تكمية السياسة

e-mail icon
تكمية السياسة
وليد عبد الحي
مقالات
-
السبت, 15 آب (اغسطس), 2015

كثيرا ما يدور الجدل في الشارع ووسائل الإعلام العربية حول المفاضلة بين نظام سياسي عربي وآخر، أو حول تقييم حاكم عربي أو آخر، لكن اغلب هذه المفاضلات تكون أسيرة ثلاثة أنماط من التقييم للنظم أو الأشخاص:

أ‌- أحادية المعيار: أي الاستناد لمعيار واحد واعتباره كاف لتفضيل نظام أو حاكم على آخر، وفي رأيي أن هذا لا يكفي للحكم العلمي في المفاضلة، لذا لا بد من الالتزام بقدر كاف من المعايير وفي فترة زمنية متقاربة بين النظم.

ب‌- تعدد المعايير ولكن بأوزان متساوية، أي أن المفاضلة تقارن بين النظم السياسية أو الحكام على أساس معايير متعددة(تجنبا لأحادية المعايير)، ولكنها لا تضع أوزانا للمعايير وتتعامل معها كما لو أن عدالة توزيع الدخل تتساوى مع تشجيع الرياضة..لذا لا بد من تقسيم المعايير استنادا لأوزان محددة، فهناك معايير حاكمة وأخرى مساعدة وثالثة هامشية.

ت‌- التعصب الآيد ولوجي أو المذهبي أو التنظيمي أو الجهوي على غرار "وما أنا إلا من غزية إن غوت...".
لذا يجب ان يستند النقاش لنموذج قياس ومفاضلة على أساس تحديد المعايير (السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، ثم وضع أوزان لكل معيار، ثم قياس ما أنجزه كل نظام أو حاكم في فترة حكمه ، مع ضرورة اخذ المعايير في إطار نموذج تحليلي متكامل.

فمثلا: يمكن أن نقارن النظم أو الحكام على أساس:
أولا :مؤشرات اجتماعية: ( على سبيل المثال لا الحصر)

1- كم كانت نسبة الأمية عندما تولى الحاكم الحكم وكم هي الآن، ثم نقيس نسبة التغير(ونقارن مع الآخرين من النظم أو الحكام)
2- نسبة الجريمة الاجتماعية في السنة(المخدرات، السرقة، القتل،الدعارة، ...الخ)
3- نسب التفكك الأسري(الطلاق، التشرد، اطفال الشوارع..الخ)
4- نسبة الانفاق على البحث العلمي
5- نسبة الكتب المترجمة في داخل الدولة
6- نسبة الحريات الإعلامية
7- معدلات الفساد الإداري والاقتصادي
8- مؤشرات العولمة الاجتماعية

ثانيا: مؤشرات اقتصادية:( على سبيل المثال لا الحصر)

1- معدل النمو الاقتصادي ومستوى دخل الفرد(كم كان عند تولي النظام السلطة وكم هو الآن)
2- كم كانت عدالة توزيع الدخل(Gini Index) وكم هي الآن ، ثم نقيس نسبة التغير سلبا أو إيجابا
3- كم كانت نسبة الصادرات للواردات
4- كم كانت نسبة المساحة المزروعة وكم هي الآن
5- حجم الديون الخارجية والداخلية
6- نسبة الاعتماد على المعونات الخارجية قياسا لإجمالي الناتج المحلي
7- نسبة البطالة والتضخم
8- مؤشرات العولمة الاقتصادية

ثالثا: مؤشرات سياسية: (على سبيل المثال لا الحصر)

1-نسبة الاستقرار السياسي مقاسا ب: عدد مرات التغيير الحكومي ، العنف السياسي، محاولات الانفصال، الاغتيال السياسي، التغير في النخب الحاكمة...الخ.
2-الحريات السياسية: كم عدد الأحزاب، النقابات، السجناء السياسيين ..الخ
3- مؤشرات الحكم الرشيد( بعض النماذج تعتمد على عشرات المؤشرات لهذا الجانب مثل نزاهة الانتخابات، استقلالية القضاء، التوازن الجهوي، تداول السلطة...الخ)
4-درجة تدخل المؤسسات الأمنية والعسكرية في صنع القرار السياسي
5- الحروب الخارجية
6- السيطرة الطائفية أو المذهبية او الجهوية على المراكز العليا
7- الفساد السياسي
8-مؤشرات العولمة السياسية

ورغم إقراري بالملابسات المنهجية وبدرجة توفر المؤشرات (وهو أمر ناقشته كثيرا) فإن الخطوة الضرورية هي في وضع نموذج قياس يقوم على عدد كاف من المؤشرات،بعد ذلك نقوم بوضع أوزان لكل مؤشر، ثم نحسب نسبة التغير في كل مؤشر استنادا لتقسيم مجموع نقاط التغير على عدد سنوات الحكم للنظام او الحاكم، وهو ما سيكشف لنا الفروق بين الانظمة او الحكام، وحينها يمكن القول بان نظام ما حقق نتائج أفضل من الآخر، مع ضرورة مراعاة بعض المتغيرات الخاصة بان يكون القياس في فترات عادية وأخرى غير عادية(لا يجوز مقارنة وضع بلد في حرب أهلية مع أخرى في حالة عادية)..
أرأيتم أن عملية المفاضلة بين النظم والحكومات أعقد كثيرا من " غزية إن غوت"...ربما.