تقارب أنقرة مع موسكو وطهران وانعكاساته على الأزمة السورية

e-mail icon
تقارب أنقرة مع موسكو وطهران وانعكاساته على الأزمة السورية
ثائر رباح
تقدير موقف
-
الثلاثاء, 25 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2016

 

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*******

 مقدمة

بدأ الجيش التركي في 24 آب الفائت عملية عسكرية في منطقة "جرابلس" شمال سوريا. وقد أعلنت  تركيا أن هذه العملية العسكرية جاءت في إطار محاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ومواجهة التقدم العسكري للقوات الكردية في المنطقة، ومن أجل إنشاء منطقة عازلة على الحدود السورية التركية. وأسفرت هذه العملية، التي ما زالت مستمرة، وفي الوقت الذي أقر فيه البرلمان التركي استمرارها لمدة عام كامل، عن سيطرة "الجيش الحر" على مناطق واسعة ودحر "داعش" من الحدود والقوات الكردية إلى شرق الفرات.

سبقت عملية "درع الفرات" مؤشرات على تقارب بين تركيا من جهة، وكل من روسيا وإيران، وحتى إسرائيل، من جهة أخرى، ما يدل على تحوّل محتمل في السياسات التركية الخارجية. فقد بدأت أنقرة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتقديم الاعتذار إلى روسيا عن إسقاط الطائرة الحربية، العام الفائت، وتبعتها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى روسيا للقاء نظيره فلاديمير بوتين، ومن ثم قمة أخرى جمعت الرئيسين في تركيا يوم 10 تشرين الثاني الماضي أثناء انعقاد مؤتمر الطاقة العالمي.

كما ظهرت هذه التحولات في استئناف الاتصالات والزيارات الرسمية مع إيران. وما رافقها من فتور في العلاقات التركية - الأميركية بعد ما وُصف بالموقف الضبابي للولايات المتحدة تعقيبًا على الانقلاب الفاشل في تركيا في تموز الماضي، ورفض الولايات المتحدة تسليم تركيا رجل الدين المعارض، فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

إن هذا التحوّل قد ينعكس بشكل ملموس على الأزمة السورية، وقد يُلقي بظلاله على تسريع الحل بالتوافق مع روسيا وإيران، على ضرورة إنهاء الأزمة السورية ضمن حلول سياسية، وبتنازل أنقرة عن مطلبها الرئيسي منذ بداية الأزمة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد كشرط أساسي للحل، وموافقتها على بقائه لمرحلة انتقالية كطرف في الحل إلى حين ترتيب الوضع الداخلي السوري، وإجراء انتخابات رئاسية يختار فيها الشعب السوري قيادته المستقبلية.

لقراءة ورقة تقدير موقف أو تحميلها بصيغة PDF اضغط/ي هنا 

 علاقات أنقرة ودمشق

مرّت العلاقات التركية - السورية عبر التاريخ بتقلبات بين المدّ والجزر، كان يغلب عليها طابع التوتر في العلاقات بين البلدين، نظرًا للعديد من الأسباب الجغرافية، إذ تتشارك الدولتان بحدود طويلة كانت مزروعة بالألغام والرقابة المشددة، بالإضافة إلى أسباب سياسية، كان أبرزها وآخرها قبل بدء العلاقات الطيبة بين البلدين، استضافة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، التي كادت أن تشعل نزاعًا عسكريًا بين البلدين لولا تراجع الأسد في ذلك الحين عن إيواء أوجلان وإخراجه من دمشق.

شهدت الفترة ما بعد العام 2002، وهو العام الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية التركي إلى سدة الحكم، تحسنًا في العلاقات بين البلدين، وذلك انعكاسًا للسياسة الخارجية التركية الجديدة، حيث انتهجت أنقرة سياسية خارجية مغايرة تقوم على أساس "تصفير" المشكلات (أي إنهاؤها وجعلها صفر)، وتجسير العلاقات مع دول الجوار. "وشهدت هذه المرحلة تطورًا واضحا بين البلدين، رافقه توقيع اتفاقية إزالة الألغام على جانبي الحدود، وفتح المعابر الحدودية أمام السوريين والأتراك دون سمة دخول، وإقامة منطقة حرة ومشاريع صناعية وإنمائية وخدمية متعددة".[1]

لكن الأحداث التي شهدتها بعض الدول العربية في العام 2011، أو ما سمي بـ "الربيع العربي" الذي امتد إلى سوريا، كان له الدور الرئيسي في إعادة العلاقات المتوترة بين أنقرة ودمشق، نظرًا لموقف تركيا الداعم لـ"الثورة السورية" وأطراف المعارضة بكافة الأشكال السياسية والعسكرية، إضافة إلى قطع العلاقات الديبلوماسية مع دمشق وإغلاق سفارتها هناك، وموقفها المعلن بأن حل الأزمة السورية يتطلب رحيل الأسد.

مرت خمس سنوات على بداية الأحداث في سوريا، ولم تشهد تغيرًا في موقف أنقرة من رؤيتها في أن حل الأزمة السورية يتمثل في رحيل الأسد وبدعم قوى المعارضة السورية، لكن برزت الآن مؤشرات إلى أن هذا الموقف قد يتغير، إذ صرح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في مقابلة مع صحيفة "التايمز" البريطانية في 22/8/2016، أن "الجلوس على طاولة المفاوضات مع الرئيس السوري بشار الأسد لمناقشة المرحلة الانتقالية قد يسهّل عملية الانتقال السياسي في البلاد"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الأسد لا يمكنه البقاء في السلطة على المدى البعيد، وأكد على أن أنقرة ستستمر في دعم المعارضة السورية كطرف مهم في حل الأزمة السورية. كما شهد شهر آب المنصرم تدخلًا عسكريًا تركيًا في الأراضي السورية بزعم تطهير المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا من الجماعات الإرهابية المسلحة، ولمواجهة التمدد العسكري للقوات الكردية في المنطقة.

 

 العلاقات التركية – الروسية

"كانت العلاقات التركية- الروسية تاريخيًا عدائية غير سلمية، وتركت الحروب التي كانت قائمة بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية ذكريات مريرة لدى الطرفين".[2]

مع وصول حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة، عبر انتخابات برلمانية، وضمن سياسة "صفر" مشاكل، سالفة الذكر، حدث تقارب ديبلوماسي واقتصادي بين البلدين، وهو ما بدا واضحًا من خلال الزيارات المتبادلة التي قام بها كل من أردوغان، الذي كان يشغل رئيس حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء عبد الله غول، وفي المقابل، زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تركيا في العام 2004.

نتج عن هذه الزيارات توقيع العديد من الاتفاقيات بين البلدين على صعد عدة، سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، أدت بدورها إلى تقارب بين البلدين استمر لسنوات عدة بالرغم من وجود بعض الخلافات بشأن قضايا معينة، إلا أنها لم تؤثر بشكل جدي على العلاقة ما بين الدولتين إلا حين بدء "الربيع العربي"، وخاصة الأزمة السورية التي شكلت نقطة خلاف جوهرية بينهما، بسبب الموقف التركي من الأزمة، مقابل تمسك روسيا بدعم النظام السوري، ووقوفها إلى جانبه سياسيًا من خلال استخدام حق النقض "الفيتو" ثلاث مرات ضد إدانة النظام السوري في مجلس الأمن الدولي، وعسكريًا، وتحديدًا في العام 2015، عبر التدخل العسكري المباشر إلى جانب الجيش السوري في مواجهة قوى المعارضة المسلحة.

صاحب هذا التناقض في المواقف التركية والروسية تجاه القضية السورية، انتقادات متبادلة بين البلدين. فعلى سبيل المثال، انتقد أردوغان موقف روسيا من الأزمة السورية خلال المقابلة التلفزيونية مع قناة (NTV) التركية، حيث قال: "إن موقف روسيا تجاه الأزمة السورية يسمح باستمرار القتل هناك بلا هوادة". في المقابل، انتقدت وزارة الخارجية الروسية قرار مجموعة أصدقاء سوريا بشأن تسليح المعارضة السورية، قائلة: "إن قرار المعارضين الدوليين للرئيس بشار الأسد بتسليح مقاتلي المعارضة في سوريا سيعرقل المساعي الرامية إلى إيجاد حل سياسي سريع للصراع الدائر هناك".

تعمقت الأزمة بين روسيا وتركيا، بعد قيام القوات العسكرية التركية بإسقاط طائرة حربية الروسية فوق الأجواء السورية في تشرين الثاني 2015.

واشترط بوتين اعتذارًا تركيًا على إسقاط الطائرة لعودة العلاقات مع تركيا، وهو الأمر الذي قام به أردوغان من خلال إرساله رسالة اعتذار إلى روسيا عن إسقاط الطائرة، تبعها إلغاء العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضت على تركيا عقب حادث الطائرة، وزيارات رسمية متبادلة بين البلدين، خاصة بعد الموقف الروسي المعارض لمحاولة الانقلاب في تركيا في 15 تموز الفائت.

 

 العلاقات التركية – الإيرانية

تميزت العلاقات التركية – الإيرانية عبر التاريخ بالمنافسة والصراع بين البلدين في محاولة كل منهما فرض نفوذه على المنطقة. واستمرت العلاقة المتنافرة إلى حين وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، حيث أدت سياساته إلى استقرار العلاقات مع إيران رغم وجود بعض الخلافات أحيانًا.

تجلى التقارب التركي - الإيراني في ذلك الحين في إبرام اتفاقيات اقتصادية ما بين البلدين في مجال الغاز الطبيعي والنفط الإيراني، بالإضافة إلى توقيع اتفاقيات أمنية للتعاون فيما بينهما بشأن المسائل الداخلية ذات الآثار الأمنية العابرة للحدود، مثل قضية انفصال الاكراد.

استمر التقارب بين البلدين إلى حين اندلاع الأحداث في سوريا، وتبني كل منهما مواقف مناقضة للأخرى فيما يخص الوضع هناك، الأمر الذي وضع نهاية لفترة من التواصل العميق، إلا أنه في ذات الوقت لم يؤد إلى قطيعة كاملة بين الطرفين، ولا إلى مواجهة فعلية على الأرض.

حدث التغير في العلاقات التركية - الإيرانية عقب إدانة إيران لمحاولة الانقلاب الفاشل في تركيا، وأعقبتها زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى تركيا في شهر آب المنصرم، حيث التقى أردوغان، ووزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، الذي صرح قائلا: "تشاطرنا مع الجانب الإيراني مرة أخرى الأفكار حول سوريا، وسنعمل خلال المرحلة المقبلة على تقييم مثل هذه القضايا في إطار تعاون أوثق، سيما أننا أكدنا منذ البداية على أهمية الدور البناء لإيران من أجل التوصل إلى حل دائم في سوريا".[3]

 

 ماذا تغيـــــّر؟

إن تراجع تركيا عن مواقفها التي طالما تمسكت بها وأصرت على تحقيقها ليس غريبًا ولا مستبعدًا، ويتضح ذلك باتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل الذي كانت تركيا تصر من أجل إنجازه ربطه بشروط تتعلق بقطاع غزة، حيث كانت تشترط فك الحصار كليًا عن القطاع، وإقامة ميناء بحري وآخر جوي، إلا أنها أمام المصالح التركية العليا تنازلت عن هذه المطالب والشروط التي كانت تعتبرها أساسية.

هذه السياسة انعكست بما شهدته الفترة القريبة الماضية من تغير في التوجهات للسياسة الخارجية التركية، التي تجلت في توقيع اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل في حزيران الماضي، وبالتالي إنهاء فترة من القطيعة استمرت سنوات عدة بين البلدين. كما أن اعتذار تركيا لروسيا عن إسقاط الطائرة الحربية الروسية هو أيضًا مؤشر آخر على تغير التوجهات التركية.

جاءت محاولة الانقلاب العسكري لتسرع من وتيرة هذه التوجهات الجديدة في تعزيز التقارب مع كل من روسيا وإيران، في المقابل شهدت فتورًا في العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة التي اتهمتها تركيا بدعم الانقلاب ورفضها تسليم غولن، علاوة على انقطاع العلاقة مع مصر بعد إزاحة حكم الإخوان المسلمين هناك، ومع العراق بعد محاولة دخول الجيش التركي إلى مناطق شمال العراق، والتقارب التركي مع السعودية، وتصاعد التوتر التركي مع الاتحاد الأوروبي بعد رفض ضم تركيا إلى الاتحاد، وبسبب تدفق اللاجئين إليها، الأمر الذي حدا بالسياسة الخارجية التركية إلى السعي لإعادة الاعتبار لإستراتيجية "صفر مشاكل".

وحرصت تركيا على تحقيق التقارب مع روسيا لأهداف اقتصادية لما قد ينتج من آثار اقتصادية سلبية على تركيا نتيجة فرض روسيا عقوبات اقتصادية وتجارية عليها بعد حادثة الطائرة، بالإضافة إلى قناعتها بأهمية الدور الروسي في الأزمة السورية بصفتها اللاعب الأبرز بعد التدخل العسكري وتراجع الدور الأميركي.

تزامنًا مع إعادة العلاقات مع موسكو، انتهجت تركيا ذات التوجه مع إيران، التي تشاركها المصلحة في الحفاظ على سوريا موحدة ومواجهة كل محاولات التقسيم لصالح إقامة إقليم كردي في المنطقة، وخاصة بعد زيادة فاعلية الأكراد ودورهم على الأرض السورية بعد الدعم الروسي والأميركي، الأمر الذي شكل أحد الأسباب الرئيسية في اتخاذ أنقرة قرارها بالتدخل العسكري في سوريا. ولم تكن تركيا "لتجرؤ" على التدخل العسكري داخل الأراضي السورية لولا التقارب مع روسيا والشراكة مع إيران في هذا الموقف، الذي يعتبر مقدمة للمفاوضات لفرض تركيا نفسها كطرف في الحل النهائي للأزمة السورية.

وقد تكون زيارة ولي العهد السعودي محمد بن نايف بن عبد العزيز إلى تركيا في 29 أيلول/سبتمبر الماضي، كأول زيارة لمسؤول سعودي إلى أنقرة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، وبعد يوم واحد من زيارة ثانية قام بها ظريف، وقبل عشرة أيام من زيارة بوتين، إحدى جولات أنقرة في رسم سياساتها الخارجية الجديدة حول المنطقة، وسعيها لحشد الدعم الإقليمي لها لإقامة المنطقة "الآمنة" شمال سوريا.

قد تسعى تركيا، وتحقيقًا لمصالحها في وحدة الأراضي السورية وعدم تقسيمها، إلى تلطيف الأجواء بين الرياض وطهران، وتلعب دور الوسيط بين البلدين ليكونا قوة عسكرية (إيران في منطقة العراق) واقتصادية (السعودية) داعمة للمصلحة التركية في مواجهة المشروع الكردي. كما أن رغبة تركيا في لعب دور رئيسي في حل الأزمة السورية قد تدفعها إلى محاولة لتقريب وجهات النظر بين السعودية وإيران باعتبارهما لاعبين أساسيين في الأزمة السورية.

نظرًا لكل ذلك، وبالإضافة إلى أن تركيا وبعد عملية "درع الفرات" قد فرضت نفسها بقوة بلعب دور أساسي في حل الأزمة السورية، فقد يكون في التقارب التركي الروسي والإيراني بداية لمرحلة جديدة في التعامل مع الأزمة السورية، بتوافق مشترك بين جميع الأطراف (ربما تكون السعودية جزءًا منه بجهود تركية) على مرحلة انتقالية يبقى فيها الأسد على سدة الحكم، ويرافقها تشكيل حكومة وحدة وطنية مشكلة من جميع الأطياف السورية والأحزاب المعارضة، إلى حين تسوية الأوضاع وإجراء انتخابات ديمقراطية برقابة دولية يختار الشعب السوري قيادته المستقبلية.

ويدلل على ما سبق تصريح بوتين في المؤتمر المشترك مع أردوغان في قمة سان بطرسبيرغ، حول وجود هدف مشترك لموسكو وأنقرة يتمثل بتسوية الأزمة السورية، حيث قال: "انطلاقًا من هذا الموقف المشترك سنبحث عن حل مشترك مقبول، وإننا ننطلق من استحالة التوصل إلى تحولات ديمقراطية إلا بالوسائل الديمقراطية، هذا هو موقفنا المبدئي".[4] وذلك مقابل تغاضي روسيا عن مساعي تركيا في إنشاء المنطقة العازلة ووقف دعمها للمطالب الكردية.

 


[1] في العلاقات السورية التركية، مركز الروابط للبحوث والدراسات، 13/9/2016، تاريخ الوصول 30/9/2016 http://rawabetcenter.com/archives/32013

[2] معمر فيصل خولي، العلاقات التركية-الروسية، ط1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة وبيروت، 2014.

[3] تركيا تتحدث عن تكثيف التعاون مع إيران حول سوريا، روسيا اليوم، 12/8/2016، تاريخ الوصول 9/9/2016
 https://arabic.rt.com/news

[4] بوتين: أهداف روسيا وتركيا في سوريا متطابقة، روسيا اليوم، 9/8/2016، تاريخ الوصول 9/9/2016
 https://arabic.rt.com