان الفلسطينيين الذين يحملون جنسيه اردنيه مازالوا يعانون معاناة شديده بسبب هذا الموقف الذي لا يجلب مغنماً للمنظمه لاسيما في مرحلة النضال السياسي قبل الوصول إلى مرحلة التحرير، بينما يستجلب مغارم عديده على السكان الذين لا حول لهم ولا قوه.

 

ثالثا: ان اعادة انتاج الثوابت الرئيسيه الوارده في الميثاق من جهة حق العوده واعتبار الصهيونيه حركة عنصريه استعماريه أمر في غاية الاهميه ذلك انها كذلك، وباعتبارها كذلك، فان المصالحه معها تتناقض مع كل القيم الانسانيه.

 

رابعاً: ان مقاومة الاحتلال لا تتم الاّ باتباع كافة اشكال النضال دون التقيد بشكل واحد أو باداة واحده. ان تطوير ادوات النضال يحتاج إلى خبرات متخصصه ومراكز قرار تستطيع ان تحدد نجاعة اداة نضاليه دون اخرى وذلك اعتماداً على الظرف المهيمن في تلك الفتره الزمنيه.

 

خامساً: ان احد أهم اسباب انحدار التجربه الفلسطينية السابقه/ الحاليه التي انتهت إلى الدرك الاسفل من النضال، كان غياب الديموقراطيه ومحاربة الرأي الآخر. واستلهاماً لتلك التجربه يجب بناء مؤسسات ديمقراطيه وتمارس فيها العمليه الديمقراطيه بعيداً عن الابويه.

 

سادساً: لا قيمة لكل هذه الركائز ان لم تتم اعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية على اسس عصريه تعكس صحة التمثيل، وديمقراطية اتخاذ القرار، والاعتماد على شعبها في حراكها السياسي.