خير جليس ... محاصراً باللغة!

e-mail icon
خير جليس ... محاصراً باللغة!
خالد الحروب
مقالات
-
الاثنين, 31 آب (اغسطس), 2015


في ذات لقاء في أواخر تسعينيات القرن الماضي قال لي الراحل عبد الوهاب المسيري إنه كتب عن فكرة "نهاية التاريخ" في كتاب له صدر العام 1972، واحتل ذلك التعبير جزءا من عنوان الكتاب. كان ذلك قبل صدور كتاب فوكوياما بعشرين سنة. 
اختلفت فكرة المسيري عن فكرة فوكوياما جوهريا، فبالنسبة للأول كانت فكرة "نهاية التاريخ" هي الخلاصة التي تحملها اية ايديولوجية فاشية ترى في نفسها المآل النهائي للبشرية، وترى في ما تطرحه الخلاص المحتم والوحيد للعالم والتاريخ وبالتالي النهاية الطبيعية له. 
"نهاية تاريخ" فوكوياما كما نعلم هي انتصار الليبرالية الغربية ورأسماليتها في مواجهة الشيوعية، وهو الانتصار الذي دوى عاليا إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال التهديد الشيوعي الايديولوجي للرأسمالية، بكونه التهديد الاكثر جديا لها منذ تبلورها. 
لا تتوقف هذه السطور عند جوهر هذه الفكرة او تلك، بل ما تتأمل فيه هو انتشار فكرة معينة وكتاب بشكل هائل مقابل عدم انتشار فكرة اخرى وكتاب آخر قد لا تقل اهميتهما. اذكر تماما نبرة المرارة التي كانت تغلف كلمات المسيري وهو يقارن بين الاحتفاء العالمي والشهرة الطاغية التي حظي بها فوكوياما وكتابه، والجهل وعدم المعرفة التي كانت مصير كتابه هو. 
مثال المسيري - فوكوياما ليس فريدا بطبيعة الحال ولا استثنائياً، بل يمكن القول وبكثير من الثقة ان هناك آلاف الكتب والافكار صدرت ولا تزال تصدر بلغات عديدة، وفي جهات مختلفة من العالم، لكنها غير محظوظة ولا مؤلفيها لأنها لم تصدر بلغة من لغات المتروبول الغربي المتسيدة راهنا، ولم تصدر في قلب تيار النشر العالمي الذي يعمل على الترويج للكتب والافكار وتسويقها ضمن آليات نشر معقدة ومعولمة.
فهل كنا سمعنا مثلا بـ "صراع حضارات" صاموئيل هانتنغتون او حتى بـ "استشراق" إدوارد سعيد وما رافق انتشارهما ورواجهما منذ صدورهما في القرن العشرين لو كانا قد صدرا بالاوردو، او المالاوية، او الأمهرية، او لو عاش مؤلفوها في الكونغو، أو تركمانستان، أو سورينام، وتحدثوا وكتبوا بلغاتها؟ وكذا هل كان العالم قد وصله ما كتب ابن رشد وابن خلدون وابن سينا لو كانوا قد عاشوا في ما كانه الكونغو، او تركمانستان، او سورينام، وكتبوا بلغاتها؟ تنتشر اللغة والثقافة وما تنتجان من افكار وكتب على رافعة الفعالية الحضارية والقوة والنفوذ للحضارة المعنية، وهذا هو المدخل الاولي لتأمل تلك الانحيازات في الانتشار والسيادة. وتتداول الحضارات على امتلاك ناصية، او امبريالية، الثقافة وما يصدر عنها من كتب وادب وافكار حين يحين دور هذه او تلك. 
لا نعرف مثلا إن كان ثمة كاتب عبقري يبدع في بقعة نائية من عالمنا اليوم بلغته المحلية التي لا تُترجم الى "اللغات الحية"، ولا احد يتابع افكاره، ولا احد منا يعرف ماذا يكتب ذلك العبقري. 
لا نعرف ايضا في ما ان كانت هناك فكرة او كتاب خارق للعادة نشر حديثا او منشور قديما لكنه بعيد عن دائرة الضوء المُسيطر عليها من قبل اللغات والثقافات المتسيدة اليوم. 
لا نعرف كيف يمكن ان يُزاحم كتاب او  فكرة يتبلوران بعيدا عن المساحات المُسيطر عليها ثقافيا بإمبرياليات وافكار واعلام الانجلوفون او الفرانكوفون او الاسبانوفون.
كأنه قانون مُستل من الفيزياء ان تترافق امبريالية ثقافية ولغوية مع امبرياليات الجيوش والنفوذ والاديان والاقتصاد والتمدد الجغرافي. 
فعلى روافع السيطرة اللغوية والانتشار والاعلام المُعولم والاكاديميات التي تدور في فلك اللغات السائدة تتقدم الكتب التي كُتبت بلغات المتروبول، وتصير مصدر الانتاج الفكري "العالمي"، ويتهمش غيرها ما لم يركض الى نفس الدوائر ويُنتج بنفس اللغات ووفق القواعد المرُسمة من قبل تلك الثقافات الظافرة. 
ليس هذا حصرا في امبرياليات اليوم الغربية بل هو سمة لصيقة بكل امبريالية انتجتها البشرية في جهاتها الاربع. 
وهنا والان، وكما هناك والامس، يبقى سؤال الحضور والمنافسة من قبل افكار وكتب "الهامش" صعبا وثقيلا وشبه يائس.
اليوم تبطش امبريالية وسيادة الانجليزية حتى بلغات المتروبول الاخرى كالفرنسية والاسبانية والالمانية، وفيه يصبح فضاء الانجلوفون العنوان الاهم لانتاج الكتب والافكار. 
يبدو الامر مضمار سباق غير عادل، مسارات العدائين فيه متفاوتة السهولة والعسر. المحظوظون القلة، التابعون لفضاء اللغة والثقافة الظافرة، يمتد امامهم مسار ممهد، مفرودة على جانبيه عوامل الاسناد: إعلام يحتفي بإنتاجهم، سوق يلتهم ما يصدرون ويضاعف نشره وتوزيعه، جامعات ومراكز بحث تناقش افكارهم وتستضيفهم. الاكثرية غير المحظوظة تمتد امامها مسارات سباق تعج بالعقبات، اولها ضرورة ان الانتقال الى الفضاء المتروبولي الثقافي والكتابة بلغته للظفر بالاهتمام. لكن، تتغرب الافكار عن بيئتها الحضارية عندما تتقولب في لغات ثانية وتصبح علاقتها بالأصل واهية ومُتسمة بالحيرة والتوتر. 
ليس القصد هنا التشاكي او استدعاء مظلوميات والوقوف على اطلالها، ذلك ان الكل في الامبرياليات التاريخية سواء، على اختلاف درجات البطش. لكن القصد تسجيل ملاحظة وشحذ التفكير فيها، مع الإبقاء على مساحة المشترك الإنساني التي تروض وروضت الامبرياليات وابقت في تلك المساحة ما انتجه الثقافات عبر التاريخ ايا كانت لغاتها وايا كانت امدية مكوثها في الظل او المركز: ففي ذلك المشترك العميق ما زلنا نستمتع بالكاما سوترا الهندية، ونقرأ بعدها طاغور، ونتعلم من صن تزو فن الحياة قبل فن الحرب، وتارة نتصفح الف ليلة ليلة واخرى الشاهنامة.
khaled.hroub@yahoo.com