جيلُ ما بعد أوسلو يَسْتعيد الوَعْي ويَتَصَدّى لمسؤوليّة تَنْمِيَتِه 4

e-mail icon
جيلُ ما بعد أوسلو يَسْتعيد الوَعْي ويَتَصَدّى لمسؤوليّة تَنْمِيَتِه 4
غانية ملحيس
مقالات
-
الثلاثاء, 17 آيار (مايو), 2016

لعلّ  أهمّ ما يُمَيِّز الحراك الشّعبي الفلسطينيّ المٌتواصل  للأسبوع السّادس  على التَّوالي، طابعه  الفَتِيّ  وطبيعته العفويّة الجامعة للمُعتقدات والطّبقات والأعمار  والنّوْع الاجتماعي والمُستويات العِلميّة  والثقافيّة ،  وامتداده  المَناطقي ، واستِقلاليّته وطغيان المبادرات الفرديّة .

 

 وعلى الرّغم  من غلبة الشّباب على الحراك  ، حتى الآن  ،  وجلّهم من جيل ما  بعد أوسلو ، إلا أنّه  كان  لافتاً ، أيضاً ، مشاركة أسَرٍ  بأكملها  وخصوصا  في القدس والخليل .

 

وكان مُلفتا ، كذلك ،  المُشاركة الجسورة  للنِّساء  في مُقاومة  وحشيّة المُستوطنين  وجيش الاحتلال . ورغم  أن مشاركة  النِّساء في النِّضال  الوطنيّ الفلسطينيّ  ليست أمراً مُسْتَجِدّاً ، وإنما  تعود إلى بدايات الصِّراع مع المشروع  الاستعماري الاستيطاني الصّهيوني في مطلع القرن العشرين ، كما كشف عن ذلك بوضوح العمل التوثيقيّ الأهم ، الذي قادته الباحثة الدكتورة فيحاء عبد الهادي، وأرّخ  للدّور الفاعل للنساء الفلسطينيّات  في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة  منذ بداياتها .

 إلا أنّ المُشاركة النِّسائيّة  في الحراك  الشّعبيّ  الفلسطينيّ الرّاهن  تتميّز عن      سابِقاتها ، التي طغى عليها الطابع النّخْبويّ ، بالانخراط  الكثيف  لِرَبّات البيوت ، وبالاشتراك  الفاعل  لأجيال  ثلاث  من  النِّساء  الفلسطينيّات  من  مناطق تتّسم عادة  بالمحافظة ،  وتسابقهن للتّصدَي لاعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال  ولتخليص الفتية وحماية الإخوة  والأبناء والأحفاد  من خطر الاعتقال . 

 

  والأكْثَر لفتاً  للأنظار ،  شموليّة الحراك لكافّة أنحاء الوطن الفلسطينيّ المُحتلّ ، وتمكينه ، بذلك ، الشّعب الفلسطيني من استعادة  وحدته الدّيموغرافيّة التي سبق تجزئتها وتفتيت مُكَوِّناتها وفقا للجغرافيا السِّياسِيّة  إلى " عرب إسرائيل " و "سكّان الضّفّة الغربيّة لنهر الأردن" ، ثمّ اقتطاع "سكّان القدس الشّرقية " منهم ، و"سكّان قطاع غزّة "، ناهيك عن فلسطينيّي الشّتات .

 

 

 

إذ أسهمت حرب الإبادة  التي  يُحاول الاحتلال  الاستيطاني الصّهيوني  العُنصري تسريع  وتائرها  في زمن التّشظي  الفلسطيني  و "الفوضى الخلاقة " في المحيط العربي   من أجل اسْتِكمال  المشروع الصّهيوني   بتصفية  نقيضه الفلسطيني  داخل الجُغرافيا الفلسطينيّة ، ولعبت دوراً  مُهِمّاً   في إيقاظ الوعي الجَمْعي الفلسطيني ، وتبصير كافّة  تجمّعات الشّعب الفلسطيني  ، وخصوصا  داخل الوطن  المُحتلّ  بحقيقة الأخطار المتربّصة  بهم  جميعاً  :-

 

سواء  مُواطني دولة إسرائيل  من الفلسطينيّين  الذين يُواجهون تصعيداً  خطيراً  في  قوانين الفصل العُنصريّ  لتكريس " يهوديّة الدولة " .

 

أم  مواطني قطاع  غزّة  الذين  يُواجهون  حروب  الإبادة  المتتالية  التي  يشنّها العدوّ الصّهيوني  تباعاً ضد سكان القطاع  المُحاصر والمُكتظّ بسكانه الأصليّين ( 30% )  وباللاجئين من الجزء الفلسطيني الذي سبق احتلاله عام 1948 ( 70%) ، بُغْيَة كَسْرِ استِعْصائِهِم ، ولإخضاعِهم  لمُخَطّط  استئصالهم جغرافيّاً  وديموغرافيّاً   بفصْلِهِم  نهائيّاً عن  بقيّة أجزاء وطنهِم الفلسطيني وأبناء  شعبهم ، والقبول  بكيانيّةِ سياسيّةٍ  خاصّة  بهم  يُمكن تسميتها  بدولة  فلسطينيّة .

 

أم  مواطني القدس الشرقيّة من السّكّان  الفلسطينيّن  الأصليّين  الذين  تعتبرهم  كافّة الحكومات الإسرائيليّة   قانونيّا  " جالية أجنبيّة  مُقيمة " في "عاصمة إسرائيل الأبديّة " ،  لها  حقوق الإقامة المحْكومة  بشُروط  الإذعان لِمُخططات الأسرلة ، على الرغم  من  أن القرارات الدّوليّة  التي شرّعت لوجود  دولة إسرائيل  الاستيطانيّة  في فلسطين  لا  تعترف بالسِّيادة الإسرائيليّة  على القدس بشطريها  الشّرقي  والغربي  .

 

أم  مواطني  الضّفّة  الغربيّة  الذين  حَصَرتْهم  اتِّفاقات  أوسلو  المفتوحة النِّهايات والمُتَدرِّجة  التَّنفيذ  في أقل من 30% من مساحتها  ( مناطق أ و ب )  ،  ومنحت فرصةً تاريخيّة  لحُكومات  إسرائيل  المتعاقبة من توظيفها  لِمُحاصرتهِم  جُغرافيّاً وديموغرافيّاً  في  معازل  تفصل  بينها  مستعمرات  استيطانيّة متنامية   مسلّحة  مهمتها  التّوسّع المُضطّرِد  على حسابهم  ،  ومواصلة الاعتداء عليهم  والاستيلاء على مواردهم   وتهديد أمنهم  وتقييد حركتهم  ،  لتصعيب فُرَص بقائِهم   وإجبارهم على الرّحيل  .  وأيضاً ،  لتقويض  أيّ  فرص  ، قدْ تُتاح ، لإنفاذ  قرارات الشّرعيّة  الدّوليّة  لتسوية  الصِّراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ على أساس حلّ الدولتين ،  بإقامة  الدَّولة  الفلسطينيّة  المستقلّة على الأراضي الفلسطينيّة التي تم احتلالها في عُدوان حزيران عام 1967 .

 

واللافت  أنّه على  الرّغْم من  تعاظم  الوعي  الشّعبي الفلسطيني  بالمخاطر الوجوديّة  المُحْدِقَة  بالشّعب  والقضِيّة ،  والذي  شكَّل  الدّافع  الأساس  للحراك  الفلسطينيّ  المُسْتَجِدّ .

إلا  أنّ  هذا  الوَعْيَ   لم  يمْتدّ ، بعد ،  إلى النُّخب  السّياسيّة والتنظيميّة الفلسطينيّة  في القطاعين  الرّسمي  والأهلي  ،  التي ما تزال عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى اللحظة  التّاريخيّة ، الكفيل التقاطها  بإخراج الشّعب الفلسطيني من الوضع المأزووم  ، وتمكينه من تصويب مساره التّحرّريّ .

ويبدو أنّ  تلك النّخب  لم تبلغ ، بعد ، النُّضج  الكافي  لإنهاء الانقسام  في  النّظام  السّياسي  الفلسطيني  ووقف التّنافس  الفصائلي ،  ولم  تضع  حدّاً   لِجَدلها  العقيم  حول  الأسباب  الحقيقيّة  للحَراك  الرّاهن .

 فما  يزال بعضها   يخْتَزِل  أسباب الحراك  بالهجمة  الصّهيونيّة  الشّرسة على  المسجد  الأقصى  والحرم القُدْسيّ  والحرم  الإبراهيميّ  ،  وينسى أنه  قد  سبقتها موجة إرهابيّة  مماثلة  قبل  وقتٍ قصيرٍ  ضدّ  الكنائس  والمُقَدّسات  المسيحيّة ،  بل وضِدّ  كلّ  رموز الحضارة  العربيّة  في  فلسطين ،  ويُغفل ، بذلك ،   أنّ  ما يجري ضدّ القدس والخليل  وسائر مدن الضّفّة  هذه الأيّام   ، إنّما يُمَثِّل  تكراراً  لذات  النّهج  الذي بدأ منذ مطلع القرن الماضي  ،  واستهدف   تغيير  الجغرافيا  والديموغرافيا  الفلسطينيّة    ،  حيث   ما يزال  أصحاب المشروع  الاستعماري  الاستيطاني الصّهيوني  يعتقدون   بأنه   لا  استقرار  ولا مستقبل  لمشروعهم  في فلسطين إلا  بالتّغييب الكامل  للنّقيض  الفلسطيني  .

 

وباختزال النّخب  لأسباب الصِّراع في  ظواهِره  السّاعية  للتَّقسيم الزّماني والمكاني للأقصى  كما سبق وحدث للحرم الإبراهيمي  في الخليل ، فإنّهم  يُسْهمون في  إبراز الصِّراع الفلسطيني - الإسرائيلي ، والعربي – الصّهيوني ،  كصِراعٍ   بين  الأديان  والمُعتقدات  ،  وهو ما يُخفي جوهر الصِّراع   مع الغزاة  الأجانب .

 

وإذا كان التّاريخ  يُكَرِّر اليوم  نفسه  بتستّر المشروع  الاستعماري الاستيطاني  الغربي الصّهيوني  هذه المرّة  بالدّين  اليهودي ،  كما   سبق للبريطانيّين  فعله  في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ،  وعجز عنه   نابليون قبل  ذلك بعقود عند محاولته احتلال المشرق العربي  ،  ومثلما  سبق  للغزاة  الأوروبيّين  التّستّر بالدين المسيحي  قبل  نحو  عشرة  قرون  لتبرير  مشروعهم  الاستيطاني  الإفرنجي .

 

فإن على  النّخب الفلسطينيّة  أن  تكون ، على الأقلّ ،  بمستوى  الوعي  الذي بلغه أسلافها الأوائل  وتمكّنوا  بفضله من  هزيمة الاستيطان الإفرنجي قبل عشرة قرون  ، وعدم الوقوع  في  فخِّ   تسييس  الأديان  والمذاهب  الهادف  إلى  خلط  الأوراق  وصرف الأنظار عن طبيعة  الصّراع  الوجودي الفلسطيني   ضد   الغزاة  المُستعمرين الأجانب  .

  لأنّها  إن  لم تفعل   ،  فإنّما  تُسهم  في  إسداء  الخدمة الأكبر  للمشروع  الاستعماري الغربي  ، الذي يسعى  بوعيٍ  إلى   تأجيج  الصِّراعات  الدينيّة  لتوظيفها في  تثبيت  الركائز  الجغرافيّة  والدّيموغرافيّة  للكيان  الصهيوني  الاستيطاني الأجنبي  في  فلسطين  ،  وتساعدهم ، بجهلها ،  في إنجاح  جهوده  بإدخال  حرب الإبادة  التي  يواصل  هذا الكيان  شنّها  ضد  الشّعب الفلسطيني  بطوائفه  المُختلفة  في إطار الحرب  الأطلسيّة الجارية  على عموم  المنطقة ،  خصوصاً  ، منذ أن  بات   تثبيت  الكيان الاستيطاني  الصّهيوني  وتأمين بقائه  وتأهيله  للاضطلاع  الكفؤ  بدوره الوظيفيّ   كقاعدة  استيطانيّة غربيّة  متقدّمة   لإخضاع  المنطقة العربيّة والإسلاميّة الممتدّة  ،  يقتضي  تكريس  يهوديّة  إسرائيل  وتشريعها  ، عبر استحداث تقسيمات  جديدة  لِدُول  وشعوب  المنطقة  على  أسس عِرْقِيّةٍ  وإثنيّةٍ  وطائفيّة  ومذهبيّة .

 

وعلى النخب  الفلسطينيّة  ، كذلك ، عدم الاسترسال  في البحث  عن  أسباب   الحراك  بعزوها   إلى  تردّي الظروف المعيشيّة  والبطالة  واليأس  والإحباط  الذي يعمّ  الشّارع الفلسطيني   .

 

فعلى الرَّغم من صوابيّة  تأثير العوامل أعلاه  ،  إلا أنها ، على أهميّتها ، ليست  سوى مُحفِّزاتٍ  محدودة   ذات تأثير على  توقيت   تَجدد الحراك  الراهن ،  فيما جوهره ،  كما في سائر  الحراكات  والانتفاضات والهبّات  والثّورات الفلسطينيّة  ، يكمن  في السِّياق العام  للنضال التَّحرّري  للفلسطينيّين  جميعا ، يهودا  ومسيحيّين  ومسلمين  وعلمانيّين ،  والمتواصل  للقرن الثاني على التّوالي  ضد الاستعمار  الاستيطاني  الأجنبي  الصّهيوني  االإجلائي   الإحلالي  .

 

  ومع أنَّ شواهد التاريخ الإنسانيّ على مرِّ الأزمان ، تُظهر أن  جَوْهَر حراك الشّعوب  واحد ،  ذو  علاقة  بالحرِّيّة  والكرامة  والعدالة  وتقرير المصير ،  إلا أن  فهمه  يبدو أنه  ما يزال  يَستعصي على  القُوى المُسَيْطِرة ، الأجنبيّة  منها والمحليّة ، لاعتقاد  كُلٍّ  منها  بأنها تُشَكِّل  استثناء ،  فتُفاجأ  جميعاً   بأن  قانون الشّعوب  واحد  لا مكان  فيه  للاستثناءات ،  وأنه  لا  جدوى  من  الإيغال  في  البحث  عن  الأسباب    وعن مُحَرِّضين  لِتحْميلهم المَسْؤوليّة  ، وأنّه  لا فائدة  من  الإمعان   في القمع   ظنّاً   بإمكانيّة  الخلاص ، حيث القانون الطبيعي الفاعل  في  كلِّ  زمان  ومكان ، يُدَلِّل أنَّ   لكل  فعلٍ  ردّ  فعل  مُماثل  في  القُوّة   والانْتِشار .

 

وحيْث التَّفسير الوحيد  لِكُلِّ الانتفاضات والثّورات والهَبّات والحَراكات الفلسطينيّة ،

منذ هبة العام 1920 ، وثورة يافا عام 1921 ، وهبّة البراق عام 1929 ، وثورة القسّام 1930- 1935 ، والإضراب الأطول في التاريخ عام 1936 ، والثّورة 1937-1939،  والمقاومة الباسلة في أربعينيّات القرن الماضي ،  وإرهاصات العمل الفدائيّ في الخمسينيّات ، وتجدد الانطلاقة الثّوريّة عام 1965 ، ومعركة الكرامة عام 1968 ، وهبّة يوم الأرض عام 1976 ، والمواجهات البطوليّة  في جنوب لبنان  في النصف الثاّني من عقد السبعينيّات ، والصّمود الأسطوريّ في حرب لبنان عام 1982 ، وانتفاضة الحجارة 1987 – 1993 ، وانتفاضة النفق عام 1996 ، وانتفاضة 2000-2005  ، والصّمود الأسطوريّ  لسكّان قطاع غزة في مواجهة حروب الإبادة في الأعوام  2006  ، 2008-2009 ، 2012  و2014 ،  وحتى الحراك الرّاهن  الذي بدأت إرهاصاته في تموز 2014  والذي تجدد في تشرين الأول / أكتوبر/ 2015   .

فجميعها  يَنْدَرِج   في إطار مواجهة  الغزوة الاستعماريّة  الصّهيونيّة الأجنبيّة  ذات الطبيعة  الاستيطانيّة الإجلائيّة الإحلاليّة  المُتواصلة  للقرن الثاني على التوالي  في فلسطين ، والتي تُشكِّل  بسُلوكيّاتِها  العدوانيّة  المصدر الأساس  لِتَكْوين  وعْي  الأجيال الفلسطينيّة  المُتعاقبة  بالمخاطر الوجوديّة  المُتربِّصة بهم  ،  فتحفز ، بذلك،  غريزة  البقاء  لديهم ، كما هو حال سائر البشر ،  ويؤسِّس استمرارها  وتَصاعُد وتائِرِها الحافز  لانطلاقاتٍ  ثوريّةٍ  جديدة ،  يُفترض بها أن تكون أكثر نُضْجاً ، وأكثر وعياً  بمُسْتلزمات المواجهة  ، وأكثر خبرة  بمتطلّبات  تحقيق  الانتصار .

 

واليوم ، يؤكِّد جيل ما بعد  أوسلو فشل رهان  روّاد  المشروع الصّهيوني  ومؤسّسيه على  سطوة  القوّة ،  ويدلّل  على حدود  قدرتها  مهما بلغ جبروتها  ، وعجزها  عن  ردع   الأجيال  الفلسطينيّة  الفتيّة  وكيِّ  وعيها  كما  يأمل  جنرالات  الكيان الصّهيوني  ويسعون لتحقيقه عبر  حملات  الإعدام الميدانيّ  المتواصلة  لأبناء الشعب الفلسطيني ، والمنقولة بالبث الحي على الفضائيّات وقنوات التّواصل الاجتماعي .

 

ويثبت هذا الجيل  الفتيّ لأعدائه  أوّلا ، ولنخبه  السّياسيّة  المغتربة  والمنفصلة عن  الواقع الشعبيّ التي فاجأها الحراك وأربكها  وخلّفها وراءه  ثانيا ، استعصاء الشّعب الفلسطيني  على  التطويع  والتَّدجين .

 

فقد تشكّل  وعي  هذا الجيل  في زمن التَّسوية السّياسيّة ، وخبر خلالها  ويلات حروبها  التدميريّة  وتسارع الاستيطان ،  وواجه القتل  وعاش الحصار  والاعتقال  واختبر بنفسه  حدود  القوّة  ومحدوديّة  تأثيرها  في  حرب الإرادات  .

 

  وخبر هذا الجيل ،  أكثر من  قادته  في السلطة والمعارضة  على السواء ، دور السّياسة  في  محاولة تحقيق ما تعجز عنه الحروب ،  واستوعب  بوضوحٍ  مفهوم  الولايات المُتَّحِدة الأمريكيّة  وإسرائيل  الحقيقي  للسّلام  عبر  التّسويات السّياسيّة  التي تستعجلها موازين  قوى  مختلّة  .

 

 وتابع  بنفْسِه  تنفيذ اليمين الصّهيوني  حُكْم  الإعدام  بحقّ  رئيس الوزراء الإسرائيلي  إسحق رابين ،  الذي تجرّأ  على  توظيف السِّياسة  لتحقيق أهدافه  بعد  فشل  سياسته  في  تكسير عظام  الفلسطينيّين  ،  فلم  يُمْهِله ،  واتّهمه   بنيّة  التّفريط  بجزء  من   "أرض إسرائيل"  ،  لأنّه  تجرّأ على الاجتهاد   بتقديم  أولويّة  الدّيموغرافيا  على الجغرافيا  من أجل  تكريس المشروع  الصّهيوني ،  بعد الفشل في استكمال  اجتثاث  من تبقى من  السّكان  الفلسطينيّين الأصليين في  فلسطين ،  أو تحويلهم إلى أقلّيّةٍ  هامشيّة  خاضعة  .

 

وشهِد  هذا الجيل  الارتداد  الذي قاده  نتانياهو للعودة بالمشروع الصّهيوني إلى أصوله الأولى  للإجهاز على فلسطين  وشعبها ، وعايش   خطوات  الانقلاب على  اتفاقات أوسلو  1996 - 1999  ، وفاجأه  التّجاهل   الفلسطيني  والعربي والدولي لمدلولاتها .

 

وهاله  الصّلف  الأمريكي – الصهيوني  في  مفاوضات  كامب ديفيد عام  2000 وطابا عام 2001  .   ووعى التّرابط العضويّ بين المشروع الامبرياليّ العام  للسّيْطرة على المنطقة  وبين المشروع الاستيطاني  الصهيوني الخاص في فلسطين ،  ما  شرّع  وسمح  لرئيس الوزراء شارون  بإعادة اجتياح  مناطق الحكم  الذاتي  الفلسطيني عام 2002 ،  بعد يومٍ واحدٍ  من إطلاق القمة العربيّة  في بيروت  لمبادرة السّلام العربيّة ، للإجهاز كُلّيّا على اتفاقات أوسلو . 

 

 

وشهد  التواطؤ  الدّوليّ  والعربيّ  الرّسمي  على  زعيمه  التّاريخي  ياسر عرفات  ، الذي مدّ  يده  للسّلام  وأبدى استعدادا إستثنائيّا  لدفع الثَّمن الأعظم لتحقيقه ، وشاهد بأمّ عينه اغتيال القادة الفلسطينيّين  على اختلاف انتماءاتهم التنظيميّة ومواقفهم السّياسيّة ،  بدءاً بأكْثَرِهِم اعتدالاً .  وتابع  على الفضائيّات  اغتيال  القائد  الوطنيّ الشيخ  الجليل  المُقْعد  أحمد ياسين أثناء خروجه من المسجد بعد أداء صلاة الفجر ،  وعايش  سنوات حصار الرئيس عرفات ومحاولات عزله  ثمّ  اغتياله  عندما استعصى على الاستسلام  للشّروط  الإسرائيليّة –  الأمريكيّة .

 

 

 

 

وراقب هذا الجيل  مؤامرة الانسحاب الأحادي من قطاع  غزّة  لفصله  عن  الضّفة الغربيّة ،  ولمس بنفسه ، أيضاً ،  الضّغوط  الأمريكيّة – الإسرائيليّة  لإجراء الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة  عام 2006 عندما تهيّأت الظّروف  الموضوعيّة   للتّأسيس لانقسام النِّظام  السّياسي الفلسطيني .  وتابع  عن كثب  الجُهود الأمريكيّة - الإسرائيليّة الحثيثة  لتذليل كل العقبات  بما في ذلك  إجراؤها في القدس ،  ودون التحفظ على خوض حركة حماس للانتخابات رغم عدم التزامها  باتفاقات أوسلو  .

 

واختبر ازدواجيّة المعايير الدّوليّة ،  واكتشف خواء الديموقراطيّة الغربيّة  بالمسارعة  إلى مقاطعة حكومة الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة المُنتخبة  تحت رقابة  دّوليّة أجمعت على نزاهتها ، والقيام  بمحاصرتها   فور تشكّلها   لإسقاطِها   بدعوى عدم  التزام  حماس  باتفاقات أوسلو ، رغم أن   إسرائيل  ذاتها  قد ألغت عمليّا  تلك الاتفاقات  قبل أربع سنوات بعد إعادة  اجتياح  مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني في ربيع عام 2002، وعلى الرّغم من سيطرة  اليمين الإسرائيلي الذي يعلن رسميا معارضته لتلك الاتفاقات، على كافة حكومات إسرائيل .

 

 وتابع  هذا الجيل  عن قرب  ،  الرّعاية الأمريكيّة – الإسرائيليّة الحثيثة  لتوظيف  إعادة الانتشار الإسرائيلي خارج قطاع غزّة  لتكريس الانفصال بينه وبين  الضّفّة الغربيّة ،  ولتعميق  الانقسام  في  النِّظام السّياسي الفلسطيني  .  وهاله  تدني  حساسيّة الطبقة السِّياسيّة الفلسطينيّة  وعجزها عن التّوافق حول المصالح الوطنيّة العليا  وانزلاقها  إلى  هوّة الانقسام  المُدَمِّر .

 وشاهد  تبعات  الاستقطاب  السّياسي والتنظيمي  على القنوات  الفضائيّة  وعِبْر وسائل  التّواصل الاجتماعي  ،  وتابع  توظيفه  إسرائيليّاً   لتبرير  الجرائم  الوحشيّة  بحقِّ  الشعب الفلسطيني  في  قِطاعِ  غزّة  ،  وهاله   التّواطؤ الدّوْليّ  والصّمت العربيّ  والجمود الفلسطيني  إزاء حروب  الإبادة  الجماعيَّة  المُتتالية  ضدّ  السكّان المدنيّين  المحاصرين  برّاً وبحْراً وجوّاً . 

كما تابع  هذا الجيل  السياسات الغربيّة  والإسرائيليّة  الهادفة  إلى مأسسة الانقسام لضمان استمراره  وتعميقه ،  وشهد  حرصهم  الكبير  على  اقتران  تشديد  الحصار وتكثيف العدوان على قطاع  غزّة   بإغداق العون المالي   الوفير على الضّفّة الغربيّة ، وتضافر ، ذلك ،  مع  جُهود  الجنرال  دايتون  لتطويع  سكّان  الضّفّة  الغربيّة  ومُحاولة  إخضاعِهِم  للتّسليم  بالمفهوم  الأمريكي - الصّهيوني  للتّسوية   .

 

 وأدْرَك  هذا الجيل  أنّ  الالتزام  الرّسمي  للسّلطة  الفلسطينيّة  بِنبذ  العنف ، وبالتّنسيق  لمنعه ،  وقبول حماس   بالتَّهْدِئة  الطويلة المدى ، غير كافٍ  .

 وأنّ ، ذلك ،  لمْ  ولا  يمنع   تواصل  العدوان على قطاع غزة ،  أو   الزّحف  الاستيطانيّ  الصّهيوني   باتِّجاه  بقايا  الضفة  الغربيّة  ،  ولا  يوقف  سعي  حكومات إسرائيل  كافة  عن  استكمال المشروع  الصّهيوني  في  فلسطين ، بل على العَكس  يُسْهِم  في تسْريع  تحقيقه  .

 

 فتعزّز ،  بذلك ،  وَعْي  جيل  ما  بعد  أوسلو  بتعذّر  إمكانيّة  مُهادنة  الصّهيونيّة للوصول إلى حُلولٍ وُسطى معها ،  وتعمّقت لدى هذا الجيل  القناعة بأنَّ  أيّة  تسويات  تستند  إلى  مبدأ  القُوَّة  المُنْفصل  عن الحُقوق ، إنما  يُؤسِّس لشرعنة  قانون  الغاب، ويفتح  شهيّة  المُحْتلّ  ، ويُؤَجِّج  الصِّراع  ولا يَحلُّه .

 

واستخلصَ  ، من ذلك  كُلِّه  ،  بأنَّ عليْه  التَّوقّف عن مقارعة الصّهيونيّة لمساومتها،  وأنَّ عليْه  استعادة  نهج  مواجهتها   لهزيمتها ،  والنّهوض والتَّأهُّب  للدّفاع  عن النّفس ،  وتحمّل عبئ حماية الأهْلِ  والأرضِ  والبيْتِ  والمُقَدّسات .

 

وعندما  يلجأ  أبناء  هذا الجيل  إلى الحَجَر والسِّكّين  والمِقْلاع  ومكابِح السّيَارة   لِصَدٍّ  الهجمة الإسرائيليّة الشّرسة الهادفة  لكسر إرادته ، لا  يُساوره  الوهم  بإمكانيّة الانتصار السريع  على عدُوِّه . 

بل لا يُراودُه  الحلم  باقتراب ذلك  .  تماماً  كما  لم  يُراود  من  سبقه  في غزّة  وضغط على راجمات  الصّواريخ الصّوتيّة اليدويّة الصّنع قبل  ذلك  بعام ، ولا  من  تزنّر من أسلافه  قبل نحو عَقْدٍ  ونصف  بالحِزام  النّاسِف  .  ولم يعتريهم  جميعاً  الوهم  بتحقيق  نصْرٍ عسكري  على  دولةِ إسرائيلَ النوويَّة  المحْميَّة  بالقباب  الحديديّة  الأمريكيّة  والحلف الأطلسيّ  والدّعم الغربيّ  والتّواطؤ الدَّولي  والعجز العربيّ  الذي فاقمته  الحروب الطائفيّة والمذهبيّة التي تم استدعاؤها لاستكمال الاستفراد بالشّعب الفلسطينيّ  للإجهاز كُلِّيّاً على قضيّته ، وللتَّأسيس للشّرق الأوسط  الجديد  المُسْتَهْدَف

 

 لكنّ هذا الجيل  الجديد  ، بالتزام  الأخلاق  والقيم الإنسانيّة  الأصيلة للمشروع التحرري الفلسطيني  ، والتفوق على عدوِّه   في استبعاد الأطفال الإسرائيليّين رغم استهداف أطفال فلسطين بالاغتيال والاعتقال . والاكتفاء ححتى اللحظة  باستلال  السكين  والمقلاع  والمكابح   لصدّ  هجمات المستوطنين  وجيش الاحتلال  على  أبنائه وأراضيه  ومقدّساته  وزرعه  ،  إنّما يخوض  حرب  الإرادات  التي  أجبرتْه  عليْها  إسرائيل  وأمريكا  والمُجتمع الدّولي والهوان  العربي  وعجز النِّظام الفلسطيني  للسّلطة   والمعارضة .

 

وسينتصر فيها  ،  فهذه  الحرب  لا تخضع لموازين القُوى الماديَّة ، وإنما  تحتَكِمُ  إلى موازين الحُقوق  الثّابتة  للشّعوب  في أوْطانها ،  والتي  أثبتت وقائع التّاريخ البشريّ  تفوُّقَها  في حَسْم النَّتائج  ، رغم  طول المُعاناة  وإرتفاع  الكُلْفة  .