توصيات لإعادة بناء المشروع الوطني ووضع إستراتيجية عمل للمرحلة القادمة

e-mail icon
توصيات لإعادة بناء المشروع الوطني ووضع إستراتيجية عمل للمرحلة القادمة
المؤتمر السنوي
-
الجمعة, 16 كانون اﻷول (ديسمبر), 2016

 

في ختام مؤتمر "مسارات" الخامس

توصيات لإعادة بناء المشروع الوطني وتبني إستراتيجية عمل للمرحلة القادمة

 

البيرة، غزة (وطن للأنباء): دار حوار عميق بين مختلف الأطياف الفكرية والسياسية والمجتمعية الفلسطينية حول إعادة بناء المشروع الوطني، على أمل أن يشكل محطة لنقل التفكير الإستراتيجي الفلسطيني إلى مستوى أكثر عمقًا وتقدمًا في البناء على ما أنتج خلال المرحلة الماضية من رؤى وتصوّرات تتعلق بالمشروع التحرري الفلسطيني، وكيفية الانتقال من النقطة التي يقف فيها الفلسطينيون اليوم إلى النقطة التي يرغبون في الوصول إليها، وكيفية تحقيق ذلك.

جاء ذلك خلال أعمال المؤتمر السنوي الخامس لمركز مسارات حول "إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني"، الذي استمر ليومين متتاليين، في قاعات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في البيرة وغزة عبر تقنية الاتصال المرئي "فيديو كونفرنس"، وسط حضور المئات من السياسيين والأكاديميين ونشطاء المجتمع المدني والشباب.

ونظّم المؤتمر برعاية كل من: مجموعة الاتصالات الفلسطينية (الراعي الرئيسي)، وبنك القدس، ومؤسسة فلسطين للتنمية، والدكتور نبيل القدومي، والدكتور محمد المسروجي، ومؤسسة الناشر، ومؤسسة منيب رشيد المصري للتنمية.

 صور من المؤتمر

الافتتاح

وافتتح المؤتمر بكلمة ترحيبية من ممدوح العكر، رئيس مجلس الأمناء، وبكلمة المؤتمر ألقاها هاني المصري، مدير عام المركز.

وقال د. ممدوح العكر، رئيس مجلس أمناء مركز مسارات إنه ليس من قبيل الصدفة أو المبالغة أن اختار مركز "مسارات" عنوان المؤتمر "إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني"، فمن نافلة القول إن الحركة الوطنية الفلسطينية فقدت بوصلتها وضلت طريقها كحركة تحرر وطني، وذلك منذ التوقيع على اتفاقي أوسلو الذي أوصلنا إلى التيه الذي نحن فيه.

وأضاف: "من المفارقة الغريبة والمفزعة في ذات الوقت أن نكبة العام 48 بفقدان القسم الأكبر من وطننا وما صاحبها من تهجير قسري لشعبنا، لم نحتج لبضع سنين كي نستفيق من هول الصدمة ونبدأ خطانا على بوصلة التحرير والعودة".

وأوضح أن بعد احتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية في العام 1967 لم نحتج لأكثر من شهور معدودات لبدء المقاومة وانتزاع منظمة التحرير من هيمنة الأنظمة العربية لتصبح ممثلاً للأطياف الفلسطينية، وتحمل برنامج تحرر وطني يتماهى مع حركات التحرر الوطني المعاصرة، لكننا تخلينا طواعية من خلال اتفاق أوسلو عن مشروعنا الوطني في إنهاء الاحتلال والتحرير والعودة. مبينًا أنه "من المفارقة الخطيرة أنه قد مضى علينا الآن أكثر من 23 عاما ولم ندرك بعد أننا فقدنا البوصلة ولم ندرك أيضًا مدى التيه الذي وصلنا إليه بعد أوسلو".

وقال العكر "يكفي أن نسأل أنفسنا أسئلة للوم: ماذا يعني اعتراف منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود؟ وماذا يعني تعهد منظمة التحرير بالتخلي عن العنف والإرهاب بما يصف تاريخ النضال والمقاومة بالعنف والإرهاب؟ ماذا يدعى عدم الإصرار على وقف كافة النشاطات الاستيطانية وتأجيل البت في الاستيطان إلى مرحلة الحل النهائي التي قد تأتي ولا تأتي والواضح أنها لن تأتي؟، وماذا يدعى قبول عدم شمول القدس ضم ترتيبات المرحلة الانتقالية، مع أن القدس عروس عروبتنا العاصمة الأبدية لدولتنا؟ وماذا يدعى تقسيم أرضنا إلى "أ، ب،ج"؟ وماذا يدعى التخلي عن الممر الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية واستبداله بالممر "الآمن"؟ وماذا يدعى بروتوكول باريس سوى تكريس ارتباط اقتصادنا بالاقتصاد الإسرائيلي، وماذا يدعى تخلينا عن مطلبنا الذي كان متاحًا للإفراج عن أسرانا؟ وماذا يدعى إقامة سلطة نسميها وطنية تحت الاحتلال تقف سداً حائلاً بين شعبنا والاحتلال؟.

وختم حديثه بالقول "إننا بأمس الحاجة لإعادة بناء المشروع الوطني، وهو يعني بناء الفكر والأداة والقيادة للتصدي للمشروع الصهيوني العنصري".

أما هاني المصري، مدير عام مركز مسارات، فقال إن المركز اختار "إعادة بناء المشروع الوطني" عنوانًا لمؤتمره، لأنه بعد 23 عاما على توقيع اتفاق أوسلو والإصرار على التمسك بالنهج الذي أدى إليه رغم النتائج الكارثية المترتبة عليه لم يعد المشروع الوطني واضحا ولا متفقا عليه.

وتساءل: "هل المشروع الوطني: التحرير والعودة، أم حق تقرير المصير وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967، أم إقامة دولة مع تبادل أراضٍ وحلٍ متفقٍ عليه لقضية اللاجئين، أم دولة واحدة ثنائية القومية أو إسلامية أو أي صيغة أخرى من الصيغ المطروحة، أم أن المشروع الوطني يعني قبول الأمر الواقع والاستسلام له والعمل على تحسينه ليس أكثر؟".

وقال: من الملاحظ من خلال التباين في المشاريع الوطنية المطروحة أن هناك من يميل إلى التمسك بالحقوق التاريخية والرواية التاريخية وإهمال الواقع والمصالح الحياتية، وهناك من يميل إلى الدعوة لقبول الممكن و"إنقاذ ما يمكن إنقاذه" وأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان وإهمال الحقوق والمبادئ؟ أعتقد أن المشروع الوطني لا يمكن إلا أن يجمع ما بين التمسك بالحقوق الوطنية التاريخية والحل النهائي الجذري الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بهزيمة وتفكيك المشروع الاستعماري الاستطياني الاحتلالي العنصري الإحلالي وإنهاء نظام السيطرة والتحكم والامتيازات لليهود وإقامة دولة واحدة يعيش فيها العرب واليهود جنبًا الى جنب، معترفًا بهم كمواطنين  وجماعات، وبين الاتفاق على تعزيز الصمود وتأمين الكرامة والحقوق  الوطنية وعى حل مرحلي يتضمن أقصى ما يمكن تحقيقه في ظل المعطيات وموازين القوى القائمة محليا وعربيا وإقليميًا ودوليًا، على أساس فهم السياسة باعتبارها  "من أفضل الممكنات" وليس "من الممكن" الذي يؤدي إلى قبول الواقع كما هو وليس التعامل معه بهدف تغييره، واعتبار ما يتحقق خطوة على طريق تحقيق ما هو مطلوب.

وبيّن المصري أن البرنامج السياسي الذي يمكن التمسك به كحل مرحلي، كبرنامج الحد الأدنى، يقوم على ركائز عدة: أولها، حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني كحق ليس مطروحاً للتفاوض، وثانياً، حل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً بما يضمن العودة والتعويض استناداً إلى قرار 194، وثالثاً، إنجاز المساواة وتحقيق الحقوق الفردية والقومية لشعبنا في الداخل، ورابعاً، الدفاع عن حق الوجود والحركة والحياة والحقوق المدنية والوطنية لجماهير شعبنا الفلسطيني في مخيمات وأماكن اللجوء والشتات.

وأعلن المصري أن المركز استطاع خلال هذا العام الحصول على دعم مقداره 170 ألف دولار، بما في ذلك الدعم الذي قدم لرعاية هذا المؤتمر، وهو لا يشمل الدعم الذي يقدمه داعمو المركز، وعلى رأسهم مؤسس المركز السيد عبد المحسن القطان، ولا الدعم الذي يقدم للبرامج التي ينفذها المركز بالتعاون مع مبادرة الإدارة الأزمات الفنلندية ومؤسسة هينربش بول الألمانية وغيرهما من المؤسسات الشريكة.

 

أهداف وإستراتيجيات تحقيق المشروع الوطني

وناقشت الجلسة الأولى التي ترأسها كل من سعد عبد الهادي، رئيس مجلس إدارة مركز مسارات، وصلاح عبد العاطي، مدير مكتب المركز في غزة، "أهداف وإستراتيجيات تحقيق المشروع الوطني"، وقدم خلالها د. نديم روحانا، مدير مركز مدى الكرمل، ملاحظات حول التحرر من النظام الكولونيالي الاستيطاني، حيث ركز على سؤال إمكانية التخلص من الكولونيالية الاستيطانية في فلسطين؟ في محاولة للمساهمة في تحديد بعض معالم مشروع تحرري يقود نحو التخلص من الكولونيالية الاستيطانية والتحول نحو نظام ديموقراطي حقيقي.

وأشار إلى أنه "من الصعب تعريف معالم أي مشروع سياسي تحرري فلسطيني من دون تحديد معالم المشروع الفكري الذي يدعمه، وقدم الأسس النظرية والمفاهيمية والسياسية والأخلاقية، ويرشد المشروع السياسي ويؤثر على اختيار الإستراتيجيات المناسبة لتحقيقه. وفي حالة شعب مجزأ، اقتلع جزء من أرضع ولا زال في الشتات، ويقبع جزء آخر تحت الاحتلال، ويتمتع جزء بمواطنة ينطبق عليها وصف المواطنة الكولونيالية، فإن غياب المشروع الفكري التحرري مثير للاستغراب".

وتساءل: هل نعرّف التحرر على أنه يعني قيام دولة فلسطينية أم معناه تحرر الشعب كله من النظام الكولونيالي؟ وإذا كان التركيز على التحرر من النظام الكولونيالي الاستيطاني، فماذا يعني ذلك لتعاملنا مع الصهيونية ومع إسرائيل الصهيونية".

وقال إن ما نقصده بتفكيك المشروع الاستيطاني هو تقديم بديل يستحق أن يساهم كل فلسطيني في النضال من أجل تحقيقه وتطوير إستراتيجيات لتحقيقه، كما إن فكرة التحرر الفلسطيني هي نقيض لفكرة الصهيونية، وقد أدركت الصهيونية ذلك منذ بداياتها الأولى، وصارت أكثر اقتناعا في المراحل الأخيرة، ولذلك فإن مشروع التحرر الوطني الفلسطيني هو نفسه مشروع تفكيك المشروع الاستيطاني، ويشمل: مشروع تحرر وطني، يركز على الوطن، ويعيد تعريف حق تقرير المصير ليشمل التحرر من الاحتلال والمساواة، ولا يتنافس مع الصهيونية وأدواتها وطرقها، بل يوفر رؤية معاكسة في الأيديولوجية والأدوات، إضافة إلى أنه مشروع لكافة أبناء الشعب الفلسطيني، ويشمل الشعب الإسرائيلي على أساس المساواة وإنهاء الامتيازات الكولونيالية على جميع مظاهرها، ويعتمد على وسائل جديدة للنضال.

أما سيف دعنا، أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدولية في جامعة ويسكونسن بأميركا، فقد تحدث عبر سكايب، متسائلًا:  كيف ولماذا انتهت الثورة الفلسطينية، التي كانت في وقت ما أحد أروع التجليات الثورية في تاريخ المنطقة الحديث، إلى التنسيق الأمني مع العدو وإلى حراسة المستعمِر؟ كيف ولماذا انتهت أحلام وطموحات الثورة الفلسطينية بالتحرير والعودة إلى القبول بكيان "ريعي طفيلي" ببنية منحازة أمنيا؟

وقال إن مشروع منظمة التحرير وحركة التحرر الوطني الفلسطيني بالإجمال، لم يفشل، بل حمل بذور هزيمته فيه، وكان مشروعا مسدود الأفق منذ البداية، وهذا الزعم مبني أساسا على رؤية نقدية (فلسفية وتاريخية) لقصور الخيال العربي والفلسطيني الثوري المعادي للاستعمار، ويتجلى في التناقض الصارخ القائم بين السردية الثورية والرؤية التاريخية لفصائل منظمة التحرير منذ البداية، والنتائج الكارثية التي خلصت إليها التجربة في أوسلو.

وأطلق دعنا دعوة لإجراء نقد سياسي وتاريخي، بدءا من الإشكال المفاهيمي للحاضر السياسي (توصيف نظري للحاضر السياسي) وعلاقته بروايتنا للتاريخ وتصوراتنا أو طموحاتنا المستقبلية. 

من جانبه، أوضح أسعد غانم، أستاذ السياسات المقارنة ورئيس لجنة الدراسات العليا في كلية العلوم السياسية بجامعة حيفا أن حل الأزمة التي نزلت بالفلسطينيين والحركة الوطنية يتطلّب الحل تحولا جذريا في العقلية التي تحكم العمل السياسي الفلسطيني، والعودة إلى الشعب الفلسطيني كمرجعية وحيدة لإعادة إقامة حركته الوطنية الواحدة، وذلك يكون فقط من خلال  تحوّلات جوهرية داخل النظام الفلسطيني ورغبة في اعتماد المبادئ الديمقراطية بأكملها. مبينًا أن أهم ما يمكن أن نقوم به فلسطينيًا لأجل الخروج من المأزق الحالي هو إجراء انتخابات فلسطينية عامة، لعموم أبناء الشعب الفلسطيني، وذلك ممكن جدًا في ظل الوسائل المتاحة من خلال استعمال التقنيات الإلكترونية الحديثة.

وقال هناك مبادئ عامة يجب الالتزام بها قبل البحث في أي نقاش جدي للخوض في ترتيبات عينية لمشروع وطني شامل، تتمثل في أن الفلسطينيين شعب واحد وقضيتهم واحدة أينما ولهم القول الفصل في قبول أي حل لقضيتهم أو رفضه، وإن أية منظمة أو فصيل  فلسطيني يستمد شرعيته وصفته التمثيلية من الشعب الفلسطيني كله، مع التأكيد على أهمية احترام الإرادة الشعبية، إضافة إلى رفض تنازل بعض الفلسطينيين عن حقوق البعض الآخر، وأن الصهيونية وإسرائيل عدو لا شريك، وأن الاحتلال والاستيطان والتفرقة العنصرية التي تمارسها إسرائيل هي عنف و مصدر كلّ عنف في الصراع العربي الإسرائيلي تتحمل إسرائيل وحدها مسؤوليته، مع حق الفلسطينيين في مقاومة الظلم التاريخي الواقع عليهم حتى ينتهي.

وقال القيادي في "حماس" غازي حمد في تعقيبه على هذه الجلسة "إننا بحاجة لإعادة قراءة للعديد من القضايا الجوهرية، لأن الإشكالية تكمن في توصيف الاستخلاصات، فمثلًا نقول إن المشكلة في الاحتلال ثم نقول إن المشكلة في إسرائيل، وكأنه يوجد فاصل بين الاثنين، بمعنى أن إسرائيل يمكن أن تكون دولة لكن المشكلة في الاحتلال والاستيطان والحدود وليس في إسرائيل". وأضاف: لا توجد رؤيا وحالة وطنية منسجمة، وأعتقد أن من الأخطاء التاريخية القاتلة التي وقعت بها كل من "فتح" و"حماس" إنشاء سلطة تحت الاحتلال".

أما كايد الغول، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، فقال إن ورقة غانم قدمت استنتاجات غير دقيقة، فهي اعتبرت أن توقيع اتفاق أسلو تم بين الحركتين الوطنيتين الفلسطينية واليهودية الصهيونية، لكن في ذلك خلل كبير لأن وصف الحركة اليهودية بالوطنية فيه تبني لادعاءات الصهيونية. كما أنها اعتبرت مواقف الفلسطينيين والحركة الوطنية وكأنها متماثلة، لكن في المقابل هناك العديد من الأمثلة تجافي ذلك.

بينما أشار قيس عبد الكريم، نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية قيس عبد الكريم، إلى نجاح الاحتلال في تقسيم الشعب الفلسطيني ليس فقط في الجغرافيا، وإنما للعيش ضمن قوانين وأنظمة مختلفة. مضيفاً: إذا بقي الحديث عن تقرير المصير هو الهدف النهائي فهذا عملياً يعني انفصال الحركة الوطنية عن الواقع الفعلي الذي تعيشه. ومعتبرًا أن المشروع الوطني يقوم الآن على ثلاث ركائز: حق الاستقلال للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحق العودة للاجئين، وحق المساواة لفلسطينيي 48.

وقال عزمي الشعيبي، مستشار أمان لشؤون مكافحة الفساد، "إن الفلسطينيين في مرحلة يجب أن تتم فيها المراجعة، وهي تبدأ بعدد من الأسس، أولها المراجعة في إطار جماعي، ومن ثم اعتبار أنفسنا في حالة صراع مع المشروع الصهيوني، على أن تأخذ المراجعة الواقع بعين الاعتبار وليس فقط على الورق، وصياغة إستراتيجية على نفس طويل".

بدورها، قالت لورد حبش، أستاذة العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، إن الإشكالية في ورقة غانم ليست في تشخيص الأزمة، وإنما في المشروع المطروح، كما أنه من الأخطاء الحديث باتجاه المثالية عندما تحدثت الورقة عن أن المشروع سياسي أخلاقي، غير أنه في الحقيقية لا يتفق السياسي مع الأخلاقي.

وأخيرًا، انتقد بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، الأساس الذي بنى عليه غانم ورقته، وهي العوامل التي تشكلت على أساسها الهوية الفلسطينية. قائلًا: "إن الهوية الفلسطينية مرتبطة بالحالة الاستعمارية، أي أن تعريفي لذاتي مرتبط بالاستعمار".

 

المشروع الوطني والتجمعات

وفي الجلسة الثانية التي أدارها كل من علا عوض، رئيس الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، والناشطة النسوية نادية أبو نحلة، قدم أحمد جميل عزم، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، ورقة بعنوان "المشروع الوطني والحركة الوطنية .. مراجعة التجربة وآفاق المستقبل".

وقال عزم "إن  مسيرة العمل الفلسطيني توضح أنّ مشروع الدولة وبناءها بات يطرح كآلية لتحقيق الاستقلال والسيادة، ولكن هذا المشروع متعثر أمام السياسة الإسرائيلية الساعية لتفريغ الكيانية الفلسطينية من أي معنى سياسي أو سيادي، وغياب خطة أو برنامج عمل لجعل إقامة الدولة جزء من مخطط نضال شعبي".

وأشار إلى أن التركيز على مشروع الدولة، بالاستناد لبنية بيروقراطية تقليدية، يبعد من جهة قطاعات واسعة عن مجالات الفعل الشعبي التحرري، ولا يضع خطة أمامهم لهذا الغرض، ومن جهة ثانية يجعل الفلسطينيين في الشتات، مستثنيين إلى حد كبير من العمل الوطني، خصوصاً مع ترهل وتكلس بنى منظمة التحرير لصالح السلطة.

وطرح عزم مهام محددة ممكنة للمرحلة المقبلة، تستند إلى "حسم إذا كان مشروع الدولة هو جوهر العمل الفلسطيني، وإدخال مختلف الفصائل والقوى الشعبية والرسمية في برنامج نضالي لهذا الغرض، وتجديد الفصائل ومنظمة التحرير لبناها بدءًا بتجديد الهيئات والمنظمات والاتحادات الشعبية، ووضع برنامجها الوطني الذي يعمم شعبياً، وإعادة  الاعتبار وتكوين شبكات للفلسطينيين في مختلف أماكن العالم، على أسس جغرافية .

وأوصى مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة، من أجل الدور الوطني المقاوم للاحتلال بضرورة إنهاء الانقسام عبر الدعوة إلى حوار وطني شامل، يترتب عليه صياغة إستراتيجية وطنية موحدة لمواجهة سياسات الاحتلال الاستيطان والتهويد، وبتقوية وتعزيز الصمود الفلسطيني عبر خطة اقتصادية إستراتيجية للحد من ظاهرة الفقر والبطالة، وتستوعب أكبر عدد ممكن من العاطلين عن العمل ودمجهم في مشاريع إنتاجية – تنموية، إضافة إلى الاستمرار في المعركة القانونية والديبلوماسية من أجل نزع الشرعية عن الاحتلال الإسرائيلي، من خلال الانضمام إلى كافة الوكالات والمنظمات والمعاهدات التابعة للأمم المتحدة، والمضي قدمًا باستكمال الملفات القضائية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، وخاصة موضوع الاستيطان.

وحث على ضرورة تطوير المقاومة الشعبية السلمية ضد الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي التي تحظى باحترام وتأييد المجتمع الدولي، والاستمرار بحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل كأداة كفاحية ناجحة ضد إسرائيل ومقبولة دوليًا.

أما هنيدة غانم، المديرة العامة لمركز مدار للدراسات الإسرائيلية، فقد أشارت إلى أن الفلسطينيين بلوروا  مشاريع سياسية لتحقيق قيم هي إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وهذا مشروع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومشروع العودة للاجئين الفلسطينيين، ومشروع المساواة التامة والعدالة للفلسطينيين في إسرائيل، وهذه المشاريع تنطلق من احتياجات الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم انطلاقًا من محددات وخصوصيات كل مجموعة، إلا أنها غير قابلة للفصل بشكل فعلي وهي متداخلة ومتشابكة معاً".

وأشارت إلى أنها تتفق مع طرح الخبير القانون الدولي كميل منصور الذي دعا إلى إقامة "كونغرس فلسطيني وطني" شامل يتجاوز التجزئة الواقعة، يقوم بتقوية الوجود الفلسطيني في فلسطين، وبالدعم المتبادل من أجل تمكين الأجزاء المختلفة في كل المجالات ومن أجل تحقيق الأهداف السياسية لكل جماعة، إضافة إلى تشبيك  تشبيك العلاقات بين الفئات المختلفة من الشعب الفلسطيني، من خلال تحويل كل الأطر الممكنة إلى أطر مشتركة، وتوحيد الأيام الوطنية كيوم النكبة.

وقالت إنه في إطار المطروح أعلاه لا يكون الحديث عن دور خاص للفلسطينيين في الداخل في مشروع خارجي، بل عن دور أساسي ضمن خارطة المجموعات وضمن خصوصية موقعه المتوتر والبيني، لكن المفتوح على الخيارات الذي أهم ما فيه التموضع في قلب فلسطين التي تنضوي تحت الوطني العام وتشكل بيت القصيد في أي مشروع وطني.

وعقب تيسير محيسن، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب، بأن فشل مشروع التحرر الذي قادته منظمة التحرير ووصوله إلى حائط مسدود تمثل بالخروج من بيروت، كما أن فشل مشروع السلطة (أوسلو)، لا يعني فشل المشروع الوطني الفلسطيني. مضيفًا أن انسداد أفق المشروع السياسي يجب أن يخلق مشروعًا بديلًا قائمًا على تعزيز صمود المواطنين أمام مواصلة المخاطر التي يمثلها ويخلقها الاحتلال، إلى جانب تعزيز العمل الإيجابي الوطني في ظل محاولة إسرائيل ضربها، وهذا يحتاج إلى اتساع مساحة الاشتباك مع الاحتلال واستعادة الوحدة الوطنية.

بينما رأت الباحثة والكاتبة دنيا الأمل إسماعيل أن الحالة الفلسطينية الراهنة انتقلت من صناعة الفعل إلى ردة الفعل، مشيرة إلى أن المشروع الوطني ليس خلاصة صناعة فلسطينية، وإنما تركيبة جدلية مع المحيط العربي والإقليمي، ولهذا مر بكل التجارب والتحولات التاريخية الكبرى التي أثرت على مساره. وأضافت أن مشروع النقاط العشر كان بمثابة تحول كبير، لأنه نقلنا من النرجسية إلى النظرة البراغماتية التي تتعاطى مع الواقع السياسي، وتتمثل بالانتقال من فكرة تحرير فلسطين إلى إقامة دولة، وهو بحد ذاته تحول نوعي.

أما خالدة جرار، عضو المجلس التشريعي، فقالت إن هناك فرقًا بين المشروع الوطني والمشروع السياسي، ولا يمكن ربط المشروع الوطني بإقامة الدولة، لأن الدولة والمؤسسة لا يمكن أن  تؤديا إلى التحرير، ولذلك يجب أن تكون إعادة بناء المشروع الوطني وفق رؤية واضحة وجامعة للشعب الفلسطيني. مضيفة أن  تشظي المشاريع كحل الدولتين وإقامة دولة على حدود 67، وسعي فلسطينيي الداخل للمساواة تؤكد أن المشكلة فينا وليست في الوطن، لذلك فإن المطلوب الخروج بمسار جديد، وإعادة المشروع الوطني إلى أساسه.

وكان آخر المعقبين في هذه الجلسة رازي نابلسي، منسق برنامج الدراسات الإسرائيلية في مركز مسارات، حيث قال إن ورقة غانم ترتكز على الفصل ما بين المشروع الوطنيّ والمشروع السياسيّ. وتدّعي الورقة أن هناك ثلاثة مشاريع سياسيّة غير متناقضة، مقابل مشروع وطنيّ واحد يجب التركيز عليه. ولكنّني وفي الحقيقة، لأ أرى أي إمكانيّة للفصل ما بين الوطنيّ والسياسيّ. بل وعلى العكس تمامًا، باعتقاديّ هناك ارتباطًا بنيويًا بين الوطنيّ والسياسيّ. ففي حال الفصل ما بين الوطنيّ والسياسيّ، يصبح الوطنيّ مجرّد. ويغدو الوطنيّ مفهومًا هويّاتيًا ثقافيًا، مقابل السياسيّ كممارسة.

وأضاف: أرى، عمليًا، أن الوطنيّ الهويّاتي يُصاغ بالممارسة السياسيّة ويتأثّر منها، ولو أن هذا التغيير بطيئ وغير مرئي في بعض الأحيان، إلّا أنه بالضرورة موجود. وباعتقادي، الوطنيّ الهويّاتي هو نتاج الممارسة السياسيّة، التي يشحذها هو الآخر ويعبئ لها بعلاقة تبادليّة غير قابلة للفصل.

 

نحو إعادة تأطير النضال الفلسطيني

قدم عبد الرحيم الشيخ، أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت، في هذه الجلسة التي أدارها كل من مجدي عيسى، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، والكاتب والمحلل السياسي محسن أبو رمضان؛ ورقة حول إعادة بناء السردية الوطنية في مواجهة السردية الصهيونية الاستعمارية، بالاستناد إلى تجربة عملية حدثت في جامعة بيرزيت، من خلال اعتماد مناهج تبرز السردية الفلسطينية في مواجهة السردية الصهيونية كمساق القضية الفلسطينية.

وقال إنه لا يمكن بناء سردية فلسطينية إلا بمواجهة السردية الصهيونية التي اغتصبت الأرض والحكاية، والتي قامت على حكاية تاريخية اغتصبت السردية الفلسطينية بكل مكوناتها حتى اللغة العبرية واليهودي اللذين يعتبران من مكوناتها.

وأضاف: إن السردية الصهيونية التي صاغتها الحركة الصهيونية قامت على مجموعة دعائم، باعتبارها حركة استعمارية محلية، وفي نفس الوقت جزءًا من الحركة الاستعمارية العالمية، مشيرًا إلى أن الرد الفلسطيني على تلك السردية كان بأعظم وثيقة وهي الميثاق الفلسطيني الذي تم تهميشه لاحقًا.

وتحدث الكاتب ماجد كيالي عبر سكايب من إسطنبول، قائلًا إن مشكلة الفلسطينيين، بعد أكثر من عقدين على اتفاق أوسلو تكمن في أنهم باتوا يفتقدون إلى رؤية سياسية وقيادة متوافق عليها، كما لم يعد لديهم لا مقاومة مسلحة ولا مقاومة سلمية أو شعبية ولا انتفاضة، بعد أن ارتهنوا حصراً لمشروع المفاوضات، وبعد أن قتلت المشاريع الملهمة، سواء المتعلّقة بالتحرير أو بحلّ الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، أو المتعلّقة بحلّ الدولة الديموقراطية الواحدة بمختلف أشكالها إنه على المستوى الراهن.

وأشار إلى أنه ليس لدى الفلسطينيين سوى خيارين، أولهما، استمرار الوضع السائد، مع مجرد سلطة محدودة تتعايش مع إسرائيل، وتشتغل على أساس التنسيق الامني والتبعية الاقتصادية والمصالح السياسية معها. وثانيهما، الانقلاب على واقعهم الراهن وتحرير الكيان الفلسطيني من اتفاقات أو قيود أوسلو، بعد أن نقضتها إسرائيل أساساً، واعتباره مجرد كيان تابع للمنظمة، وتتحدد مهمته في إدارة أحوال الفلسطينيين في الداخل، لكن على أساس تنمية المؤسسات والموارد الذاتية.

أما أحمد يوسف، القيادي في "حماس"، فطالب بإجراء عملية إصلاح وتغيير جذري، من خلال بناء إستراتيجية وطنية واحدة، قائمة على أن جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي جزء من حركة التحرر الوطني، ولا يدين بالولاء لغير القضية الوطنية، وأن ارتباطاتنا الخارجية هي فقط لجلب الدعم والتأييد والنصرة لمتطلبات مشروعنا في التحرير والعودة، إضافة إلى "الحاجة الماسة لإعادة بناء النظام السياسي ليتكيف مع الحالة الاحتلالية التي عليها وضعية السلطة، والتي تستدعي مشاركة الجميع في عملية اتخاذ القرار".

وأضاف: مرجع الخلل تردي النظام السياسي الفلسطيني، وغياب الشراكة السياسية، وانعدام التوافق الوطني، وتهميش العمق العربي – الإسلامي، وعدم استثمار التعاطف الدولي وشبكات التضامن والتواصل الاجتماعي بالشكل الأمثل، وتفعيل المجلس الوطني الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الغياب، ليكون هو مظلتنا جميعاً، ومستقر حواراتنا، والقادر على تحديد رؤيتنا السياسية والاستراتيجية، واستعادة عمل المجلس التشريعي الذي تمَّ تعطيله منذ أن وقع الانقسام البغيض في العام 2007، مؤكدًا على ضرورة التسليم بمسؤولية الجميع عن الخطأ.

 ودعا إلى سرعة إجراء الانتخابات على قاعدة التمثيل النسبي الكامل، باعتبارها طريق الخلاص، والعمل على تحويل النظام السياسي إلى نظام برلماني، وإعادة بناء المؤسسة الشورية المعبرة عن الكل الوطني والإسلامي في الوطن والشتات، وتحريك القضية باتجاه الأمم المتحدة، والتسليم بدور المجتمع الدولي ومنظماته الأممية في دعم المواقف الفلسطينية، إضافة إلى المطالبة بإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال.

وعرض علاء العزة، أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية في جامعة بيرزيت، ملاحظات على موقع الاقتصاد في الخطاب التحرري الفلسطيني، حيث بيّن أن موقع الاقتصاد في الخطاب السياسي ما قبل أوسلو كان يستند إلى رؤية عالم ثالثية ترى التحرر من الاستعمار عملية إعادة لبناء واقع اجتماعي جديد،  مغاير لمنظومة الاستغلال الرأسمالي القائم على الربح كأساس للنشاط الإنتاجي، ويرى في العملية الإنتاجية صيروره اجتماعية توفر شكل من أشكال العدالة الاجتماعية. ففي إعلان الاستقلال نرى أن الدولة الفلسطينية المنشودة تقوم على فكرة العدالة الاجتماعية، وهي الفكرة القائمة على جسر الفجوة الطبقية بالأساس. 

وأشار إلى تحول الخطاب وحيادية الاقتصاد وأيدلوجيا السوق الحر، التي جاءت مع توقيع اتفاقية اوسلو وانتصار النموذج الليبرالي واقتصاد السوق الحر، إذ أصبحت الروابط بين الاقتصاد والسياسة أضعف في خطاب حركة التحرر الفلسطيني، ويمكن فهم أشكال التحول بالعودة إلى ممارسة السلطة الفلسطينية لتنظيم العملية الاقتصادية في الأراضي المحتلة، إذ انقسم خطابها وممارستها إلى مرحلتين: استمرار الأبوية والاحتكار ومأسسة السوق، حيث إن فكرة تشجيع القطاع الخاص كانت أحد الأسس الذي قامت عليها خطة الإصلاح  المفروضة على الراحل عرفات في الانتفاضة الثانية، لهدف سياسي بحت من أجل إضغاف سلطته.

وفي تعقيبه على هذه الجلسة، قال عوض عبد الفتاح، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، يجب إعادة تأسيس الوعي السياسي الفلسطيني بعد أن تم تشويهه بعمق نتيجة تدحرج المشروع الوطني الفلسطيني وصولًا إلى أوسلو ما بعده، مركزًا على ضرورة تثقيف وتوعية الأجيال الناشئة والشابة بالقيم والمفاهيم الصحيحة، وضرورة استخدام الأحزاب، وخاصة اليسارية منها، وصف الخطاب الكولونيالي لتوصيف الاحتلال في فلسطين.

بدورها، أشارت آمال خريشة، مديرة جمعية المرأة العاملة الفلسطينية، إلى أهمية ورقة كيالي في التأكيد على  ضرورة إجراء تغيير جذري، وفي استنادها إلى مآلات الحركة الوطنية منذ نصف قرن، لما من ذلك من أهمية في تقديم إسهام عميق في المراجعة والمكاشفة، وأشارت إلى أن الورقة حاولت إيجاد مقاربة بين تجربة جنوب أفريقيا والنضال الفلسطيني من حيث الصراع على الأرض إلى الصراع على الحقوق.

من جانبه، أوضح عبد الجواد حمايل، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن اعتبار البعض بأن الكفاح المسلح لم يؤد إلى نتيجة، غير صحيح، لأن الكفاح المسلح أبقى فلسطين على الخارطة. كما أنه دفع الإسرائيليين للانسحاب من قطاع غزة وبعض المستوطنات في جنين، إضافة إلى ذلك، فإن حالة الصدام في الداخل المحتل عززت الهوية الوطنية في الداخل.

أما إياد رياحي، الباحث المؤسس في مرصد السياسات الاجتماعية "المرصد"، فأشار إلى أن الإشكالية تكمن في عدم قدرة السلطة على معالجة أي اختلالات ناتجة عن الوضع الاقتصادي السيئ، فمثلاً نسبة العائلات الفلسطينية التي تعيش على المساعدات تبلغ 19%، ما يعني أن الحكومات لم تستطع معالجة هذه الأزمات. وحذر من خطورة الصراع على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثلما حدث في قضية المعلمين مؤخرًأ.

 

مرتكزات ومتطلبات إستراتيجية العمل الوطني للمرحلة القادمة

اختتم المؤتمر أعماله بطاولة مستديرة قدم فيها هاني المصري، مدير عام مركز مسارات، وخليل شاهين، مدير البرامج في المركز، ورقة حول مرتكزات ومتطلبات إستراتيجية العمل الوطني، وعقب فيها كل من: الكاتب والأديب بكر أبو بكر، وعمر عساف، سكرتير اللجنة الوطنية للدفاع عن حق العودة، ووفاء عبد الرحمن، مديرة مؤسسة فلسطينيات، وأمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، وحسن أيوب، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، إضافة إلى طاهر سيف، عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد، والناشط السياسي فادي الشيخ يوسف.

وتناولت الورقة التي عرضها المصري وشاهين الأهداف الإستراتيجية للمرحلة القادمة المتمثلة بتقرير المصير للشعب الفلسطيني كحق جماعي للفلسطينيين أينما كانوا، وهزيمة وتفكيك المشروع الصهيوني الكولونيالي الاستيطاني العنصري، وعودة اللاجئين إلى الديار التي هجروا منها، بموجب قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، إضافة إلى تحقيق المساواة لأبناء الشعب الفلسطيني في داخل أراضي 48 وضمان حقوقهم الفردية والجماعية، والدفاع عن المكتسبات الوطنية والحقوق الجماعية والفردية للفلسطينيين في مختلف تجمعاتهم في أراضي 48 و67 وبلدان الشتات، ورفع الحصار عن قطاع غزة والتصدي لمخططات فصله عن باقي الوطن.

وبينت الورقة أن الفلسطينيين يواجهون سيناريوهات عدة خلال المرحلة القادمة في ظل نجاحات إسرائيل في تهميش الموضوع الفلسطيني ومحاولات فصله عن السياق الإقليمي، ومنها: سيناريو فرض الأمر الواقع الإسرائيل، وسيناريو فرض تسويات منقوصة، مثل تدخل دولي عبر مجلس الأمن تحت شعار "إنقاذ حل الدولتين" لفرض تسوية تجحف بحقوق الفلسطينيين، وسيناريو تأزيم الصراع كنتيجة لاعتماد القيادة الفلسطينية خيارات جديدة في ظل استبعاد حكومة نتنياهو لفرص التسوية السياسية مع الفلسطينيين، إضافة إلى سيناريو تفجر الصراع غبر المرغوب لدى أي من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وكذلك الحال بالنسبة للأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة، إلا أنه قد يتطور كنتيجة لتطور منسوب الصراع، سياسيا وديبلوماسيا وميدانيا.

وحددت الورقة أربعة مرتكزات لإستراتيجية العمل الوطني للمرحلة القادمة:

أولًا: العقد الاجتماعي (الميثاق)، فتكمن نقطة البداية في إعادة تعريف وبناء المشروع التحرري في التوافق الوطني على عقد اجتماعي (ميثاق وطني).

ثانيا: البرنامح السياسي. إن إمكانية التوافق على البرنامج  الوطني ممكنة، وتشكل وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) أساسا صالحا ينطلق منه حوار فلسطيني شامل، على أن يراعي التوافق الوطني على البرنامج السياسي، كأساس للإستراتيجية العمل السياسي والنضالي للمرحلة القادمة، مجموعة من النقاط، من ضمنها التمسك بخطاب الحقوق الطبيعية والتاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني، وصياغة الإستراتيجية الوطنية للمرحلة القادمة انطلاقا من خيار ثالث لا يقيم بالضرورة تناقضا بين خياري الدولة المستقلة على أراضي 67 والدولة الواحدة، والتركيز على تغيير موازين القوى، واعتبار المقاومة بكافة أشكالها، بما فيها المسلحة، حقا وواجبا، بما ينسجم مع القانون الدولي، إضافة إلى رفض إطار المفاوضات الثنائي برعاية أميركية،و إعادة النظر في شكل ودور ووظائف السلطة، وإسناد ودعم مطالب وحقوق كل تجمع فلسطينين، والنأي بالمواقف والسياسات الفلسطينية عن أي من المحاور العربية والإقليمية والدولية، وتفعيل البعد الدولي للقضية الفلسطينية.

ثالثًا: إعادة بناء التمثيل ومؤسسات المنظمة، وتمكين الفلسطينيين من انتخاب ممثليهم في المجلس الوطني حيث أمكن ذلك، والتوافق على أعضاء المجلس حين يتعذر إجراء الانتخابات.

رابعا: السلطة والانتخابات. لا بد من الاحتكام للشعب ليس كوسيلة لحسم الصراع وتحديد الفصيل والبرنامج الذي سيقود، وإنما كأداة من أدوات الصراع مع الاحتلال تساهم في تقريب إنهائه، بحيث تجرى الانتخابات عشية أو غداة التخلص منه. كما لا بد من إعادة النظر في شكل السلطة ودورها ووظائفها من خلال إعادة صياغة العلاقة بين السلطة مع دولة الاحتلال على أساس المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وتصويب علاقة السلطة بالمنظمة، إضافة إلى إعادة صياغة العلاقة بين مؤسسات السلطة والمواطن والقوى والهياكل والأطر الناشطة في مجالات المقاومة الوطنية ضمن مفهوم "تجاور" السلطة والمقاومة، مع مراعاة مراعاة التباينات في ظروف وخصائص واحتياجات كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.