تصويب استراتيجي

e-mail icon
تصويب استراتيجي
مهند عبد الحميد
مقالات
-
الثلاثاء, 10 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2017

ناقش «مركز مسارات» في مؤتمره السادس قبل يومين الخيارات الإستراتيجية الفلسطينية وسياسات العمل الوطني، وقد قُدِمت للمؤتمر مجموعة من الأوراق كان أهمها ورقة بعنوان «مقدمات لتفكير استراتيجي فلسطيني» للمفكر الأكاديمي د. خليل الهندي. 
الورقة خرجت عن المألوف في التشخيص والرؤية وفي طرح الأسئلة الصعبة بجرأة ومسؤولية، ضمن مقاربات ساخرة لا تخلو من دعابة وكانت فعلا «مقدمات لتفكير استراتيجي «تركت التفاعل» يتواصل بعد سماع وقراءة الورقة. 
توقفت الورقة أولاً عند الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث لا يمكن وضع أي تصور فلسطيني جديد، دون فحص الاستراتيجية الإسرائيلية المتبعة في الصراع أخذا بمبدأ الخصائص المتناقضة في تحديد القوة والضعف. 
ويرى  الهندي أن الاستراتيجية الإسرائيلية تتسم بالثبات والتماسك، وفي البدء زعزع الهندي مقولة شائعة مفادها، أن إسرائيل لا يمكن أن تظل دولة «يهودية وديمقراطية» فإما أن تصبح دولة مختلطة عربية - يهودية أو دولة غير ديمقراطية تقيم نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، وهو يرى أن الأمور راهنا  تبدو مختلفة تماما، ولا يمكن الركون  لهذا التقدير والبناء عليه، نظراً لقدرة إسرائيل على إحداث قطع مع الاحتمالين.
وهذا يعني أن تدمير حل الدولتين لا يقود إلى حل الدولة الواحدة بأكثرية أو بتوازن ديمغرافي. 
ومن عناصر الثبات في الاستراتيجية الإسرائيلية التي يستعرضها الهندي، استمرار الاستيطان بخط بياني صاعد وبزيادة مضاعفة، أثناء الحرب وبعد إبرام اتفاقات «سلام». 
والثبات على الموقف من مستقبل الضفة والقدس: و»الأوتونوميا» الحكم الذاتي للسكان غير القابل للتطور إلى دولة، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على الأرض ومواردها، والقدس عاصمة موحدة لإسرائيل دون أن يشاركها أحد في السيادة. 
وكشف أن اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو لم تتطرق، لما ستؤول إليه الأوضاع لو فشلت مفاوضات الوضع النهائي في الوصول إلى اتفاق ما يعني عملياً القبول باستمرار الوضع الراهن أي استمرار الاحتلال. 
وترى الورقة أن المتغير الإسرائيلي هو انعطاف المجتمع الإسرائيلي إلى «اليمين» كنتاج لعملية تاريخية متواصلة، لا تشمل المجتمع الإسرائيلي وحده، بل أيضاً الصهيونية واليهودية، وهذه العملية ناجمة عن المنطق الداخلي للصهيونية التي تدفع بالمجتمع الإسرائيلي إلى المزيد من التوحش والاستعلاء العرقي والتعصب والانغلاق. 
ويصل إلى استنتاج مهم هو أن المراهنة على تغير المواقف الإسرائيلية بتغير الحكومات مراهنة عقيمة، وأن تخيل إمكان قيام معسكر سلام إسرائيلي قادر في القريب وفي الأمد المتوسط هو مجرد وهم.

المحور الثاني: آليات السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية
بدءا بالسيطرة على الأرض كلها، وبالاستيطان، وشبكة الطرق، والوحدة الجمركية والسيطرة على السوق وعائدات الضرائب، والمساعدات الدولية، ونمو قطاعات لها مصلحة في استمرار الوضع القائم أو التسامح تجاهه، والمنظمات غير الحكومية، وسياسة كي وعي الناس بعبثية المقاومة،  وبهندسة الوعي لفكرة ديمومة الوضع الراهن، وبتوسيع العمالة الإسرائيلية في فلسطين وتضييقها حسب الظروف، وخلق قطاعات سكانية لها مصلحة في الوضع القائم، والسيطرة على البنى التحتية، المياه والكهرباء والاتصالات والطيف الكهرومغناطيسي، والمعابر كاملة، وسجل السكان.
ولم ينس الهندي الدور الذي تلعبه السلطة الفلسطينية الذي جعلها اتفاق أوسلو جزءا من منظومة السيطرة. ماذا تبقى إذا من عوامل وعناصر لم تستخدم في آليات السيطرة الإسرائيلية؟  نسي  الهندي القبضة الأمنية وبنوك المعلومات والكاميرات وأجهزة الاتصال والرقابة التي ترسل شبانا فلسطينيين يوميا إلى المعتقلات. 
المفارقة، أن معظم العناصر الفلسطينية التي تستخدم كآليات سيطرة تعتبر نفسها مناهضة للاحتلال وتعمل بشكل وبآخر ضد الاحتلال، فكيف يستقيم أن تكون ضد الاحتلال وجزءا من آلية سيطرته في وقت واحد. 
هذه دراما تقطع الأنفاس غير مختلقة ولا مبالغ فيها، فهي من مخرجات الاستراتيجية الإسرائيلية. ويتوقف الهندي عند الحلقة الأقوى في منظومة السيطرة وهي حشرنا نحن الفلسطينيين في وضع مسدود الآفاق، ويترتب على الخروج من الوضع الراهن في أي اتجاه أثمان باهظة، وكأننا دُفعنا إلى صعود سلّم عالٍ جداً، وكلّما صعدنا درجة سحب الاحتلال الدرجة التي دونها، إلى أن أصبحنا على رأس سلّم شاهق، وما من طريقة للنزول عنه دون تحطّم. 
ويخلص إلى أن تفكيك آليات السيطرة الإسرائيلية هو الشرط الشارط كي يكون إنهاء الاحتلال فعلياً لا اسمياً.
المحور الثالث وعنوانه طريق المفاوضات ومناشدة المجتمع الدولي طريق مسدود. ويقول إن إسرائيل تفضل استمرار الوضع الراهن لأن تكلفة حل الحدّ الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الفلسطينيون أعلى بكثير من تكلفة استمرار الوضع الراهن وأعلى من أية منافع يمكن أن تتأتى عن حل النزاع.  
وبالنسبة لفلسطين فإن محاولة رفع تكلفة استمرار الاحتلال إلى حدّ يرغم إسرائيل على إنهائه عن طريق مناشدة القوى المؤثرة، أي الولايات المتحدة وأوروبا، فتبدو غير واقعية، لأن النظام الدولي بقواه المؤثرة ليس مهتماً بحل الصراع، بل فقط باحتوائه. 
لا يستطيع المجتمع الدولي دائماً فرض الحلول، حتى لو أراد، فهو لم ينجح في حالات عديدة  مثل قبرص وكوسوفو والبوسنة وكشمير.
ويتوقف الهندي عند الاستراتيجية الفلسطينية المطلوبة ومرتكزاتها التي تبدأ بالتشاؤم الاستراتيجي الذي يفرضه عناد الوقائع السابقة، وبالنفس الطويل المبني على النظر إلى بعيد وربما إلى مدى تاريخي.
هناك حاجة إلى إعادة توجيه الجهد الفلسطيني نحو الأجل الأبعد وربما التاريخي، دون أن يستثني ذلك السعي إلى تحقيق أهداف وسيطة أو استيعاب تغيرات في المجال الفلسطيني أو العربي أو الدولي. 
يجدر أن ترتكز الاستراتيجية الفلسطينية على أن حل الدولتين محكوم بالفشل، ولكن قد لا يكون من الحكمة، ولفترة طويلة نسبياً، التخلي العلني عن مطلب إنهاء احتلال 1967، وذلك من منظور رفع تكاليف الغطرسة الإسرائيلية بفرض عزلة دولية نسبية على إسرائيل.
وليس من المصلحة الفلسطينية على المدى البعيد ترك الأمور على حالها إلى أجل غير مسمى. هناك ضرورة لتصورات خلاقة، كتطوير فكرة النضال من أجل دفع السلطة للامتناع تدريجيا عن التعامل مع الاحتلال في كافة المجالات، وتعمل على ضمان الأمن الفردي للناس، وتوفير بعض احتياجاتهم المعيشية الأساسية، في الوقت الذي تقود فيه نضالهم الفعلي ضد الاحتلال. ولا شك أن ذلك يتطلب تضحيات جسيمة من السلطة ومن الناس. 
النضال الفلسطيني محكوم بأن يكون طويل النفس وطويل الأمد هدفه إضعاف ركائز قوة المحتل وكسر إرادة الاستمرار لديه. 
أما العنف وخاصة ضد المدنيين، فإنه يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع بالمجتمع الإسرائيلي إلى مزيد من التوحش ويستنفر قوى الدعم الخارجي لإسرائيل.
إن شكل النضال الملائم هو مقاومة مدنية واسعة النطاق تشرك الشعب الفلسطيني كله وتعيد اللحمة التي تكاد تكون مفقودة بين مكوناته (الشتات، الضفة، القطاع، خلف الخط الأخضر)، ويكون من بين أسمى أهدافها الحفاظ على الهوية الجمعية للشعب الفلسطيني وعلى قيمه التحررية الإنسانية. 
إن إعادة اللحمة بين مكونات الشعب الفلسطيني المختلفة لها أهمية مركزية. الهدف المركزي للنضال في المرحلة الراهنة هو صدّ ثم دحر الاحتلال، الذي يجب أن يشارك فيه الشتات ومناطق 48، دون أن يتعارض مع النضال على أهداف المساواة وتغيير طبيعة الدولة الصهيونية وبالمثل، ربما لا يجوز أن يترك الشتات يواجهون مسائل ومشاكل ينبغي النضال من أجلها (كالحقوق المدنية والحريات).