تطـور البرنـامج السيـاسي لـ«فتـح»

e-mail icon
تطـور البرنـامج السيـاسي لـ«فتـح»
عاطف أبو سيف
مقالات
-
الثلاثاء, 8 آيار (مايو), 2012

قادت «فتح» النضال الوطني الفلسطيني طوال خمسة عقود، ونجحت في صبغ الخطاب السياسي الفلسطيني المتداول بنكهة خطابها، وحدّدت توجهاتها السياسية معالم العمل السياسي الفلسطيني، ساعدها في ذلك دورها الريادي في تفجير الثورة الفلسطينية المعاصرة وموقعها القيادي في مؤسسات منظمة التحرير الذي اكتسبته من شرعيتها الثورية والجماهيرية. إلا أن عاملاً ثالثاً ساهم في جعل الخطاب الفتحاوي خطاباً فلسطينياً، وجعل منه المادة الأساسية للخطاب الرسمي للدرجة التي بات يصعب فيها التمييز بين خطاب منظمة التحرير وخطاب «فتح». تمثل هذا العامل في مقدرة الحركة على التكيّف وتطويع خطابها السياسي وفق مقتضيات كل مرحلة، وتطويرها لمفرداتها السياسية وإجادتها التعامل مع السياقات الإقليمية والدولية، بحيث حافظت على الوجود السياسي الفلسطيني في أكثر اللحظات حلكة.

 

ساعدت طبيعة «فتح» غير الايديولوجية، خلافاً لمجمل التنظيمات الفلسطينية، في فهم الحركة السريع لواقع العالم السياسي المتغير، ما جعل قيادتها تدرك الحاجة للتكيف والاستفادة من أي متغير، إذ أن الجمود والتقوقع قد يخرج الفلسطينيين خارج دائرة الفعل السياسي، وبالتالي يضرّ بمصالحهم وسبل وفرص تحقيقها. كما أن «فتح» كانت تنجح في امتصاص أي مقترح وتطور في المواقف السياسية التي يمكن لبعض التنظيمات الفلسطينية تقديمها بحيث تتبناها وتصبح مشهورة أكثر على أنها جزء من برنامج «فتح» السياسي، والشواهد كثيرة على ذلك.

تحوّلات الخطاب السياسي

شهد الخطاب السياسي الفتحاوي انتقالات كبيرة وقفزات جوهرية عكست مرونة عالية في التعامل مع المستجدات والتحولات الإقليمية والعالمية. فالحركة التي بدأت المناداة بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ورأت في الكفاح المسلح الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك، انتقلت إلى مفهوم الدولة الديموقراطية لجميع مواطنيها، ومن ثم إلى اعتماد البرنامج المرحلي عام 1974 أو ما يعرف بالنقاط العشر الذي يرى وجوب إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أي جزء يتم تحريره من التراب الوطني حتى يصار منه إلى تحرير بقية هذا التراب. وسرعان ما انهمرت ثمار تبني «فتح» للحل المرحلي، حيث تم الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد، ودعي ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة عام 1974 وتعاظم التأييد العالمي للحقوق الوطنية الفلسطينية.

بعد ذلك، رأت الحركة أن من الضروري التعامل مع القرارات الدولية المتعلقة بالشرق الأوسط، خاصة القرارين 242 و338 اللذين يحددان مناطق الضفة الغربية وقطاع القدس (إلى جانب الجولان وسيناء في ذلك الوقت) كمناطق محتلة يجب على إسرائيل أن تنسحب منها، واجرت الحركة حوارات على مستوى السفراء مع الولايات المتحدة في نهاية الثمانينيات. إلا أن التطور السياسي الأهم في خطاب الحركة كان تبني خطة الدولة الفلسطينية على قطاع غزة والضفة الغربية، وتحديد هذه المناطق كهدف تجب إزالة الاحتلال عنه. وهو ما ظهر بوضوح في وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني في دورة المجلس الوطني بالجزائر عام 1988. في إثر ذلك قبلت الحركة، جارّةً معها منظمة التحرير، الدخول في مفاوضات سرية مع الحكومة الإسرائيلية أفضت إلى إعلان مبادئ عام 1994 تم بموجبه إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية في بعض المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتمددت هذه السلطة في الجغرافيا كما في الصلاحيات لتصير أقرب شيء امتلكه الفلسطينيون يشبه دولة، لكنه منقوص السيادة وليس بدولة كذلك. رأت «فتح» في تلك السلطة تجسيداً للحلم القديم الذي هدف إلى إقامة سلطة فلسطينية على أي جزء يتم تحريره بغض النظر عن الوسيلة التي يتم عبرها إنجاز هذا التحرير. وانهمكت الحركة بإدارة السلطة وبالحكم وإنشاء المؤسسات والأجهزة، وواجهت في ذلك معارضة إسلامية قوية، كما واجهت معارضة وطنية من داخل منظمة التحرير، فيما بدا أن تعثر عملية السلام وتراجع فرص تحقيق التسوية المنشودة جعل خصوم «فتح» يعلون من خطابهم السياسي، وبالتالي يحصدون المزيد من التأييد الشعبي، خاصة مع تصاعد الفرق بين رغبة السلام وإجراءات القمع.

مع اندلاع انتفاضة الأقصى وانخراط «فتح» في العمل الكفاحي المسلح، وإن بشكل غير رسمي عبر كتائب شهداء الأقصى، بدا أن مجمل الخطاب السياسي الفتحاوي في اهتزاز واضح، خاصة مع فشل مفاوضات كامب ديفيد ومحاصرة الرئيس ياسر عرفات ومن ثم استشهاده في «المقاطعة»، وتولي الرئيس محمود عباس الرئاسة وزعامة الحركة والمنظمة، حيث انتهج خطاباً سلمياً صرفاً ركز فيه على انجاز التسوية وعدم اللجوء إلى العنف، وهو ما ووجه بجدار الرفض الإسرائيلي الذي توصل «أبو مازن» إلى قناعة في ضوئه بعدم إمكانية تحقيق تسوية من دون وقف إسرائيل الكامل للاستيطان وإعلانها صراحة بأن مناطق الضفة والقطاع هي المناطق التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية التي هي نتيجة أي مفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

المؤتمر السادس والرؤية الجديدة

يسبق ذلك في الأهمية عقد المؤتمر السادس لـ«فتح» بعد عشرين عاماً من عقد المؤتمر الخامس، حيث شكل عقد المؤتمر العام السادس للحركة نقلة كبيرة في خطاب «فتح» السياسي، إذ لأول مرة تصدر عن مؤتمرات «فتح» وثيقة سياسية رسمية تعتبر من وثائق المؤتمر تحدد برنامجاً سياسياً للحركة بشكل واضح ومحدد. احتوت الوثائق السياسية للمؤتمر على مقدمة تاريخية جاءت في وثيقة منفصلة ركزت على سرد تعليلي لأهم التحولات التي طرأت على مواقف «فتح» السياسية خلال العقود الماضية. وتبقى الوثيقة المعنونة «البرنامج السياسي للحركة» أهم وثيقة سياسية صدرت عنه بجانب خطاب الرئيس «أبو مازن» في افتتاح المؤتمر الذي أقر نصه المؤتمرون كوثيقة من وثائقهم.

والبرنامج السياسي لا يقوم بتقديم قراءة مفصلة لتطور مواقف الحركة السياسية ودوافع التحولات في الموقف الفتحاوي وفي الأدوات والغايات، بل إنه يحدد الوسائل التي ستعتمدها الحركة لإنجاز غاياتها السياسية التي أقرها المؤتمر والمتمثلة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في المناطق المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس مع حل قضية اللاجئين وحفظ حقوقهم. و«فتح»، بغموض لا يمكن الجزم بسلبيته أو بإيجابيته، نجحت في القفز فوق دوائر الغموض حول ربط هذه الرؤية السياسية بأدبيات الحركة السياسية البكر التي وردت في وثائق الحركة السابقة، خاصة الفصول الأولى من النظام الأساسي السابق الذي يحدد أهداف الحركة وبرامجها، حيث اعتبرت هذه الأبواب جزءاً أصيلاً دون أن ترد في متن الوثائق الجديدة.

حدد البرنامج غاية المشروع الوطني الفلسطيني في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس مع تطبيق للقرار رقم 194 الخاص بعودة أو تعويض اللاجئين. وقام البرنامج بالتفصيل في قضايا تحقيق ذلك من خلال أهداف المفاوضات وضوابطها وآليتها. إلا أن الاستراتيجيات التي وردت في البرنامج تظل أهم ما جاء من مخرجات سياسية للمؤتمر، إذ ركز البرنامج السياسي على استراتيجيات أربع اعتقدت «فتح» أنها تشكل جوهر رؤيتها السياسية الحالية، تمثلت في: (1) النضال الشعبي المستمر والمتصاعد الهادف إلى فضح ممارسات الاحتلال ومقاومتها. وكان يتم استحضار تجربتي نعلين وبلعين ومناهضة جدار الفصل العنصري كنماذج ناجحة في ذلك، بجانب تطوير وسائل أخرى لتفعيل هذا النضال بما شمله بعد ذلك من مقاطعة المنتجات المصنعة في المستوطنات ومقاطعة العمل في تلك المستوطنات. (2) دفع الحراك الدولي السياسي والقانوني والاقتصادي الهادف إلى فضح ممارسات إسرائيل ومواجهة رفضها وتعنتها، بحيث يتم رفد النضال الشعبي بنضال قانوني وأممي، وكان يؤخذ من تجربة الفتوى القانونية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في لاهاي بخصوص جدار الفصل العنصري نموذجاً على نجاح ذلك. (3) تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية بصفتها صمام أمان في وجه المخططات الهادفة إلى تفتيت الجهد الفلسطيني، لقناعة «فتح» أن الانقسام ضار بممكنات تحقيق الأهداف الوطنية لذا يجب العمل على إنهائه. (4) بناء الـمجتمع الفلسطيني ومؤسسات السلطة الفلسطينية لتصبح مؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة.

سرعان ما عملت «فتح» بوضوح على تطبيق هذه الاستراتيجيات الأربع، حيث تم تثوير النضال الشعبي على مستوى المحافظات، وصار يرى أعضاء في اللجنة المركزية للحركة في مواقع التظاهر، بل إن الرئيس «أبو مازن» شخصياً شارك في حملة مقاطعة بضائع المستوطنات. أما على صعيد النضال الدولي، فإن مجمل أدبيات «فتح» التي رافقت استحقاق أيلول/سبتمبر أشارت إلى كونه ترجمة وفية لاستراتيجية الحركة بتفعيل النضال القانوني. كما جاء التوجه لإنجاز ملف المصالحة وعقد المزيد من اللقاءات مع حركة حماس والدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وثالثة على صعيد المجلس الوطني تطبيقاً للاستراتيجية الثالثة. خلال ذلك، تمّ عرض خطة تجسيد الدولة وبناء مؤسساتها التي تبنتها الحكومة الفلسطينية بتوجيهات من الرئيس محمود عباس. بدا واضحاً أن ثمة نقاطاً يجري العمل على الدفع باتجاهها، بحيث انشغلت «فتح» أكثر بتفاصيل هذه النقاط، خاصة مع تعثر محادثات التسوية ورفض الحكومة الإسرائيلية تمديد تجديد الاستيطان.

انتصار فكرة فتح

إن المشروع الوطني كما درجت العادة على تسميته، والذي هو جوهر غايات النضال الوطني الفلسطيني، والذي ارتسمت معالمه من خلال التطورات التي طرأت على برنامج «فتح» السياسي ورؤيتها وممارستها، يكاد يكون الآن نقطة التقاء كبرى عند جميع الفلسطينيين. فإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس صارت تمثل المكون الأساس في الخطاب السياسي حتى لخصوم «فتح» السياسيين في «حماس» التي أقرت ذلك في وثيقة الأسرى عام 2005، ومن ثم في اتفاق مكة، وبعد ذلك في اتفاق المصالحة في أيار/مايو 2011، على الرغم من بعض الاختلافات والتفسيرات الحزبية التي تأتي في إطار البحث عن التمايز الحزبي والتنافس.

ويبقى على «فتح» أن تحدّد وبدقة مستقبل رؤيتها السياسية، خاصة مع تعثر مشروع النضال القانوني في أروقة المؤسسات الدولية أمام الفيتو الأميركي والضغط الذي تمارسه واشنطن على الدول الأعضاء وانغلاق المنافذ المحتملة في ذلك، حتى لا تجد «فتح» نفسها ويجد المشروع الوطني برمّته نفسه أمام حائط مسدود. ومع كون البرنامج السياسي للحركة حظي بتغطية إعلامية خارجية، وإن كان ربما أقل وثيقة تعرضت للنقاش والتمحيص من أعضاء المؤتمر، فإن البرنامج غفل كل الوسائل الأخرى، وهو ما قد يشكل حصراً للإستراتيجيات وتقييداً للوسائل وضعفاً في أدوات القوة في حال تعثرت الخيارات الإسترايتجية المطروحة في البرنامج. وتأسيساً، فإن الحركة مدعوة للتفكير في تطوير برنامجها السياسي بما يكفل الاستجابة للمتغيرات والبحث عن سبل تفعليها، كي لا تتجمد المطالب السياسية الفلسطينية أمام جبروت القوة في المؤسسات الدولية.

÷ كاتب مقيم في غزة، رئيس تحرير مجلة «سياسات»، معهد السياسات العامة.