حذار .. حذار من إطار كيري

e-mail icon
حذار .. حذار من إطار كيري
ممدوح العكر
-
الأحد, 23 شباط (فبراير), 2014

 

"حذار .. حذار من إطار كيري "

الدكتور ممدوح العكر

 

بادئ ذي بدء من الضروري ألا ننسى ولو للحظة واحدة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا مجرد حليفتين تربطهما مصالح إستراتيجية حيوية وحسب، بل إن أمريكا أيضًا هي الحامي والداعم الأساسي لإسرائيل عسكريا وأمنيا واقتصاديا وماليا ودبلوماسيا، وحتى ثقافيًا (فلنتذكر اليونسكو). ويكفي أن نطالع توثيق هذه الحقيقة الدامغة في الكتاب الأخير للدكتور رشيد الخالدي وعنوانه "خداع الوسيط". إذ يستعرض د. الخالدي دور الولايات المتحدة في ما يسمى "عملية السلام" على مدى حوالي 35 عامًا امتدت عبر آخر ست إدارات أمريكية. وهي إدارات الرؤساء: ريجان، كارتر، بوش الأب، كلنتون، بوش الابن، وانتهاءً بأوباما. وكيف أن المواقف الأمريكية كانت تتطابق تمامًا مع المواقف الإسرائيلية، حتى بعدما ازدادت هذه المواقف تطرفًا بعد وصول اليمين الإسرائيلي إلى الحكم؟

وكما لخّص أحد أفراد طواقم الإدارات الأمريكية، وهو "أهارون مولر" هذا الدور الأمريكي طوال مداولات عملية السلام بأنه كان باستمرار "دور محامي إسرائيل". وأكثر من ذلك أورد الكتاب وثائق تفاهمات سرية تلتزم من خلالها الإدارات الأمريكية المختلفة بأن لا تتخذ أي موقف يتعلق بالشأن الفلسطيني إلا بعد التنسيق المسبق مع الحكومة الإسرائيلية. وفي الحالات المحدودة التي كادت فيها إدارة أمريكية ما أن تشذ عن هذه التفاهمات سرعان ما كانت تضطر للتراجع، وبشكل مهين، عن تلك المواقف. وآخر أمثلة هذا التراجع المهين كانت تراجع الرئيس أوباما عن مطالبته إسرائيل قبل عامين بتجميد النشاطات الاستيطانية خلال فترة التفاوض المزمع حينها مع الجانب الفلسطيني .

هذه الحقائق لا بد أن تكون ماثلة أمام أعيننا ونحن نحاول فهم السياق الذي تتم فيه كل هذه الجهود الحثيثة التي يبذلها حاليًا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، لدرجة أن وزير الدفاع الإسرائيلي يعلون وصفه بالمهووس !

فإذا تمعنا في هذا السياق، في ضوء الخلفية الضرورية آنفة الذكر، فما هي عناصر ومكونات هذا السياق؟

أولًا: يبدو أن هناك قراءة أمريكية إستراتيجية تستشعر، عبر مجساتها المختلفة ومراكز أبحاثها المتعددة أن إسرائيل تواجه خطرًا حقيقيًا بالعزلة الدولية والمقاطعة التي تكتسب زخمًا بات من الصعب تجاهله، وقد يؤدي إلى نزع الشرعية عنها إذا ما استمرت في تقويض أسس ومقومات حل الدولتين، خاصة من خلال مواصلة النشاطات الاستيطانية وتهويد القدس. علمًا أن حل الدولتين المتآكل إلى حد النهاية كان يشكل لإسرائيل الملاذ الوحيد لتثبيت وجودها "كدولة إسرائيل" بمباركة وتأييد المجتمع الدولي. بمعنى أن الإدارة الأمريكية ترى ضرورة إعادة إحياء عملية المفاوضات، وطرح شكل ما لحل الدولتين تعطيلًا أو قطعا لطريق لجوء الفلسطينيين إلى خيارات أخرى متاحة بديلا لمتاهة مفاوضات لا تنتهي وكأنها قدر لا راد له. وكل ذلك إنقاذًا لإسرائيل من نفسها بسبب عمى وقصر نظر حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، والناجم عن غطرسة القوة وعن استلهامات الفكر الصهيوني كمشروع استعماري استيطاني عنصري. علما أن المواصفات الأمريكية للدولة الفلسطينية، كما بدأت تفاصيلها تتسرب خلال الأسابيع الأخيرة، ليست إلا صورة مشوهة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حسب المفهوم الفلسطيني، بل وحسب مواصفات ومتطلبات القانون الدولي لهذه الدولة.

ثانيًا: كما أن هذه القراءة الأمريكية ترى في ذات الوقت أن الوضع العربي على درجة من الضعف والتفكك؛ يتيح فرصة يجب ألا تفوت للاستفراد بالفلسطينيين لحل القضية الفلسطينية حلًا مناسبا لإسرائيل إن لم يكن مطابقًا تمامًا لرؤيتها لهكذا حل. فما جرى ويجري في العراق وسوريا ولبنان، ويراد دفع مصر باتجاهه من شأنه أن يغيب الدور المحوري لهذه الدول بالنسبة للقضية الفلسطينية، ويفتح الباب على مصراعيه لأن يتحول الدور العربي إلى دور ضاغط على الموقف الفلسطيني بدلًا من دور مساند.

ثالثًا: أما على الصعيد الفلسطيني فيبدو أن هذه القراءة الأمريكية، التي يتحرك كيري من وحيها، ترى أيضًا أن الفلسطينيين هم الآن في أضعف أحوالهم، منهكين بعد أن تقطّعت بهم السبل منذ أن دخلوا نفق أوسلو وأضاعوا البوصلة، فاختلطت أولوياتهم مابين حركة تحرر تخلت حتى عن أبسط أشكال المقاومة، وبين بناء دولة "مستقلة" تحت سمع وبصر الاحتلال ومحدداته، وتمتد ما بين مستوطنة وأخرى من مستوطناته، في سابقة تاريخية فريدة. وزاد من بلة طينهم انقسام يقصم ظهرهم ولم يعد بالإمكان فهم استمراره إلا على اعتبار أنه صراع على السلطة. ويزيد من انهاكهم وضع اقتصادي يزداد سوءًا وتدهورًا وأصبح فيه تأمين فاتورة الرواتب شغلهم الشاغل. هذا في الوقت الذي يبرز فيه من بين الثنايا دور لشريحة من قوى مختلفة يتنامى نفوذها على السطح، ويلم أطرافها ائتلاف غير مكتوب قائم على حقيقة كونها المستفيد الفلسطيني الوحيد من كل معطيات الأمر الواقع، وتتطلع بشهية مفرطة إلى إغراءات الجانب الاقتصادي من خطة الوزير كيري ذات البلايين الأربعة، حتى لو كان ثمن ذلك تفريطًا بالحقوق الوطنية لشعبها .

رابعًا: كما يبدو أن القراءة الأمريكية تستخلص من مجمل معطيات هذا المشهد الفلسطيني والعربي استنتاجًا يقودها إلى الإعتقاد بأن القيادة الفلسطينية يمكن ممارسة ضغوط مكثفة عليها، سواء بالتهديد أم بالابتزاز أم بكليهما، للرضوخ أو للتعاطي مع مقترحات كيري لهذه النسخة المشوهة لحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، والآخذة في التبلور على شكل اتفاق إطار. وتصل هذه الرؤية الأمريكية مدًى لخصه أحد محللي مركز أبحاث أمريكي بأن القيادة الفلسطينية لا تمتلك القدرة على رفض مقترحات كيري، كما أنها في ذات الوقت على درجة من الضعف لا تستطيع معه مقاومة الضغوط الأمريكية غير المسبوقة عليها .

خامسًا: بناءً على كل ما تقدم، وحتى لا تفوت الفرصة السانحة التي يرى الوزير كيري ضرورة عدم تفويتها، نراه يركز جهوده على صياغة "اتفاق إطار" يحدد أسس ومبادئ حل كافة جوانب القضية الفلسطينية. وعدا عن خطورة محتوى وتفاصيل هذا الإطار المستوحى من كل السياق المذكور آنفًا، فإن خطورته تكمن أيضًا في أنه يراد لهذا الإطار أن يصبح من الآن فصاعدًا مرجعيةً جديدةً لأي تعاط أو تفاوض مستقبلي حول القضية الفلسطينية، مرجعيةً بديلةً عن مرجعيات القانون الدولي والشرعية الدولية والحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني. وهذا بغض النظر عن أية تحفظات قد يضعها الجانب الفلسطيني أملًا بالتمسك بالحد الأدنى من مطالبه وحقوقه، وبغض النظر أيضًا عن أية تحفظات تضعها إسرائيل طمعًا في الحصول على الحد الأقصى من مطالبها ومطامعها. فكما تُعلِّمنا تجاربنا المؤلمة، أنه نظرًا لأن الأمر يخضع في نهاية المطاف لإملاءات موازين القوى فمن السهل علينا أن نستنتج أيًا من تلك التحفظات سيكتب لها أن تترجم على أرض الواقع مستقبلًا .

وعلى نفس القدر من الخطورة فإن مجرد طرح فكرة الإطار سيكون مبررًا وغطاءً لتمديد المفاوضات الحالية بعد انقضاء مدة الشهور التسعة التي كانت محددة لها، وسندخل بالتالي في دوامة جديدة من المواعيد غير المقدسة. هذه المواعيد غير المقدسة تكاد تكون بمثابة شيفرة أحد أهم ركائز المشروع الصهيوني، وهو كسب الوقت لفرض الوقائع على الأرض وخاصة بالنسبة لاستيطان الضفة وتهويدالقدس .

أما على مستوى محتوى ومضمون هذا الإطار، فتكمن خطورتها في أنها ستكون، كما ذكرت، نسخةً مشوهةً لحل الدولتين، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة حسب المفهوم الفلسطيني ومتطلبات القانون الدولي والشرعية الدولية. فلا سيطرة فلسطينية (ولو بوجود طرف ثالث) على الحدود، ولا على المعابر، ولا على الأجواء، ولا على المياه الإقليمية (إن كان لغزة مكان في هذه الدولة!)، ولا على مصادر المياه والمصادر الطبيعية الأخرى، بما فيها البحر الميت، مع تبادل سخي جدًا للأراضي يتيح ضم أغلب المستوطنات، ولا ذكر للقدس الشرقية عاصمة محددة للدولة الفلسطينية، ولو ضمن صيغة تتيح لشطري القدس البقاء موحدين، ولا حتى مجرد ذكر أو أي تعامل مع حق العودة كحق قائم بذاته، ناهيك عن عدم الالتزام بإنهاء الاحتلال بانسحاب مجدول واضح، وإنما ربط ذلك بالأداء الأمني الفلسطيني الذي لا يعلم إلا الله متى يجتاز الفلسطينيون هذا الامتحان (وكأن أكثر من عشرين عامًا من الاختبارات الإسرائيلية المتواصلة لهذا الأداء الفلسطيني لا تكفي حتى ولو بلغ التنسيق الأمني أحادي الجانب معها حدودا مهينة لنا).

فأي معنى وأية قيمة تبقى لهكذا دولة يراد حشرنا فيها. ألا يكفي أن مجرد وصفها، من دون دول الكرة الأرضية، بأنها ستكون دولة "قابلة للحياة" للدلالة الأكيدة على أنها بالكاد قابلة للحياة !

والأخطر من ذلك، وللتغطية على حقيقة هذه النسخة المشوهة للدولة الفلسطينية يلجأ الوزير كيري إلى "حلول خلاقة" وصيغ غامضة توصف زورًا وبهتانًا "بالغموض البناء"، لا لشيء إلا لتمرير المطالب الإسرائيلية، وللالتفاف على جوهر الحقوق والمطالب الفلسطينية الأساسية. ولدينا سوابق كثيرة من الأمثلة المريرة والكارثية على هذه "الصيغ الخلاقة" و حيل "الغموض البناء:

-       ألم تكن فكرة "تبادل الأراضي" عبارة عن صيغة خلاقة لضم أغلب المستوطنات وتجاوز حدود 67؟

-   وأليس النص في المبادرة العربية على حل قضية اللاجئين وفق القرار 194 حلًا عادلا و"متفقًا عليه" عبارة عن صيغة خلاقة تعطي لإسرائيل حق الفيتو على حق العودة وحقوق اللاجئين؟

-   أو لم يكن ما سمي "بالاعتراف المتبادل" قبيل توقيع اتفاق أوسلو سوى صيغة خلاقة أخرى لتمرير الاعتراف الفلسطيني بحق إسرائيل في "الوجود"، وبالتالي بمشروعية المشروع الصهيوني؟ ومن دون أن تكون هناك أي تبادلية حقيقية؟ .

-   ثم وأليس البحث الجاري حاليًا عن تخريجة ما للمطلب الإسرائيلي بالاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة لن يكون إلا غطاء بصيغة التفافية خلاقة أخرى لنسف حق العودة من أساسه من جهة، ومن جهة ثانية لتقويض مكانة وحقوق فلسطينيي العام 48 النابعة من كونهم سكان الأرض الأصليين، وتحويلهم بالتالي إلى مجرد مقيمين غير مرغوب بهم في دولة ليست لهم. كما يشكل هذا المطلب من جهة ثالثة انتزاعًا لإقرار فلسطيني بالرواية الصهيونية حول الحق التاريخي الحصري لليهود في فلسطين، وبالتالي إلغاءً وهزيمةً للرواية الفلسطينية.

ألا يعني كل ذلك أننا في حقيقة الأمر أمام صفقة القرن، بعد مائة عام على وعد بلفور الذي كان صفقة القرن العشرين؟

أمام كل هذا الخطر الداهم من جهود الوزير كيري لبعث الحياة لحل الدولتين بصيغة مشوهة تطيح بالحقوق الوطنية الفلسطينية وتنقذ إسرائيل من نفسها، تصبح مسؤولية وطنية أولى أن نبادر قبل فوات الأوان لكل خطوة من شأنها تعزيز الموقف الفلسطيني بالمزيد من المناعة والصلابة في وجه الضغوط الأمريكية غير المسبوقة، وأن نعمل على كل ما من شأنه شد أزر القيادة الفلسطينية، والحيلولة دون الاستفراد بها تهديدا أو ابتزازًا بقطع المساعدات. وشد الأزر هذا لا ولن يتأتى بالشعارات ولا بالمبايعات. بل بمبادرة مثقفينا وكتاب وصناع الرأي منا إلى فتح حوار مسؤول متواصل ومُمَأسس وصريح مع القيادة لتدارس الوضع الفلسطيني وبلورة الخيارات والبدائل والخطوات الضرورية بأبعادها وتبعاتها المختلفة. فصديقك من صَدَقَكَ القول، لا من صدَّقك .

وكذلك بالمبادرة إلى الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني (يضم كافة أطياف المجتمع الفلسطيني ) يعمق الحوار الداخلي، ويصلب ويوحد جبهتنا الداخلية، ويشد الأزر المطلوب. عندها سوف نكتشف مدى القوة الكامنة في قضيتنا وفي آفاق خياراتنا المتاحة. كما سنكتشف أن أحد أهم أسباب ضعفنا إنما يعود إلى حصر واختزال خياراتنا بمفاوضات أصبحت المرجعية الوحيدة لها هي إملاءات موازين القوى وتهديدات راع يفتقد النزاهة ويعترف بأنه محامي الخصم فيها .