خطاب غبّاي: "الطبعة الليكودية" من حزب العمل

e-mail icon
خطاب غبّاي: "الطبعة الليكودية" من حزب العمل
رازي نابلسي
تقدير موقف
-
الخميس, 26 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2017

(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات من إعداد الباحث رازي نابلسي).

مقدمة

بعد مرور 100 يوم على انتخابه زعيمًا لحزب العمل الإسرائيليّ، وبالتاليّ مرشح ائتلاف "المعسكر الصهيونيّ" لمنافسة رئيس الحكومة وزعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو، كشف آفي غبّاي، عن توجّهاته ومواقفه إزاء الصراع الفلسطينيّ - الصهيونيّ، ورؤيته لطرق حل الصراع أو إدارته. وفي حين جاء كشفه عن مواقفه السياسيّة- الاجتماعيّة كتعبير عن رؤية شخصيّة، إلّا أن مواقف غبّاي الذي فاز في انتخابات حزب العمل، رغم كونه وزيرًا سابقًا في حكومة نتنياهو، وأحد مؤسّسي حزب "كولانو" ذي التوجّهات اليمينيّة، وابن عائلة تنتمي إلى حزب الليكود، عدو حزب العمل المركزيّ؛ تكشف عن توجهات قاعدة وأعضاء وقيادة "العمل" كحزب وتيّار سياسيّ إسرائيلي مركزيّ يطرح ذاته كبديل لحكم "الليكود" ونتنياهو.

إن إفصاح غبّاي عن ماهيّة قناعاته السياسيّة خاصة، يكشف ما الذي أراده روّاد "حزب العمل" للوصول إلى الحكم. وبكلمات أكثر وضوحًا، فإنّها تكشف الطريق الذي سوف يسلكه الحزب للعودة إلى الحكم من جديد بعد مسيرة طويلة من التراجع والفشل في إسقاط حكم الليكود ونتنياهو. لذلك، ستحاول هذه الورقة الإجابة عن سؤالين مركزيين: هل يشكّل انتخاب غبّاي استكمالًا لمسيرة التحوّل التي بدأها "العمل" بهدف استعادة الحكم من "الليكود"؟ وما إسقاطات مثل هذه التحوّلات على الحالة الفلسطينيّة وشكل إدارة الصراع؟

لقراءة الورقة أو تحميلها ... انقر/ي هنا

حتّى الأسبوع الأخير، كان غبّاي يشكّل بالنسبة إلى الإعلام الإسرائيليّ شخصيّة غامضة يصعب فهمها أو تفكيكها. فهو مصوّت "ليكود" سابق، وفي الوقت ذاته، أحد مؤسّسي حزب "كولانو" الذي يعد على يمين مركز الخارطة السياسيّة الإسرائيليّة: يمين سياسيّ ومركز اجتماعيّ. وأيضًا، هو ليس سياسيّا قديمًا مخضرمًا، بل شغل قبل دخوله حديثًا إلى عالم السياسة منصب مدير عام شركة الاتصالات الإسرائيليّة "بيزك"، وتقدّر ثروته بعشرات الملايين. وهو كذلك لم يكن يومًا من أنصار حزب العمل، ثم ترشّح إلى رئاسته مباشرة، وفاز على عمير بيرتز السياسيّ المخضرم، وإسحاق هرتسوغ الزعيم السابق للحزب. هو من أصول شرقيّة، ولكن هذا ليس السبب الوحيد لفوزه، إذ فاز على بيرتز وهو أيضًا من أصول شرقيّة. لا يملك غبّاي أي خبرة أمنيّة أو سياسيّة، وأيضًا ليس له أي رصيد عسكريّ على عكس القادة الإسرائيليين عمومًا. لم يكن يومًا عضوًا أو مراقبًا في المجلس الوزاريّ المصغّر للشؤون الأمنيّة والسياسيّة (كابينيت)، الذي سيرأسه في حال فوزه في الانتخابات.

إن وصول شخصيّة من هذا النوع، غير واضحة المعالم، وترشّحها إلى رئاسة حزب العمل يجعل منها شخصيّة صعبة الفهم، خاصة إذا ما أضفنا إلى هذه الوضعيّة الحالة السياسيّة التي خلقها نتنياهو باتهامه لحزب العمل باليساريّة وموضعة ذاته و"الليكود" في اليمين. ومن هذا الباب - أي باب السياسة الإسرائيليّة الداخليّة - فإن غبّاي انتقل من معسكر إلى آخر؛ من معسكر "يمين" إلى معسكر يُتّهم بالـ"يسار".

 

"العمل" والاندفاع وراء "الليكود"

مع بداية الأسبوع الماضيّ، صرّح غبّاي في مقابلة مع القناة الإسرائيليّة الثانية تصريحين أثارا الرأي العام الإسرائيليّ: الأول هو نفيّ إمكانيّة تشكيل حكومة ومعسكر يضم القائمة المشتركة؛ والثاني هو معارضته لإخلاء مستوطنات في الضفّة الغربيّة حتّى في حالة توقيع اتفاق سلام. أمّا الحالة الثالثة التي قام بها غبّاي، وأثارت الرأي العام الإسرائيليّ، لا سيما أنها تختلف عن نهج "حزب العمل"، فهي قيامه أولًا باستضافة رجل دين يهوديّ "راف" لافتتاح مناسبة حزبيّة بكلمات توراتيّة، وتصريحه بأنّه يهوديّ مؤمن، وأن الإيمان بالديانة اليهوديّة هو شرط وجود اليهود على أرض فلسطين.

إن ما قام به غبّاي عمليًا هو طرح البرنامج الانتخابيّ لليكود واليمين الإسرائيليّ، من على منبر زعامة حزب العمل. والوصول إلى هذه النتيجة، هو تجسيد صيرورة طويلة من التحوّلات على مستوى الخطاب السياسيّ، وليس النهج، خاضها حزب العمل للحاق بالليكود والمجتمع الإسرائيليّ، كان آخرها إقرار خطّة إحاطة المستوطنات بجدار وعزل الفلسطينيّين ماديًا في كيانات غير متواصلة كأساس لحل أحاديّ الجانب على الصعيد السياسيّ. أما الجديد الذي يطرحه غبّاي في الحزب، فهو درجة التديّن أو الخطاب الدينيّ مقابل ليبراليّة "العمل" الاجتماعيّة القديمة، التي ميّزته عن الليكود في الشارع الإسرائيليّ داخليًا.

منذ "انتخابات الانقلاب" في العام 1977، وهي الانتخابات التي فاز فيها "الليكود" على حزب العمل للمرّة الأولى حتّى يومنا هذا، يتداعى "العمل" ويتفكّك لصالح تشكّل وتماسك معسكر اليمين الذي يتموضع "الليكود" في مركزه، ويشكّل نواته الأساسيّة على المستويين: ثقافته ووزنه السياسيّ. وعلى الرغم من أن حزب "العمل" فاز منذ العام 1977 مرّات عدة في الانتخابات ونجح في تشكيل حكومة، إلّا أنّه لا يزال في تراجع مستمر حتّى انهار أخيرًا في استطلاعات الرأي. فقد أشار استطلاع أجري في شهر آب/أغسطس الماضي إلى أن كتلة "المعسكر الصهيونيّ" التي تضم حزب العمل وتسيبي ليفني سويًا ستحصل على ما يعادل 13 مقعدًا مقابل 34 مقعدًا لحزب الليكود بزعامة نتنياهو.

رافق هذا الانهيار التدريجيّ تحوّل دائم ومستمر في "العمل" للحاق بحزب الليكود والتأقلم مع الواقع المجتمعيّ - السياسيّ الذي أنتجه "الليكود" خلال سنوات حكمه، من خلال خطابه المتمثّل أولًا بعدم وجود شريك للسلام، وبالتاليّ رفض توقيع اتفاقيّات، أو إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين، والرفض الدائم لإقامة دولة فلسطينيّة. وثانيًا، استقطاب اليهود الشرقيين الذين شكّلوا أساس مخزون أصوات "الليكود" بعد أن همّشهم "العمل" والنخب الأشكنازيّة التي هيمنت على الدولة العبريّة، وتمثّلت في حكم "مبّاي"، ولاحقًا حزب العمل الذي انبثق منه. ومن هنا يمكن فهم الجانب الثانيّ من حيث كون غبّاي المُنتخب من أصول شرقيّة، والأدق أن يكون المتنافسان الأخيران على زعامة "العمل"، وهما غبّاي وبيرتز، من أصول شرقيّة.

أمّا على الصعيد السياسيّ في كل ما يخص الفلسطينيين، فإن الخلاف بين "العمل" و"الليكود" لم يكن يومًا خلافًا على الهدف العام. بل كان دائمًا، منذ خلاف جابوتنسكي - بن غوريون، حول قرار التقسيم وقبوله أو عدمه، بمثابة خلاف على التكتيك: "العمل" يؤمن بالتمركز، ومن ثم إعادة الانطلاق الاستعماريّ، و"الليكود" يؤمن بالحرب المستمرّة ضد العرب. "الليكود" يقول لا وجود لدولة فلسطينيّة، و"العمل" يوقّع اتفاقيّة تنص على حل نهائي ودولة فلسطينيّة منقوصة ولا يطّبقها. "العمل" يدّعي أنّه سيفتح مسارًا سياسيًّا جديدًا مع الفلسطينيين لحل الصراع، ويدّعي في المقابل أنّه "لا يوجد شريك فلسطينيّ للسلام"، و"الليكود" يدّعي منذ البداية وخلال الحملة الانتخابيّة أنّه لن يخوض أي مفاوضات إلّا بشرط الاعتراف بالدولة اليهوديّة. "العمل" يدّعي أنّه يريد السلام ويبني مستوطنات دائمة في الوقت ذاته، أمّا "الليكود" فيعد بالبناء والبناء والبناء. "العمل" يتحدّث عن إخلاء مستوطنات ولكنّه يبني، و"الليكود" يتحدّث عن بناء مستوطنات ويبنيها.

إن هذا الواقع، خلق حزبين أو ثقافتين حزبيّتين: الأول يدّعي أنّه يريد السلام ويمارس العكس؛ والثانيّ يمارس ما يدّعي ويفي بما يعد. إن هذه الحالة، وخاصة قيام "العمل" بتوقيع اتفاقيّة "أوسلو" التي كان نتنياهو من أشد المعارضين لها، ويضاف إليها استغلال الأخير للخطاب السياسيّ الذي يتبنّاه "العمل"، أي فتح المسار السياسيّ لموضعة الحزب والتحريض عليه على أنّه "يسار"؛ دفعت بحزب العمل إلى تبنّى إستراتيجيّة دفاعيّة عن ذاته، وعن مشروعه على أنّه مشروع لا يقل صهيونيّة عن مشروع "الليكود".

 

 تبدّلات بطيئة على مدى طويل: غبّاي الصورة الناتجة

كان أمام حزب العمل مساران يستطيع سلوكهما باتجاهين مختلفين: الأول هو اللحاق بـ"الليكود" وتبنّي مواقف مطابقة للاستحواذ على مصوّتيه ومنافسته في معقله؛ والثاني التمسّك بالخطاب السياسيّ الذي رفعه الحزب إبان توقيع اتفاقيّة "أوسلو" وبعدها، حيث الاستمرار في العمليّة السياسيّة التي تمنحه الغطاء اللازم في الساحة الدوليّة لاستمرار مشروع الاستيطان الصهيونيّ. إلّا أنّه، في الحقيقة، حصل نوع من أنواع تبني الخيار والنفيّ الكلّي: لم يذهب حزب العمل فقط إلى تبنّي الخيار الأول بالذهاب إلى اليمين وراء "الليكود" فقط، بل وأطلق الحزب النار على الخيار الثانيّ، فكان بذلك يختار الأول ويُعدم الثاني أو إمكانيّة العودة إليه، أي إعدام برنامجه السياسيّ الذي تبنّاه منذ بداية سنوات الـتسعينيات حتّى منتصف العام 2000 حين أعلن زعيم الحزب إيهود براك في العام 2000، مع عودته من مفاوضات كامب ديفيد، أنّه "لا شريك للسلام"، واندلاع الانتفاضة الثانيّة بعدها.

بهذا الإعلان، قام براك أولًا بإعدام البرنامج السياسيّ، وثانيًا ببث روح "الليكود" وثقافته في المجتمع الإسرائيليّ كاستنتاج وصل إليه حزب العمل بعد تجربة، حين أكّد الادّعاء الذي حمله "الليكود" والمدرسة التنقيحيّة في الصهيونيّة عمومًا، والذي يزعم أن الفلسطينيّين لن يقبلوا بوجود المستعمر الإسرائيليّ، ولن يوقّعوا معه اتفاقيّات، وسيبقى العداء قائمًا، فلن يتنازلوا عن حقهم، والحل يكمن في "الجدار الحديدي" والقوّة حيث يتم بناء منظومة من الردع تفقد الفلسطينيّين الأمل بالتحرّر، وأن العرب يمكنهم أن يطبّعوا علاقاتهم مع إسرائيل، أمّا الهويّة الفلسطينيّة فهمي متمايزة ولن تتصالح مع الصهيونيّة.

يشكّل وصول غبّاي إلى زعامة الحزب نتاج صيرورة طويلة بعض الشيء من التحوّلات في الخطاب السياسيّ، صاحبها استقطاب الحزب لشخصيّات أكثر يمينيّة، وفي غالبيّتها انتمت سابقًا إلى التيّار الأيديولوجيّ، إن لم يكن الإطار الحزبيّ المشكّل لحزب "الليكود". فغبّاي، الزعيم الجديد ليس الأول ولا الأخير على ما يبدو، الذي دخل حزب العمل وفي مناصب عليا وهو ذو خلفيّة ليكوديّة. فتسيبي ليفني مثلًا، شريكة حزب العمل في ائتلاف "المعسكر الصهيونيّ"، كانت عضوًا في "الليكود" وحزب "حيروت" الذي لا يختلف كثيرًا عن "الليكود" من حيث المنبع الأيديولوجيّ. وحيليك بار، الذي شغل منصب سكرتير عام "العمل" كان من الأشخاص المركزيين في ترسيخ الليكوديّ نير بركات كرئيس لبلديّة الاحتلال في القدس.

هذا على صعيد الأشخاص الذين يشكّلون الائتلاف والحزب حديثًا. أمّا على صعيد الخطاب السياسيّ، فإن مؤتمر حزب العمل في منتصف العام 2016 أجرى تغييرًا على خطّته ورؤيته لحل الصراع، وتبنّى خطّة جديدة تنص على انسحاب أحاديّ الجانب في الضفّة الغربيّة من خلال الحفاظ على المستوطنات في الضفّة الغربية واستكمال بناء جدار الفصل العنصريّ، إذ يعزل الفلسطينيين في معازل من خلال الجدار للحفاظ على أمن المستوطنين والإبقاء على المستوطنات كما هي، وهو ما يضمن أولًا عدم إخلاء المستوطنات والانسحاب، وضمان عدم المضيّ في دولة واحدة، أي منح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا داخل المناطق (أ). وهذا عمليًا، ما يقوم به نتنياهو وحزب الليكود على أرض الواقع، ولعل هذا ما يفسّر تعليق نتنياهو على هذا التحوّل السياسيّ بما معناه "فهمتم الصورة متأخرا".

يشكّل وصول غبّاي إلى زعامة الحزب في الآراء التي يحملها ورؤيته السياسيّة وتاريخه الحزبيّ تجسيدًا لما تريده قاعدة حزب العمل وكوادره من جهة؛ وتجسيدًا للتحوّلات الطويلة في الحزب وخطابه السياسيّ - الاجتماعيّ لمجاراة المجتمع الإسرائيليّ في تحوّله نحو اليمين والتديّن من جهة أخرى. ولعل هذا ما يفسّر تقدّم غبّاي إلى الحزب بخطاب دينيّ أيضًا لا ينكر العلاقة ما بين "الوجود- الرواية الدينيّة"، بل يعزّزها. إذ في الوقت الذي كان حزب العمل تاريخيًا يتمسّك بالصهيونيّة العمّالية العلمانيّة، يدّعي غبّاي أن شرط الوجود على أرض فلسطين هو الإيمان بالدين اليهوديّ كديانة، كإيمان ربّاني وخلاص ربّاني.

 

فلسطين أمام معسكرين متناحرين سياسيًا على إبادتها

مع افتتاح الدورة الشتويّة للكنيست في العام الحاليّ، قال نتنياهو إن المنافسين "يريدون منّا إخلاء اليهود من أرض إسرائيل، يريدون منّا إخلاء مستوطنات". قفز أحد أعضاء "العمل" من مقعده صارخًا ومقاطعًا نتنياهو "هذا كذب، أنتم من قمتم بإخلاء المستوطنات، أنتم من قمتم بفك الارتباط عن غزّة، أنتم من تقتلعون اليهود من أرض إسرائيل". هذا المشهد العفويّ والروتينيّ تقريبًا في الكنيست هو المثال الأفضل للسياسة الإسرائيلية: الائتلاف والمعارضة يتنازعان ويزايد الواحد على الآخر من منهم أكثر دعمًا وتأييدًا وتكريسًا للاستيطان في الضفّة الغربيّة.

إن واقع وجود معسكرين في إسرائيل يتصارعان على من يستوطن أكثر ومن يحرّض أكثر على الاستيطان والفلسطينيين عمومًا، يضع فلسطين وخاصة مشروع التسوية الذي تبنّته منظّمة التحرير الفلسطينيّة منذ أوائل سنوات التسعينيات أمام واقع مأزوم وطريق مُغلق، سيتأزم أكثر مع اشتداد المعركة الانتخابيّة والصراع بين المعسكرين الذي يتأجّج على أساس نفي الوجود الفلسطينيّ وإمكانيّة وجود كيان سياسيّ فلسطينيّ .. تحريض متبادل ومزايدة على التطرّف. وبالتاليّ، يضع ذلك الفلسطينيّين أمام واقع يجب فيه البدء بإجراء مراجعة تاريخيّة، والبحث الجاد عن بدائل سياساتيّة تُراعي هذا المشهد الإسرائيليّ، وتبحث عن البديل للخروج منه.

 

خاتمة

في الواقع، باتت الساحة السياسيّة والمجتمع الاستعماريّ الإسرائيليّ يعيشان حالة من التبادليّة التحريضيّة: السياسيّ يحرّض المجتمع؛ والمجتمع يعود بعمليّة تبادليّة ليغذي التحريض، ويُطالب به في الصندوق. هذه حلقة يشكّل التحريض على الفلسطينيّ ككيان سياسيّ ومجتمع وقودها وضمان استمراريّتها. وإذا أضيف إلى هذا الواقع السياسيّ حالة التديّن المتصاعدة في المجتمع الإسرائيليّ، فإنّنا أمام واقع لا يقتصر على الضفّة الغربيّة، بل يتّسع أيضًا للمناطق المحتلة العام 1948، إذ يغدو "الأغيار" بغض النظر عن الموقف السياسيّ أو المكانة القانونيّة - السياسيّة أعداء.

وهذا ما يدلّل عليه الصراع الحاليّ الإسرائيليّ: الصراع بين الصهيونيّة العمليّة والصهيونيّة القوميّة، وقد وصل إلى مناطق الحسم النهائيّ، وبات العمّاليّون (حزب العمل ومبّاي) يصارعون على أحقّية الخطاب التصحيحيّ الذي يشكّل المنبع الأيديولوجيّ للصهيونيّة القوميّة. أمّا الصراع الناشب اليوم، فهو صراع من نوع آخر: صراع بينيت- نتنياهو. أي بكلمات أكثر وضوحًا، الصراع بين القوميين والمتديّنين. وفي هكذا صراع، يُلغى الفلسطينيّ كليًا كشرط أساسي للصراع ليس فقط ككيان سياسيّ ومجتمع، بل أيضًا كفرد يعيش في دولة اليهود باعتباره غير يهوديّ، وهو ما يبرز في قانون القوميّة الجديد، والهجوم على المحكمة الإسرائيليّة العليا.