حماس ومصر

e-mail icon
حماس ومصر
هاني المصري
مقالات
-
الثلاثاء, 12 آب (اغسطس), 2008

كل مراقب للعلاقة بين مصر وحماس يعرف أنها سيئة في كل الأحوال ... تزداد سوءاً أحياناً، وتقل سوءاً أحياناً أخرى ولكنها سيئة.

لا يعدم الـمرء الأسباب التي تؤدي وتسبب العلاقة السيئة، فمصر يحكمها نظام علـماني عقد معاهدة سلام مع إسرائيل وتربطه أكثر من علاقة صداقة مع الولايات الـمتحدة الأميركية. ويدعم هذا النظام (م.ت.ف) والسلطة الفلسطينية التي تناصب حماس وسلطتها العداء، على الأقل منذ الحسم العسكري وحتى الآن. ويحكم نظام حسني مبارك علاقة خصام مع الإخوان الـمسلـمين في مصر، الذين تربطهم علاقات إستراتيجية مع حماس، فحماس خرجت من رحم الإخوان الـمسلـمين، ولـم تبتعد عنهم وتحصل منهم على كل أشكال الدعم، وتحاول أن تشكل إمارة إسلامية تشكل نموذجاً قابلاً للتعميم، وهذا ما تخشاه مصر، والدول العربية جمعاء، التي يهمها فشل هذا النموذج حتى يضعف الحركات الإسلامية التي تحاول أن تقيم نماذج أخرى مشابهة في البلدان العربية.

 

ومصر هي التي تقف على الحدود مع غزة، التي تحكمها حماس، وهي التي تتحكم بمعبر رفح، الشريان الحيوي لغزة وسلطة حماس، لكن مصر مرتبطة باتفاقية الـمعبر التي عقدت العام 2005 برعاية رايس وزيرة الخارجية الأميركية. هذه الاتفاقية التي جعلت معبر رفح معبراً إقليمياً دولياً يتحكم بفتحه وإغلاقه عدة لاعبين أبرزهم إسرائيل التي وضعت مسمار جحا في هذه الاتفاقية من خلال الـمراقبة لكل القادمين والذاهبين عبر الكاميرات، ومن خلال التحكم بحركة الـمراقبين الدوليين الـمقيمين في إسرائيل، وهي التي تمنعهم أو تسمح لهم بالذهاب إلى الـمعبر، وذهابهم شرط ضروري لكي يفتح الـمعبر ويقوم بعمله.

في هذه الأيام تتجمع نذر أزمة جديدة بين مصر وحماس ويظهر ذلك من خلال منع مصر لوفد برلـماني بعبور رفح، وتسريب أنباء من مصادر رسمية مصرية بأن الشك في مصداقية كلام حماس عن الحوار والـمصالحة بدأ يكبر خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة التي تلت جريمة شاطئ غزة، والتي أدت إلى شعور الـمسؤولين الـمصريين بأن ما حدث زاد الشرخ بين حركتي فتح وحماس، وجعل إمكانية جسر الهوة بين مواقفهما أكثر صعوبة مما كانت عليه من قبل. ومصر تحمّل حماس الجزء الأكبر من الـمسؤولية عما حدث.

لعل هذا، إضافة إلى أسباب أخرى، ما دفع موسى أبو مرزوق نائب رئيس الـمكتب السياسي لحركة حماس إلى مطالبة مصر بأن تقف على الـمسافة نفسها بين فتح وحماس، في انتقاد واضح لانحياز مصر لفتح. وكذلك أبدت حماس تحفظها على آلية الأسئلة الاستكشافية التي حملتها الدعوة التي وجهتها مصر للفصائل الفلسطينية تمهيداً للحوار، فقد قال يحيى موسى، النائب عن حماس: إن انتظار الأجوبة من مصر، طريقة روتينية فيها بيروقراطية، ولا تساعد على حوار جدي سريع. وأضاف: لا نلحظ جدية حتى الآن لا من مصر ولا من جامعة الدول العربية ولا من أية دولة عربية لجهة العمل على رأب الصدع حتى الآن. وعزا ذلك لوجود فيتو أميركي على الحوار الفلسطيني.

لكن معالـم الأزمة الـمتصاعدة والـمرشحة للانفجار بين مصر وحماس تظهر بأوضح صورة من خلال الانتقادات الـمتصاعدة التي توجهها حماس لـمصر على خلفية عدم فتح معبر رفح، لدرجة أن مسيرات يترأسها قادة حماس بدأت بالتوجه إلى الـمعبر، بما ينذر بتكرار ما حدث سابقاً من اجتياح جماهيري واسع للحدود الـمصرية ــ الفلسطينية، وهذا يحرج القيادة الـمصرية كثيراً، لأنه يظهرها كشريك في الحصار.

وفي الـمقابل تقوم السلطات الـمصرية بإصدار إنذارات لا تحتمل أية تفسيرات بأنها جادة بمنع أي اجتياح جديد للحدود، وأنها ستضرب بيد من حديد كل من يقدم على ذلك، ولتأكيد جديتها قامت بإرسال تعزيزات غير معهودة من أفراد الأمن وحفظ النظام.

ليس من مصلحة أحد انفجار الأزمة من جديد بين مصر وحماس؛ لأنها ستنعكس على الشعب الفلسطيني كله وعلى قضيته، وستنعكس بقوة على شعبنا في قطاع غزة؛ لذلك يجب الإسراع بوقف التدهور وإعطاء الأولوية لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، لأن التركيز فقط على الـمسارات الأخرى مثل التهدئة ثم تثبيتها وتوسيعها، ورفع الحصار وفتح الحدود والـمعابر، وعلى صفقة تبادل الأسرى، وتأجيل مسار الحوار والوحدة يضع الفيتو بيد إسرائيل؛ لأن كل هذه الـمسارات تتحكم بها أو هي طرف رئيسي فيها، وإسرائيل ليس من مصلحتها على الإطلاق الـمساعدة على إنهاء الانقسام، فالانقسام أعطاها مزايا ضخمة وعملت وستعمل على استمرار الانقسام وتعميقه حتى تواصل الاستفادة من هذه الـمزايا.

لا بديل عن الوحدة، رغم كل ما تبدو عليه من أنها هدف بعيد الـمنال. فالوحدة رغم صعوبتها البالغة أقصر وأهون الطرق للخلاص الوطني الفلسطيني