حراكٌ أوروبيٌ وانتظارٌ فلسطينيٌ لأيلولٍ جديدٍ

e-mail icon
حراكٌ أوروبيٌ وانتظارٌ فلسطينيٌ لأيلولٍ جديدٍ
خليل شاهين
تقدير موقف
-
السبت, 1 آب (اغسطس), 2015

 

مقدمة

تأتي هذه الورقة ضمن جهد تقوم به لجنة السياسات التي شكلها مركز مسارات مؤخرا، وتحرص على إنتاج ورقة تقدير موقف بشكل منتظم كل أسبوعين، في مطلع الشهر ومنتصفه، وكلما دعت الحاجة لذلك، إلى جانب إنتاج أوراق تحليل الوضع والسياسات.

تركز الورقة على المبادرات التي تطرح باسم فرنسا تارة، والاتحاد الأوروبي تارة ثانية، من أجل إعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية كهدف بحد ذاته، في سياق مقاربات ترمي لإدارة الصراع بدلا من حله، في حين لا تزال القيادة الفلسطينية تراوح في مربع الانتظار والترويج لاستحقاقات ترحل إلى عتبات الأمم المتحدة منذ خمسة أعوام على الأقل.

كما تحلل المخاطر الناجمة عن مبادرات أوروبية تفتقر إلى إرادة دولية تلتزم بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة في تعاملها مع إسرائيل، وتغذي رهانا فلسطينيا على إعادة استنتساخ إطار التفاوض الثنائي. وتستنتج أن درء هذه المخاطر يتطلب تحولا في المسار الإستراتيجي الفلسطيني باتجاه تدويل الصراع بدلا من تدويل الحل.

 

******

للعام الخامس على التوالي، يُرفع أيلول/سبتمبر إلى مصاف الأشهر "المفصلية" في مسار القضية الفلسطينية، مع بدء أعمال الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة سنويا في يوم الثلاثاء، من الأسبوع الثالث من هذا الشهر!

لعبة انتظار ملّ الفلسطينيون رتابتها، دون أن يفضي أيلول إلى تحول في مسار التراجع المتواصل في مكانة القضية الفلسطينية، إذ بات حبل السياسة الفلسطينية معلقا كل سنة على انتظار "معركة طاحنة" في الأمم المتحدة في سيناريو ينتهي إلى ترقب العام اللاحق.

كان العام 2011 قد انتهى بفشل مسعى قبول مجلس الأمن عضوية دولة فلسطين، دون أي "معركة" مع الولايات المتحدة، لعدم توفر الأصوات التسعة اللازمة للتصويت. وانتهى العام 2012 بقبول فلسطين عضوا بصفة مراقب، لكن في الجمعية العامة هذه المرة. وكان العام 2013 عام إهدار مفاعيل قبول العضوية المراقبة بالعودة إلى مربع المفاوضات الثنائية برعاية أميركية وتجميد أي توجه فلسطيني للانضمام إلى الاتفاقات الدولية والوكالات التابعة للأمم المتحدة. أما العام 2014، الذي شهد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتشكيل حكومة وفاق وطني لم تنجح في القيام بدورها، فكان عام انهيار المفاوضات وإخفاق التوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن للحصول على قرار بإنهاء الاحتلال خلال عامين، وفق مشروع هبط بسقف الحقوق الفلسطينية. واختتم العام بالتوقيع على 20 وثيقة دولية أممية جديدة أهمها الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولا يزال انتظار الخطوة التالية رهنا بما يحمله أيلول 2015.

من المتوقع أن يتوج أيلول القادم، لعبة انتظار أخرى لدور أوروبي "نشط" في إعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، أو التوجه مجددا إلى مجلس الأمن بمشروع قرار فرنسي أو عربي، أو كل ذلك في آن واحد، وفق ثلاثة احتمالات هي:

 

1) إنشاء إطار دولي داعم لاستئناف المفاوضات

يستند هذا الاحتمال إلى دعوة مجلس وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، في بيان يوم 20 تموز/يوليو الفائت، إلى إنشاء مجموعة دعم دولية للمساهمة في استئناف المفاوضات، وطلبه من المفوضية العليا للشؤون الخارجية دراسة الخيارات المتاحة لتطبيق هذه المبادرة مع الجهات الإقليمية والدولية، على أن تقدم مفوضية السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، تقريرا حول جهودها مطلع أيلول.

لكن قبل الوصول إلى هذه المحطة، تثار أسئلة يتقدمها الهدف من إعادة إحياء إطار تفاوضي جديد – قديم؛ جديد من حيث إنشاء إطار دولي وإقليمي "مواكب" للعملية السياسية، وقديم من حيث تركيزه على استئناف المفاوضات كهدف بحد ذاته، عبر محاولة إعادة الحياة لذات الإطار التفاوضي الثنائي الفاشل. أما باقي الأسئلة، فهي تتعلق بدور المجموعة، وتشكيلتها، وعلاقتها باللجنة الرباعية الدولية، ومرجعية وإطار المفاوضات، فضلا عن مواقف الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وكذلك موقف الإدارة الأميركية، الراعي الحصري لعملية المفاوضات.

وبالرجوع إلى بيان الاتحاد الأوروبي، فقد خلا من أي تفاصيل تتعلق بذلك، لكنه تضمن إشارة إلى موقفه من المبادئ المرجعية التي ينبغي أن تستند إليها المفاوضات وفق بيانه الصادر في 22 تموز/يوليو 2014، وتشمل: التوصل إلى اتفاق حول الحدود على أساس "خطوط" العام 67، مع تبادل أراض متفق عليه، والقدس عاصمة لدولتين، وحل عادل وواقعي ومتفق عليه لقضية اللاجئين، مع دعوة القيادة الفلسطينية إلى "الاستخدام البناء" للمكانة الجديدة لفلسطين في الأمم المتحدة من خلال عدم اتخاذ خطوات من شأنها أن تجعل الحل التفاوضي أكثر بعدا.

ولم يوضح البيان دور مجموعة الدعم الدولية، هل يعد مساندا للجنة الرباعية أم بديلا عنها؟ في هذا الأمر تحدث وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، عن إنشاء "مجموعة دعم موسعة" أكبر من اللجنة الرباعية تشمل الدول الأعضاء في مجلس الأمن والجامعة العربية ودولا أوروبية، وأشارت مصادر أوروبية أخرى إلى إمكانية مشاركة مجلس التعاون الخليجي أيضا ضمن المجموعة، فيما ذكرت تقارير إعلامية أن المجموعة سوف تحل تدريجيا مكان "الرباعية".

ومع ذلك، ينوه البيان إلى أن وظيفة المجموعة هي "خلق بيئة ضرورية من الثقة للدخول في مفاوضات ذات مغزى بأسرع وقت ممكن"، دون أن يتضمن الإشارة إلى أي متطلبات مسبقة لضمان نجاح المفاوضات. فعلى سبيل المثال، أعاد البيان تكرار الموقف الأوروبي المعارض للاستيطان، غير أنه لم يشترط وقفه قبل استئناف المفاوضات خلافا للموقف الفلسطيني الذي اشترط وقف الاستيطان وإطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى قبل العودة إلى المفاوضات. وهما شرطان لم يصمدا عموما أمام إغراء جلسات التفاوض السرية كما حدث بشأن ما كشف عن لقاء سري في الأردن مؤخرا، بين د. صائب عريقات، رئيس دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير، وسيلفان شالوم، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي. ولا يبدو هذا اللقاء يتيما، إذ ترددت أنباء عن عقد عدة لقاءات مماثلة.

حتى الآن، يُبقي الموقف الفلسطيني الباب مواربا أمام فكرة مجموعة الدعم الدولية، أي أنه لم يقبل أو يرفض الفكرة، وإن كانت لا تبدو الخيار المفضل للرئيس عباس، إذ إن غياب المرجعيات الواضحة والسقف الزمني لإنهاء الاحتلال من شأنه أن يحصر دور المجموعة في إطلاق عملية سياسية زائفة لإدارة الصراع وليس حله، والإبقاء على الوضع القائم بما يتضمنه من مزايا لصالح دولة الاحتلال.  

ويشكل هذا الوضع وصفة لإعادة استنساخ دور اللجنة الرباعية، ولكن ضمن إطار دولي وإقليمي أوسع. غير أن ضغوطا أوروبية وعربية قد ترجح كفة القبول الفلسطيني، لا سيما في حالة بروز مناورة إسرائيلية للتعاطي مع الفكرة من منطلق إفراغها من مضمونها وتحسين صورة دولة الاحتلال التي تتعرض لحملات مقاطعة متنامية، وكوسيلة لاستدراج الفلسطينيين إلى مفاوضات بلا شروط أو مرجعية، وقطع الطريق على ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين في المحكمة الجنائية الدولية. وهو احتمال لا يمكن تجاهله في حالة حدوث تطورات تدفع باتجاه تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية بمشاركة "المعسكر الصهيوني" بقيادة يتسحاق هرتسوغ، في ظل تزايد تماهيه مع موقف حزب الليكود من قضيتي إيران والمفاوضات مع الفلسطينيين.

في كل الأحوال، فإن فكرة إنشاء مجموعة دعم دولية للمساهمة في استئناف المفاوضات، تعكس القلق الأوروبي من غياب أدوات تساعد على احتواء وإدارة الصراع في ضوء إسقاط جهود إحياء العملية السياسية من أجندة أولويات الإدارة الأميركية، وإمكانية تقدم سيناريو انفجار الوضع مع تصاعد السياسات الإسرائيلية الرامية لفرض وقائع تقضي نهائيا على "حل الدولتين"، وإمكانية استفادة الجماعات التكفيرية الإرهابية من البيئة التي يوفرها سيناريو الانفجار في الصراعات الدموية التي تخوضها في المنطقة.

ولعل من المفيد التنويه إلى أنه في الوقت الذي تعبر فيه هذه الفكرة عن تمايز بين الموقفين الأوروبي والأميركي إزاء المقاربة الأجدى لإدارة الصراع، ووجود إجماع أوروبي أكثر قلقا من حالة الجمود والفراغ، إلا أنها تعكس أيضا حلا وسطا بين مواقف الدول الأوروبية المؤثرة والموقف الفرنسي المتمايز عنها، وفق معادلة تمت في إطارها مقايضة المبادرة الفرنسية المفتقرة إلى توافق أوروبي واسع بإجماع أوروبي على فكرة ذات سقف منخفض استعيرت من المبادرة ذاتها.

 

2) إعادة إحياء المشروع الفرنسي

من حيث الجوهر، تبقى فرنسا صاحبة براءة اختراع فكرة إنشاء مجموعة الدعم الدولية، التي توفر لها غطاء أوروبيا للتراجع عن مبادرتها التي تستند إلى مشروع قرار للتفاوض ضمن سقف زمني لمدة عامين كانت تنوي تقديمه للتصويت في مجلس الأمن قبل نهاية العام الماضي. وقد طرحت باريس فكرة مشروع القرار بناء على طلب من الإدارة الأميركية، وأدى دوره كمناورة اعتراضية على مشروع القرار الفلسطيني والهبوط بسقفه، قبل تأجيل الموضوع برمته بناء على طلب أميركي أيضا إلى ما بعد انتهاء المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.

ثمة ما يكفي من المؤشرات على أن مشروع القرار الفرنسي وضع على الرف، ولو إلى حين، لصالح الاكتفاء ببندين فقط من المبادرة الفرنسية، قدمتهما باريس إلى الاتحاد الأوروبي لإعادة إصدارهما كموقف جماعي، وهما استئناف المفاوضات الثنائية دون شروط مسبقة، وإنشاء إطار دولي "مواكب" لها. وقد ظهرت أولى هذه المؤشرات خلال زيارة فابيوس إلى المنطقة في حزيران/تموز الماضي، ولقائه مع كل من الرئيس عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ أعلن عباس "تطابق الأفكار الفلسطينية والفرنسية، التي تهدف إلى خلق ديناميكية جديدة للمفاوضات"، في حين رفض نتنياهو "أي محاولات لفرض إملاءات دولية على إسرائيل"، واعتبر أن "المقترحات الدولية المطروحة لا تلبي احتياجات إسرائيل الأمنية"، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام.

وقال فابيوس في حينه إن فرنسا ترغب بوجود "مواكبة دولية" للمساعدة على استئناف المفاوضات للوصول إلى السلام، "سواء عبر مجموعة أو آلية معينة، خاصة في الأمتار الأخيرة للمفاوضات، لتعمل هذه المجموعة أو الفريق على اجتياز هذه الأمتار الصعبة الأخيرة التي كانت المفاوضات تقف عندها في السابق"، في إشارة إلى دور لهذه "المواكبة الدولية" في الضغط من أجل تقديم التنازلات المطلوبة، من الجانب الفلسطيني على الأرجح، أو على الأقل توفير غطاء لها.

عكست تصريحات الديبلوماسي الفرنسي فتورا في حماسته السابقة لمشروع القرار في مجلس الأمن، إذ نوه إلى الحاجة لقرار من مجلس الأمن، لكنه اعتبر أنه "ليس هدفا بحد ذاته"، فالقرار "سيكون مهما إذا تم تبنيه وتطبيقه". وحسب تقارير إعلامية، كانت المبادرة الفرنسية تشمل عدة بنود من أبرزها: ترسيم الحدود على أساس خطوط العام 1967، وأن تكون القدس عاصمة للدولتين، وتحديد عامين كحد أقصى أمام المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي، وتوفير مواكبة دولية لعملية السلام من دون أي تدخل دولي لفرض الحل، والتأكيد على أن المبادرة ليست لصنع السلام بل لدفع الأطراف المعنية نفسها لتصنع السلام، مع الحفاظ على إطار التفاوض الثنائي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، إلى جانب تجاهل حق اللاجئين في العودة، وتعليق أي خطوات أوروبية باتجاه الاعتراف بدولة فلسطين، أو أي تحرك فلسطيني في الوكالات الدولية، وبخاصة المحكمة الجنائية الدولية، إلى ما بعد انتهاء المفاوضات.

في نهاية المطاف، آثرت فرنسا مقايضة تراجعها عن مشروع القرار بالدعوة الأوروبية الجماعية إلى إنشاء مجموعة الدعم الدولية والتحرك لاستئناف المفاوضات دون سقف زمني أو شروط مسبقة، وهو ما يشكل صفعة للموقف الفلسطيني الساعي لتحسين شروط العودة إلى المفاوضات وتحديد سقف زمني ملزم لإنهاء الاحتلال، واستجابة للموقف الإسرائيلي الذي يطالب بعملية تفاوضية يُسقط الفلسطينيون على عتباتها كل مطالبهم وتنحصر في التفاوض حول ترتيبات جديدة لحكم ذاتي فلسطيني مقلص.

مع ذلك، لا يستبعد ما سبق أن تعود فرنسا في مرحلة ما لإعادة إحياء فكرة تقديم مشروع القرار إلى مجلس الأمن في حال وصول جهود موغيريني لاستكشاف مواقف الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي والأطراف العربية والدولية المعنية حيال فكرة مجموعة الدعم الدولية واستئناف المفاوضات إلى طريق مسدودة حتى مطلع أيلول القادم. ففي منطقة تكره الفراغ، قد تجد باريس حينها أن تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن من شأنه أن يخلق دينامية توحي باستمرار جهود السلام من جهة، وأن تقطع الطريق من جهة أخرى على أي مسعى فلسطيني جديد للتوجه بمشروع قرار عربي إلى مجلس الأمن، أو التحول باتجاه تفعيل الانضمام إلى الوكالات الدولية إذا أغلقت أبواب مجلس الأمن أمام محاولات استصدار قرار بإنهاء الاحتلال ضمن سقف زمني محدد.

في الحالتين، سواء فتحت الطريق أمام فكرة إنشاء مجموعة الدعم الدولية، أم عادت فرنسا إلى إحياء مبادرتها باتجاه مجلس الأمن، يبقى الهدف ذاته، أي إدارة الصراع عبر عملية سياسية زائفة، بانتظار ما يحمله المستقبل من تطورات فيما يتعلق بنتائج الانتخابات الأميركية، أو احتمال التوجه إلى انتخابات إسرائيلية جديدة، أو اتضاح مسار الصراعات والتحولات في الشرق الأوسط. وفي الحالتين أيضا، فإن فرصة نجاح أي من الاحتمالين مشروطة إما بإفراغ فكرة مجموعة الدعم من أي مضمون مؤثر في الضغط على إسرائيل، وإما الهبوط بسقف مشروع القرار الفرنسي المجحف بالحقوق الفلسطينية أصلا، لتصبح هناك فرصة لتحقيق رغبة فابيوس في "تبني وتطبيق" المشروع من قبل مجلس الأمن.

 

3) مشروع قرار عربي

يبقى هذا الاحتمال قائما في ضوء تحبيذ الجانب الفلسطيني لخيار استصدار قرار بإنهاء الاحتلال وفق سقف زمني، ورفض إسرائيل لاستحضار أي دور لإطار دولي وإقليمي في العملية التفاوضية التي طالما احتكرت الولايات المتحدة رعايتها، ما يعني إفشال الاقتراح الأوروبي أو إفراغه من أي مضمون ذي تأثير على عملية المفاوضات وأجندتها، بحيث يتحول دور هذه الإطار إلى "مجموعة ضغط دولية" على الجانب الفلسطيني لاستئناف المفاوضات دون أي شروط مسبقة أولا، ودون مرجعية واضحة مستندة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ثانيا، ولتقديم المزيد من التنازلات بغطاء دولي وعربي ثالثا.

وتعكس دعوة الرئيس عباس لاجتماع طارئ للجنة المتابعة العربية يوم الخامس من آب/أغسطس في القاهرة، الرغبة في حشد موقف عربي داعم للخيار الفلسطيني المفضل، حيث صرح عريقات أن الاجتماع سوف يبحث الإعداد لمشروع قرار جديد في مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفق جدول زمني محدد، مع استمرار التنسيق مع فرنسا والاتحاد الأوروبي بهذا الخصوص.

في كل الأحوال، لا يبدو مصير أي مشروع قرار عربي مختلفا عن تجربة العام الفائت في مجلس الأمن،  نظرا لغياب موقف أوروبي موحد في دعمه لهذه الخطوة، وبقاء الفيتو الأميركي بالمرصاد في ضوء عدم رغبة إدارة أوباما على إثارة مزيد من التوتر في علاقتها مع حكومة نتنياهو يضاف إلى التوتر المتفاقم على إيقاع نجاح إسرائيل في تحويل الاتفاق النووي الإيراني إلى قضية تنافس انتخابي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ولن تكون هناك فرصة لتمرير مشروع قرار عربي في مجلس الأمن، إلا في حالة واحدة تتمثل في تضمينه تنازلات تزيد عما تضمنه مشروع القرار الفلسطيني العام الفائت.

وهو ما يعني في نهاية المطاف أن الجانب الفلسطيني قد يرى في العودة إلى المفاوضات، حتى ولو كانت "استكشافية"، أو تمرير الوقت حتى الانتخابات الأميركية عبر صيغة "مفاوضات بدون مفاوضات"، أي عبر ديبلوماسية مكوكية يقودها طرف ثالث بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، "أهون الشرور" لتفادي تقديم تنازلات جديدة سوف تثير غضب الشارع الفلسطيني، والدخول في لعبة شراء الوقت عبر إدارة الصراع بعيدا عن سيناريو المجابهة والانفجار، لا سيما في ظل عدم توفر إرادة سياسية لتحمل تبعات تغيير المسار باتجاه إستراتيجية تستعيد إطار الصراع التحرري.    

 

خاتمة

لا يبشر أيلول القادم بتحول إيجابي في مسار القضية الفلسطينية وفق أي من الاحتمالات السابقة، مع عدم استبعاد إمكانية استئناف المفاوضات وفق صيغة ما خارج نطاق هذه الاحتمالات، وربما قبل الوصول إلى أيلول. ولكن بالعودة إلى الاحتمالات المذكورة أعلاه، فإن تدحرج فكرة إنشاء مجموعة الدعم الدولية سوف يفضي إلى زيادة الضغوط على الجانب الفلسطيني للعودة إلى إطار التفاوض الثنائي في شروط أكثر سوءا من أية مفاوضات سابقة، في ضوء مخاطر الاستعانة بأطراف عربية ودولية للضغط على الجانب الفلسطيني لتقديم مزيد من التنازلات، وهو في أشد حالاته ضعفا بسبب تعمق المشروع الصهيوني الاستيطاني، وتزايد خطر تحول الانقسام الداخلي إلى حالة انفصال تام، وتفاقم الصراعات على مواقع القوة والنفوذ على خلفية معركة خلافة الرئيس عباس، وانشغال المنطقة العربية بصراعات مذهبية واصطفافات حادة بين المحاور الإقليمية.

وفي حالة فشل فكرة مجموعة الدعم الدولية، فإن نشوء حالة من الاستقطاب الدولي والإقليمي تحت سقف الأمم المتحدة ما بين مشروع قرار عربي وآخر فرنسي، وموقف أميركي يوفر الحماية لإسرائيل، من شأنه أن يكشف ظهر الجانب الفلسطيني أمام ضغوط للهبوط بسقف أي مشروع قابل للتمرير في مجلس الأمن، أو القبول باستئناف المفاوضات دون مرجعية واضحة أو شروط مسبقة، أو ربما القبول بالأمرين معا.

إن الخيار المفضل فلسطينيا هو الخروج النهائي من قواعد اللعبة التي يفرضها كل من الاحتمالات السابقة، عبر التحول باتجاه تبني إستراتيجية وطنية شاملة تعتمد مقاربة تدويل الصراع بدلا من تدويل الحل، لا سيما عندما لا يكون هناك في الأفق حل وطني للقضية الفلسطينية.

تعتمد هذه المقاربة على الجمع ما بين مسارات العمل الوطني والحراك الدولي ضمن إستراتيجية متكاملة من حيث أهدافها ووسائل تنفيذها، وتقوم على إعادة بناء الوحدة الوطنية، والجمع ما بين الكفاح لتعديل ميزان القوى في إطار منظومة الصراع التحرري اليومي، وفي سياق حشد واستنهاض عناصر الدعم العربي والدولي الرسمي وغير الرسمي، وفي هيئات ووكالات الأمم المتحدة، للكفاح الفلسطيني التحرري. وهو ما يتطلب تعزيز الصمود والمقاومة والمقاطعة وتفعيل الانضمام إلى شتى الوكالات الدولية، وإعادة النظر في شكل السلطة ودورها ووظائفها، ورفض التفاوض إلا في إطار مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، وعلى أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.