رسالة مفتوحة إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير

e-mail icon
رسالة مفتوحة إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير
ممدوح العكر
-
السبت, 26 نيسان (أبريل), 2014

السادة أعضاء المجلس المركزي المحترمين،

أشعر كمواطن أن من واجبي الوطني أن أخاطبكم بكل مسؤولية وصراحة وأنتم مِمّنً يتحملون عبء اللحظة التي تواجهها بلادنا فلسطين،  أرضاً وقضيةً وشعباً، خاصة وأن توقيع اتفاق المصالحة الوطنية في غزة قبل أيام يمكن أن يؤشر إلى مرحلة جديدة تفتح آفاقاً واسعة لشق مسار جديد لحركتنا الوطنية بقيادة منظمة التحرير إذا ما أحسنّا مراجعة تجربة أكثر من عقدين واستخلصنا الدروس والعبر الصحيحة، وإذا ما أدركنا أن هذه المرحلة التي قد نكون مقبلين عليها تتطلب تعزيز تماسكنا الداخلي مقروناً بالارتقاء بآلية اتخاذ قراراتنا إلى مستوى المسؤولية الجماعية وأن تكون هذه الآلية قائمة على المعرفة والتحليلات المعمقة والسيناريوهات والخيارات المدروسة.

وأي محاولة للإسهام في هذه المراجعة الشاملة كخطوة ضروريه لشق هذا المسار الجديد لا بد وأن ترى أن المشروع الصهيوني يزداد تغولاً ، ونراه يسابق الزمن وبشكل خاص في نشاطاته الاستيطانية المحمومة وفي عملية تهويد القدس بما لا سابق لها. بينما تقطعت السبل بنا وبمشروعنا الوطني، في حق تقرير المصير والاستقلال والعودة ، منذ ان دخلنا نفق أوسلو المظلم والمغلق ، أجل المظلم والمغلق .

فقد قبلنا على أنفسنا  الالتزام بأن نسلك طريقا وحيداً  أوحداً لحل  " الصراع " وهي  طريق المفاوضات. فسلكناها دون ضوابط ومرجعيات واضحة وبلا سقوف زمنية ، وبلا أخذ الحيطة  بالعمل على بلورة بدائل وخيارات فيما لو اتضح لنا ، خلال هذه المفاوضات ، سوء النوايا الإسرائيلية  وسعيها لأن تجعل ميزان القوى على الأرض وإملاءاته المحدد الأساسي للحل دونما اعتبار لحقوق شعبنا  ، و فيما إذا تبين لنا ان (إسرائيل) تستغل المفاوضات غطاءً لتعميق الاحتلال بدلاً  من  تفكيكه  ، وللمضي حثيثاً في تنفيذ المشروع الصهيوني لتحويل فلسطين الى وطن  قومي حصرياً  للشعب اليهودي .

قبلنا بكل ذلك ، وتعاملنا  مع اتفاق أوسلو  بحسن نية مفرطة وبتوقعات لا أساس لها على أرض واقع الممارسات الإسرائيلية اليومية ، بل ورضينا حتى بما هو  أقسى من ذلك حين قبلنا بالتنسيق الأمني مع الاحتلال  .

لقد اعتبرنا أن كل ذلك إنما كان ثمناً نقدمه على مذبح حريتنا واستقلالنا  ، وأن طريق المفاوضات التي أُجبرنا على سلوك نفقها كممر إجباري وحيد لا بد وأن نرى نور الحرية في نهاية هذا النفق  .

فماذا كانت نتيجة هذا المسار . لا أظنني  بحاجة لأن أسرد عليكم  تفاصيل الواقع ألذي آلت إليه أحوالنا من منظور اقترابنا أو ابتعادنا عن أهدافنا الوطنية المعلنة التي من أجلها دخلنا عملية المفاوضات   .

والآن ، أما وقد اتضحت أمامنا كل  الصورة وحقيقة ظلمة وانسداد نفق المفاوضات، وما آلت إليه حالنا بعد مسار أكثر من 22 عاما من التفاوض المرير مع (إسرائيل) خاصة مع تجربة الشهور التسعة الأخيرة، أما آن لنا ان يتوقف مجلسنا المركزي لمواجهة الحقيقة، وندرس هذه التجربة، ونستخلص الدروس والعبر وصولا إلى تصحيح ذلك  المسار .

حتى صاحب أي مشروع فردي إذا ما أكتشف ان مشروعه  يعاني من خسائر متتالية بعد سنتين او ثلاثة او خمس سنوات، فإنه يجد نفسه مضطراً لأن يراجع نفسه ويعيد حساباته  وطريقة إدارته  للمشروع . فما أحرانا بمثل هذه المراجعة  ونحن لسنا بأصحاب مشروع فردي بل أصحاب مشروع وطني  ومصير وطني، وأمضينا أكثر من 22 عاماً من الالتزام  بسلوك طريق وحيد هو  المفاوضات رغم أنها أدت وتؤدي يومياً الى خسائر متواصلة من لحم قضيتنا ودمها .

أما آن لنا ان ندرك ان هذه المفاوضات قد حشرتنا في مربع  وفي قلب ملعب المشروع الصهيوني الذي أصبح واضحاً للقاصي والداني أنه لا يمكن  أن يقبل لنا بأكثر من حكم ذاتي فاقد للسيادة حتى لو طاب لنا ان نسمي ذلك إمبراطورية وليس فقط دولة. أما آن لنا ان ندرك أننا لن نتمكن من إنهاء الاحتلال من خلال عملية تفاوضية فقط ، حتى لو كان لدينا عشرات  كبار المفاوضين، لن ينتهي الاحتلال يا سادة إلا عندما يصبح هذا الاحتلال مشروعاً خاسراً ل(إسرائيل) يومياً، وعلى كل الأصعدة: مادياً،  واقتصادياً، وأمنيا، وسياسياً، ودبلوماسياً، وأخلاقياً.

آن لنا أن ندرك يا سادة، وقبل فوات الأوان، أن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة هو مشروع كفاحي نضالي بامتياز ،  ولا يمكن ان يكون على الإطلاق مشروعاً تفاوضيا. دور المفاوضات في المشروع الكفاحي  يأتي فقط في مرحلة تالية ، و فقط  بعد أن يدرك المحتل ان مشروعه أصبح خاسراً وأن " عليه أن يحمل عصاه ويرحل".هذه حقائق و بديهيات أدركتها كل حركات التحرر الوطني من قبلنا، ولن نكون نحن الفلسطينيون استثناءً  تاريخياً لهذه البديهية، خاصة أننا نواجه خصماً ليس محتلاً وحسب بل هو  صاحب مشروع استعمار استيطاني إحلالي وبنكْهةٍ  خاصةٍ  لنظام أبارتيد وفصل عنصري .

الإخوة أعضاء المجلس المركزي

أمامكم الآن، وأمام شعبنا و قضيتنا، فرصةٌ  فريدة، وأكاد أقول أنها ربما تكون الفرصةٓ الأخيرةٓ  لمجلسكم كي يمارس دوراً تاريخياً  فيقوم بتصحيح المسار، بعد أن أصبح هذا  التغيير  ضرورةً  ملحةً لا تحتمل المزيد من التأخير أو المماطلة  أو الهروب من استحقاقاتها. ومن هنا وفي هذا السياق أرى أهمية  أن يكرس اجتماعكم جلّ  اهتمامه  للتصدي للأولويات التالية: -

أولاً - حول المفاوضات :

لا بدّ من اتخاذ قرار حاسم بالنسبة للمفاوضات على ضوء استعراض التجربة كاملةً على نحو ما ذكرت آنفاً، كخطوة أولى لتغيير المسار باتجاه تفعيل الخيارات الأخرى المتاحة والممكنة والضرورية، مع وضع العمل السياسي بما فيه المفاوضات في سياق المسار الجديد والتوجهات الإستراتيجية الجديدة وليس العكس. بمعنى ان العمل السياسي والمفاوضات يجب ان يخدما التوجهات الإستراتيجية وجزءا داعماً لها، لا أن نجمد كل خياراتنا خدمة لخيار المفاوضات ، وفقط المفاوضات، ومفاوضات إثر مفاوضات .

ويجب أن ندرك أن المراجعة الشاملة لمسيرة المفاوضات على طريق تغيير المسار يجب ان يقترن بإعادة النظر بالكثير من المواقف التي أتت في سياق تلك المفاوضات، وأولها سحب فكرة تبادل الأراضي من التداول. ففكرة تبادل الآراضي أًصبحت غطاءً إسرايلياً لشطب حدود 67 التي نريد إقامة دولتنا الحره المستقلة عليها، كما أصبحت صكاً يمنح الشرعية للإستطيان الذي هو جوهر المشروع الصهيوني

من الضروري أن يكون قراركم واضحاً وقاطعاً أن لا رجعة للمفاوضات ( عندما تنضج الظروف الملائمة لها) إلا ضمن الشروط التي تم الإعلان الرسمي عنها من حيث التزام (إسرائيل) بالإفراج عن الأسرى، وتجميد كافة النشاطات الإستطيانيه بما يشمل القدس، والتزامها بحدود 67، وأن تكون مفاوضات ذات مرجعية واضحه وملزمه. كما لا بد من التمسك إضافة لذلك بأن تتم المفاوضات مستقبلاً ضمن إطار دولي ذي مصداقية وألا نعود إطلاقاً لمفاوضات تنفرد أمريكا برعايتها. وأهم من كل ذلك ألا تتم أية مفاوضات مستقبلاً إلا في سياق مسارٍ جديد وجزءاً من خيار استراتيجي جديد أخذت مكوناته في التبلور في السنوات الأخيرة ، وتتركز في المحاور التالية: -

أ - تفعيل كافة أشكال المقاومة الشعبية. وهذا يعني تلقائياً وقف التنسيق الأمني . مٓنْ يقاوم الاحتلال لا يمكن أن ينسق معه أمنياً.

ب - المضي قدماً في تفعيل دور القانون الدولي، واستكمال الخطوات المترتبة على حصول فلسطين على مكانة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، من أجل مساءلة (إسرائيل) ومحاصرة سياساتها على الساحة الدولية. فهناك الكثير مما يمكن عمله لقضِّ مضاجع (إسرائيل) على هذه الساحة.

ج - دعم برنامج مقاطعة (إسرائيل) وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها ( BDS ) ولا يليق بنا في هذا السياق أن نحاكم نشطاء حملة (BDS) لممارستهم حقهم في حرية الرأي والتعبير طالما وشريطة أن يتم ذلك بطرق سلمية. كما لا يليق بنا ونحن نوقع على أرقى ما وصلت إليه الإنسانية من مواثيق وعهود لصيانة حقوق الإنسان أن نلجأ إلى نصوصٍ قانونيه تم العثور عليها في قوانين عقوبات بالية وليست بذات صلة ووردت في قانون يتعلق بضبط "التسول"

د - تبنّي خطة صمود اقتصادية  تنسجم مع مقتضيات   ومتطلبات  شعب تحت الاحتلال ، من حيث استعادة روح التضامن والتكافل المجتمعي  وضبط النزعات الاستهلاكية المفرطة والتي جعلت شرائح واسعة من شبابنا رهائن لرواتب وقروض ، وإعادة النظر في الكثير من السياسات الاقتصادية الخاطئة التي قادت بنا الى تكريس جلّ ميزانيتنا العامة نحو أجهزة  "الأمن "بدلاً من تكريسها نحو شبكة  "الأمان" المجتمعية ونحو التعليم والصحة والزراعة على سبيل المثال. خطةً تدير ظهرها  لكل محاولات مقايضة وربط المساعدات الاقتصادية بالمساومة على مواقفنا السياسية وحقوقنا الوطنية.

ثانياً - حول إعادة بناء منظمة التحرير :

لا بد من اتخاذ خطوات عملية لإعادة بناء منظمة التحرير  الفلسطينية لتستعيد دورها إطاراً وجسماً تمثيلياً حقيقياً يقود الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، بما في ذلك إعادة موضعة دور السلطة الوطنية كذراع لمنظمة التحرير الجديدة ويخدم توجهاتها الإستراتيجية الجديدة بعد أن أصبحت هذه السلطة في وضعها الحالي عبئاً، إن لم تكن عقبةً على طريق المشروع الوطني ، وبعد أن أصبح الحفاظ عليها هدفاً في حد ذاته بدلاً من أن تكون وسيلةً وأداة على طريق إنهاء الاحتلال . وفي هذا السياق علينا أن ننتبه، وبإمعان شديد لمغزى ودلالات التهديدات الإسرائيلية والأمريكية ضدنا لمجرد تلميحاتنا بحلّ السلطة ...!

ثالثاً - حول تعزيز المصالحة وإنهاء الانقسام

والآن وقد تم اتخاذ خطوه كبيره على طريق إنهاء الإنقسام والتي لن تكون بالتأكيد طريق تنفيذها معبدهً بالورود وخالية من الصعاب والإحباطات. اسمحوا لي في هذا السياق ان اقترح أن يتم التركيز بشكل خاص على أحد أهم بنود إتفاق المصالحة لاعتقادي أن من شأن هذا البند أن يكون مدخلاً لإعادة  بناء. م.ت. ف.،  ويمكن له أن يكون في  ذات الوقت مدخلاً لتعزيز المصالحة والوحده الوطنية،

وذلك البند هو المتعلق بتشكيل الإطار القيادي المؤقت. إذ أنني أعتقد مع الكثيرين بألا نكون في عجلةٍ من أمر الإنتخابات قبل أن يتم التمهيد الضروري لإجرائها كي تأتي هذه الإنتخابات تتويجاً للوفاق الوطني، وللحيلولة دون أن تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الإنقسام والاستقطاب الداخلي، وكي لا تعيدنا إلى كوابيس التناحر العشائري والجهوي والفصائلي، وحتى داخل الفصيل الواحد نفسه. وهذا يتطلب أن نسير في تشكيل الإطار القيادي المؤقت جنباً إلى جنب مع بلورة توافق على برنامج عمل وطني ومسار جديد يعيد صياغة مشروعنا الوطني

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ولتأكيد أن لا نكوص عن الانتخابات يترتب على الإطار القيادي المؤقت المبادرة إلى إجراء انتخابات قاعدية  لمختلف النقابات والاتحادات  المهنية والقطاعية  في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني كخطوات تمهيدية لإعادة بناء م . ت .ف . من الأسفل الى الأعلى .

الأخوه أعضاء المجلس المركزي:

إذا كنا قد وصلنا، أخيراً، إلى الاستنتاج الدقيق والذي عبّر عنه مراراً د. صائب عريقات بأن بعض أهداف (اسرائيل) الاستراتيجية تتلخص في أن (إسرائيل) تريد لنا سلطة بدون سلطة وتريد إحتلالاً بدون تكلفة وتريد أن تبقى غزه خارج فضائنا الوطني.

ألا يقودنا هذا إلى ضرورة تغيير المسار للحيلولة دون تحقيق (إسرائيل) لهذه الأهداف؟؟

فهل يستطيع مجلسكم الموقر ان يسمو ويرتقي الى تحديات المرحلة المصيرية ، وأن يفكر خارج الصندوق ؟

إذا لم يتمكن  مجلسكم الآن من ذلك، فمتى ؟

وإذا لم يتحمل مجلسكم هذه المسؤولية ، فَمَنْ غيركم  ؟

أبٓعْدٓ  فوات الأوان ؟ وهل يغفر لكم  التاريخ وشعبنا ذلك ؟

وهل يبقى لكم من شرعيةٍ  بعدئذٍ .. ؟؟

 

نقلًا عن صحيفة "القدس"