خطابا الرئيس في الأمم المتحدة (2015- 2016) كنمودج للفجوة ما بين الخطاب الرسمي والممارسة السياسية

e-mail icon
خطابا الرئيس في الأمم المتحدة (2015- 2016) كنمودج للفجوة ما بين الخطاب الرسمي والممارسة السياسية
نور السويركي
تقدير موقف
-
الثلاثاء, 1 تشرين الثاني (نوفمبر), 2016

 

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*******

مقدمة

ألقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس خطابًا في الدورة الـ 71 للجمعية العامة للأمم المتحدة، لهذا العام 2016، أوضح فيه إلى أين وصلت القضية الفلسطينية. وأشار إلى الموقف الفلسطيني الراهن من استحقاق التحرر من الاحتلال في إطار الدعم الدولي. وفي العام الماضي 2015، ألقى الرئيس خطابًا في الدورة الـ 70 للجمعية العامة، أكد فيه على ضرورة إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وأن الفلسطينيين لا يمكنهم مواصلة الالتزام باتفاق أوسلو في ظل عدم التزام إسرائيل، ودعاها إلى تحّمل مسؤولياتها كدولة احتلال.

تتناول هذه الورقة المواقف والخيارات التي طرحها الرئيس عباس في منطوق ومحتوى هذين الخطابين؛ الأول في 30 أيلول/سبتمبر 2015، والثاني في 22 أيلول/سبتمبر 2016، وإلى أي مدى فتح الرئيس أمام القيادة الفلسطينية خيارات جديدة في سياق تغيير قواعد اللعبة السياسية مع الاحتلال، وهل انعكس محتوى الخطابين على أرض الواقع، خاصة في ظل تصعيد إسرائيل لسياسات تعميق الاحتلال والاستيطان، وتنكرها المستمر للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية واستمرار انتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني؟

لقراءة ورقة تقدير موقف أو تحميلها بصيفة PDF اضغط/ي على هذا الرابط 

أبرز مضامين الخطابين

خطاب الرئيس في العام 2015[1]

سبق الخطاب ترويج بأن الرئيس سيفجر قنبلة في خطابه. وقد أكد ذلك الرئيس ذاته في حوار نشرته صحيفة "القدس العربي" في 20 أيلول 2015، بقوله: "سألقي في نهاية الخطاب قنبلة. ولن أكشف عن ماهية هذه القنبلة"[2]. وبالرغم من رفضه الكشف عن طبيعة هذه القنبلة، إلا أن الصحيفة بالاستناد إلى "ما سربه أكثر من مسؤول"، أشارت إلى أن الرئيس "قد يعلن في خطابه وفاة اتفاق أوسلو، وتحرر الفلسطينيين على الأقل من بعض التزاماته إن لم يكن جميعها، وفي مقدمتها التنسيق الأمني الذي اتخذ المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية قرارًا بشأنه في دورته التي عقدت في رام الله في آذار 2015[3].

وقال الرئيس في خطابه "ما دامت إسرائيل مصرة على عدم الالتزام بالاتفاقيات الموقعة معنا، التي تحولنا إلى سلطة شكلية من دون سلطات حقيقية ... فإننا نعلن أنه لا يمكننا الاستمرار في الالتزام بهذه الاتفاقيات، وعلى إسرائيل أن تتحمل مسؤولياتها كافة كسلطة احتلال، لأن الوضع القائم لا يمكن استمراره، وقرارات المجلس المركزي الفلسطيني في شهر آذار الماضي محددة وملزمة". وأضاف: "إما أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية ناقلة للشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال، وإما أن تتحمل إسرائيل، سلطة الاحتلال، مسؤولياتها كافة".

وإضافة إلى ما سبق، تمحور خطاب الرئيس الذي انتظره الفلسطينيون آنذاك، والعالم، حول مواضيع رئيسة، من أبرزها: شرح للانتهاكات الإسرائيلية، وطلب الدعم الدولي لإنهاء الاحتلال، ورفض تضييع الوقت في مفاوضات من أجل المفاوضات، والتأكيد على أن المطلوب إيجاد مظلة دولية تشرف على إنهاء هذا الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية، والترحيب بالمبادرة الفرنسية الداعية إلى تشكيل مجموعة دعم دولية لتحقيق السلام، وطلب توفير حماية دولية، وتأكيد استمرار دولة فلسطين في مساعيها للانضمام إلى المواثيق والمنظمات الدولية كافة، إلى جانب السعي لتحقيق المصالحة الفلسطينية على أساس "تشكيل حكومة وحدة وطنية تعمل وفق برنامج منظمة التحرير الفلسطينية، والذهاب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية".

 

خطاب الرئيس في العام 2016[4]

حمل هذا الخطاب نفس موضوعات خطاب العام الماضي، مع التأصيل للرواية التاريخية لاحتلال فلسطين، ومطالبة إسرائيل بالاعتراف بمسؤوليتها عن النكبة. كما تضمن الخطاب نقدًا شديدًا لبريطانيا التي طالبها الرئيس بأن "تتحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والمعنوية" عن نتائج "وعد بلفور"، "بما في ذلك الاعتذار من الشعب الفلسطيني لما حل به من نكبات ومآس وظلم٬ وتصحيح هذه الكارثة التاريخية ومعالجة نتائجها٬ على الأقل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية".

وتم التأكيد في الخطاب على تجديد طلب الدعم الدولي لإنهاء الاحتلال، وهذه المرة من خلال المؤتمر الدولي للسلام المزمع عقده قبل نهاية العام وفق المبادرة الفرنسية، والتلويح بأن الاعتراف السياسي بوجود دولة إسرائيل٬ الذي صدر في العام ٬1993 وما زال قائمًا حتى الآن٬ "ليس اعترافا مجانيًا، فعلى إسرائيل أن تقابله باعتراف مماثل بدولة فلسطين"، فضلًا عن الإشارة إلى التوجه لاستصدار قرار من مجلس الأمن حول الاستيطان، وكذلك المطالبة برفع المكانة القانونية والسياسية لدولة فلسطين داخل الأمم المتحدة. كما كرر الموقف من موضوع المصالحة الفلسطينية.

تبين عملية المراجعة لمنطوق خطابي الرئيس بأن خطابه في العام 2015 استخدم الصياغة التهديدية مع التركيز على سرد الانتهاكات الإسرائيلية، بينما لم يأت خطاب العام 2016 بجديد، بل جاء أقل مستوى في نبرة التهديد.

ومن أجل التعرف إلى دلالات الخطابين والخيارات السياسية التي تطرق إليها الرئيس، وإلى أي مدى جرى التعاطي معها، فلسطينيًا وإقليمًا وعالميًا، سوف تتناول هذه الورقة أهم المحاور والخيارات السياسية التي تناولها الخطاب وما بعدها.

 

الخيارات السياسية كما طرحها الرئيس

طرح الرئيس مجموعة من الخيارات السياسية تراوحت بين:

  • المفاوضات والمؤتمر الدولي للسلام

لعل أهم ما طرحه الرئيس في خطابيه هو ضرورة إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام، مركزًا على المؤتمر الدولي وفق المبادرة الفرنسية، وموجهًا دعوة للمجتمع الدولي لاغتنام فرصة تحقيق السلام. كما أشار إلى محاولات إسرائيل التهرب من المؤتمر الدولي للسلام واستحقاقات السلام، خاصة بعد رفضها للمبادرة الفرنسية، مؤكدًا على أهمية أن يكون العام 2017 عام إنهاء الاحتلال، كونه يصادف مرور نصف قرن على هذا الاحتلال.

ويظهر تركيز الرئيس على المؤتمر الدولي باعتباره الخيار الأكثر تحديدًا ووضوحًا بمعالمه الزمنية والمكانية والأهداف والمشاركين، للخروج بنتائج تحظى بدعم دولي كبير في حال نجاحه، إضافة إلى استمرار رهان الرئيس على المفاوضات من خلال ممارسة ضغوط دولية على إسرائيل لاستئنافها.

وقد ظهر في خطاب الرئيس في العام 2016 مساواته بين أهمية المؤتمر الدولي والعودة إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، حيث قال: "وهنا نتساءل: إذا لم يكن هناك مؤتمر دولي للسلام ولا مفاوضات مباشرة بيننا وبين الإسرائيليين، فكيف يُصنع السلام، لا مؤتمر دولي ولا مفاوضات ويتحدثون عن السلام، فكيف يُصنع السلام؟"

  • عدم مواصلة الالتزام بالاتفاقات الموقع عليها

عدا عن خيار المؤتمر الدولي للسلام، فإن الرئيس عباس أعاد التهديد بعدم مواصلة الالتزام باتفاق أوسلو وملحقاته، حيث أعلن ذلك في خطابه في العام 2015، مع ربطه بإصرار إسرائيل على عدم الالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى "سلطة شكلية".

  • التلويح بسحب الاعتراف بإسرائيل

تمثل الخيار الثالث في خطاب 2016 بسحب الاعتراف بوجود دولة إسرائيل، حيث أشار إلى أن هذا الاعتراف، "ليس اعترافًا مجانيًا"، وينبغي أن يقابل باعتراف إسرائيلي مماثل بدولة فلسطين، وبإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، "لتعيش دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل".

  • التوجه إلى مجلس الأمن

تمثل الخيار الرابع بالتوجه لاستصدار قرار دولي حول الاستيطان، حيث أكد الرئيس على عدم شرعية الاستيطان وسعي القيادة الفلسطينية إلى تقديم مشروع قرار حول الاستيطان وإرهاب المستوطنين إلى مجلس الأمن، موجهًا رسالة للدول الخمس دائمة العضوية في المجلس (الولايات المتحدة، الصين، بريطانيا، روسيا، فرنسا) التي تمتلك حق الفيتو، قال فيها: "نأمل ألا يستخدم أحد الفيتو".

  • الاعتراف بالدولة والحصول على العضوية الدائمة

طالب الرئيس عباس برفع عضوية فلسطين من دولة مراقب غير عضو إلى دولة كاملة العضوية، حيث قال في خطاب 2016: "أدعوكم لتبني قرار جديد بعد قرار رفع مكانة دولة فلسطين في العام 2012، وذلك بإعطاء حق تقديم وتبني القرارات للدول المراقبة، وأطلب دعمكم للجهد الذي تبذله دولة فلسطين من أجل رفع مكانتها القانونية والسياسي، وذلك من خلال إعطائها مسؤوليات إضافية لتولي رئاسة لجان ومجموعات دولية". كما كرر مطالبته للدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين بالاعتراف بها، مؤكدًا مواصلة السعي "من أجل نيل العضوية الكاملة في المنظمة الدولية".

  • طلب الحماية الدولية مجددًا:

طالب الرئيس في خطابيه بتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، ولكن دون تحديد الآليات، أو نوع الحماية المطلوبة التي تقبل بها القيادة الفلسطينية.

 

المواقف الفلسطينية

تباينت ردود الفصائل الفلسطينية في معرض تعليقها على خطابي الرئيس، إذ رحب بهما البعض إلى حد وصف كل منهما بالخطاب التاريخي والمهم، كما صرح بذلك الناطق باسم حركة فتح آنذاك أحمد عساف، الذي قال تعقيبًا على خطاب 2015: "إن خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة عبّر عن إرادة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ووضعنا على أعتاب مرحلة جديدة"، مشيرًا إلى أنه "تمسك بالثوابت الوطنية، وتناول كافة قضايا الوضع النهائي"[5]. واعتبر آخرون هذا الخطاب إيجابيًا وخطوة في الاتجاه الصحيح شرط الالتزام بما جاء فيه، وهو موقف معظم فصائل منظمة التحرير. في حين أكدت حركة "حماس" أن نتائجه لن تكون إلا كسابق الخطابات، "طالما بقي الرئيس متمسكًا بخيار المفاوضات العبثية"[6].

بعيدًا عن ارتفاع أو تراجع نبرة التهديد في كل من الخطابين، من الواضح أن مضمون المواقف في الخطابين لم يحمل أي جديد، بما في ذلك الخيارات السياسية التي سبق أن كررها الرئيس خلال السنوات الأخيرة. ولعل الجديد تمثل في مطالبته بريطانيا بالاعتذار من الشعب الفلسطيني على الويلات التي نتجت بسبب "وعد بلفور".

غير أن الأهم هو أن الحديث المتكرر عن عدد من الخيارات السياسية لا يجد ترجمة له في خطوات تنفيذية تنطلق من إدراج هذه الخيارات ضمن إستراتيجية وطنية شاملة. فلم تُتخذ أي خطوات على صعيد التحلل من التزامات اتفاق أوسلو بالرغم من استمرار إسرائيل في عدم الالتزام به، وكذلك تحميل الاحتلال لمسؤولياته، أو سحب الاعتراف بإسرائيل، أو إنجاز المصالحة الوطنية واستعادة الوحدة، إضافة إلى التمسك بالمفاوضات حتي في ظل التعنت الإسرائيلي واستمرار جرائم الاحتلال والاستيطان.

 

الخلاصة

حاولت هذه الورقة وضع تقدير موقف للخيارات التي وردت في خطابي الرئيس عباس، التي يجري التلويح ببعضها من قبيل التهديد، دون أن تجد ترجمة فعلية لها على أرض الواقع، وبخاصة تلك المتعلقة بإعادة النظر في العلاقة مع دولة الاحتلال والتحلل من الالتزامات بموجب اتفاق أوسلو وملحقاته الأمنية والاقتصادية، بالرغم من صدور قرارات بهذا الخصوص من المجلس المركزي لمنظمة التحرير، اعتبرها الرئيس نفسه في خطاب 2015 "محددة وملزمة".

وفي الوقت الذي جرى فيه رفع سقف توقعات الفلسطينيين والمراقبين بالحديث عن قنبلة سيفجرها الرئيس في خطاب 2015، ساد اعتقاد بأن الساحة السياسية قد تشهد تغيرات جدية بعد إلقاء الخطاب، وبخاصة في ضوء ما تشهده الأراضي الفلسطينية من توسيع للاستيطان، وحصار، وعزل وتهويد للقدس، وتنكيل بالأسرى، وانسجامًا مع قرارات المجلس المركزي، ولكن الوضع القائم بقي على حاله ما بين الخطابين، رغم اندلاع الموجة الانتفاضية بعد يوم واحد من خطاب 2015، ودون تغيير جوهري في السياسة الرسمية على مستوى القضايا التي تناولها الرئيس في الخطابين، إذ لم تقرّ أي خطوات عملية في سياق بناء إستراتيجية وطنية فلسطينية تقوم على التحلل من أوسلو، ولو بصورة تدريجية، بل على العكس استمر التنسيق الأمني رغم كل الانتهاكات الإسرائيلية والإعدامات الميدانية للشباب الفلسطيني.

بقي التلويح بحل السلطة، أو إعادة النظر في شكلها ووظائفها، أو البدء بخطوات فعلية لتجسيد الدولة، جزءًا من خطاب التهديد اللفظي، في حين لم يتم تحقيق تقدم في ملف المصالحة الفلسطينية، أو اتخاذ أي خطوة عملية لإشعار إسرائيل بأي تغيير في السياسة الفلسطينية اتجاه التعاطي معها، بل بقيت الأمور على ما هي عليه.

كما لم يتم التقدم بأي طلبات للحماية الدولية، أو بطلب للجمعية العامة بعزل ومقاطعة الاحتلال، أو الشروع في عملية محاسبة جدية للاحتلال، أو حتى تنبي ودعم حملة المقاطعة لإسرائيل، أو دعم الموجة الانتفاضية وتوسيع المقاومة الشعبية، إضافة إلى استمرار العلاقة مع دولة الاحتلال في سياق تعزيز التطبيع، وصولًا إلى مشاركة الرئيس في جنازة الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريس في 30 أيلول الماضي، وما أثارته من سخط وردود فعل غاضبة في أوساط الشعب الفلسطيني والفصائل السياسية.

 

 الهوامش

[1] نص خطاب الرئيس محمود عباس في الجمعية العامة، أمد للإعلام، 30/9/2015. https://www.amad.ps/ar/Details/91417

[2] حوار الرئيس محمود عباس مع صحيفة القدس العربي، 20/9/2015

http://www.alquds.co.uk/pdfarchives/2015/09/09-19/alqudsweekly14.pdf

[3] المصدر السابق.

[4] نص خطاب الرئيس محمود عباس في الجمعية العامة، أمد للإعلام، 22/9/2016.

http://www.amad.ps/ar/?Action=PrintNews&ID=139239

[5] الفصائل تواصل التعقيب على خطاب أبو مازن بالأمم المتحدة، وكالة فينيق نيوز، 1/10/2016.

 https://goo.gl/71fNA8

[6] "الحدث" ترصد مواقف الفصائل الفلسطينية من خطاب الرئيس عباس، صحيفة الحدث، 1/10/2016. http://www.alhadath.ps/article/23897/vote.php