رسالة مفتوحة إلى الرئيس

e-mail icon
رسالة مفتوحة إلى الرئيس
زياد خدَاش
مقالات
-
الاثنين, 7 آذار (مارس), 2016

السيد الرئيس 
أنت شخص حاول أن يأتي بفلسطين لنا معزّزة، وأنا شخص يحاول أن يدافع عن حقه في حماية فلسطين من سوء الحظ، أو من سوء السلوك. أنتَ لستَ شيطاناً، أعرف ذلك. وأنا لست غيفارا، أعرف أيضاً، وهذه ليست رسالة من معلم فقط، هي ليست من مثقف بالضبط، فأنا لستُ إميل زولا، وأنت لست فيلكس رئيس الجمهورية الفرنسية. هذه ليست نسخة فلسطينية من (إني أتهم)، لكنها الآن من مواطنٍ بسيط، بسيطٍ جدا، تتحكّم في يومه البلاهة، والأحلام البسيطة إياها، تصل إلى نزهةٍ عائليةٍ إلى عين قينيا، أو زيارةٍ إلى حديقة الحيوانات في قلقيلية. 
مواطن يعيش في قاع الأشياء، يا سيادة الرئيس، يعني في قلبها. مواطن يعرف كل شيء، ولا يستطيع عمل شيء. مواطن هش، ينام مبكراً جداً، سريع البكاء. مواطن يسيل من خاصرته تاريخ حافل بالغضب وبالفداء، مواطن حتماً سيكون ابن شهيد، أو والد معتقل أو شقيق جريح، أو قريب مبعد، مواطن بمهن بسيطة، مواطن يرى ما لا تَرى (إذا افترضنا أنك لا تعرف ما الذي يجري)، أو ما لا يُسمح لك أن تراه. أريدك، سيدي الرئيس، أن تعتبرني ضابط استخبارات شجاعا، لا يقبض راتبه من وزارة ماليتك، بل من وزارة الضمير إن صح التعبير. نعم، هذا مخيال كاتب، أعرف، ربما يثير هذا رغبتك في الضحك، أو يثير رغبتي في البكاء. لكن، ليس هذا مهماً كثيراً، المهم هو استماعك لإفادة الضابط الوهمي الأصيل الذي يرغب في أن ينقل إليك الصورة، من دون تزويق أو قص أو محو أو مونتاج. الصورة كاملة، الصورة عاريةٌ، إلا من تاريخها ووجعها وسورياليتها، ربما لن تصل إليك هذه الرسالة، ربما يصل إلي زوار الفجر قبلها بثوانٍ، أو بعدها بساعات. 
أحاول أن أتخيّل يومك، النهوض مبكراً جداً (فالمعلم أو الموظف القديم الذي فيك، يرغب دوما بذلك). المكتب وتقارير الوزراء والسفراء والضباط، ومشروع الغضب من شخصٍ ما وفصله، واستقبال الضيوف الأجانب، وتقارير الصحافة المحلية والعالمية، ثم العودة ظهراً إلى البيت، ومواصلة الغضب والشك بشخصٍ ما ومحاولة اعتقاله. العودة مساءً إلى المقاطعة، بعد قيلولة خفيفة، والعودة إلى التفتيش في تقارير الضباط عن شخصٍ، يقول شخص شيئاً لا يعجبك. (ربما تكون هذه الرسالة من ضمن القصاصات التي ستغضبك مني قريباً). 
حزين جداً، سيادة الرئيس، من أجلك. لم أكن أريد أن أراك، أنت الثمانيني الذي أمضى حياته يحاول انتزاع كرامتنا من فم الهزائم، منشغلاً بدأبٍ عنيدٍ بصنع هزيمته الشخصية أمام شعبه. مطاردة الذين لا تتفق معهم في الرأي لن تأتي لك بنصر داخلي، فلا نصر داخلياً ما دام الاحتلال واقفاً خلف مقاطعتك، يعد أنفاسك وأنفاس شعبك. أحببتك كثيراً ذات يوم، وشعرت بالفخر لأنك رئيسي، فعقلانيتك السياسية تطابقت تماماً مع ما أفكّر فيه، أما سلامة لغتك العربية في الخطابات، فقد كانت دوماً محط إعجابي كثيراً. اعتبرتك رجل دولة، قاده الحظ الجغرافي والسياسي إلى استلام مقاليد حركة تحرّر وطني. فيما بعد، اكتشفت أنها لم تعد حركة تحرّر، بل كيان حكم ذاتي، يحاول أن يصبح سلطة وطنية. 
ما يحدث، يا سيادة الرئيس، لم يعد المواطن البسيط يفهمه. ليس غباءً، حاشا لله، بل لأنه، أي المواطن البسيط، لا يتوقع أن يأتي ظرفٌ يتم فيه الضحك عليه واستغلاله، بعد كل التضحيات الوطنية التي قدمها، هو وعائلته وشعبه. صارت المعادلة غير مفهومة، الأوغاد واللصوص والمتسلقون والكذابون هم أسياد اللحظة، بينما يقبع الفقراء والموظفون الصغار في قاعها، والقبوع الطويل في قاع اللحظة، يا سيادة الرئيس، يعلّم الإنسان خاصيةً شعبيةً خطيرةً، هي غضب البساطة. وحين تغضب البساطة، لا يوقف غضبها، لا هراوة شرطي ولا قرار اعتقال ولا تهديد بقطع الأرزاق. 
باختصار شديد، سيادة الرئيس، ثمة من يملكون الحق وثمة من يملكون الأشياء. هذه عبارة لأحدٍ لا أتذكر اسمه، تلخص تماماً حزن المواطن الفلسطيني البسيط الذي سقف أحلامه، في هذه المرحلة، أن يشتري لأولاده وجبة من كلاج عمر اللذيذة.