سياسات تعزيز صمود التجمعات البدوية شرقي القدس المحتلة

e-mail icon
سياسات تعزيز صمود التجمعات البدوية شرقي القدس المحتلة
خضر الريس، سلمى حنتولي، محمد غروف، هنادي حمّاد، يوسف سالم
تحليل سياسات
-
الأحد, 15 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2017

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات بالبرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2017).
 

المقدمة

تعيش التجمّعات البدوية الفلسطينية[1] التي تقطن في المناطق الواقعة شرقي القدس المحتلة خطر التهجير القسري، جرّاء السياسيات الإسرائيلية الرامية إلى السيطرة والاستيلاء على أكبر مساحة من الأراضي الفلسطينية وطرد سكانها.

وتقع معظم هذه التجمعات البدوية في منطقة تسمى (E1) حسب التسمية الإسرائيلية التي تقع بين البلدة القديمة للقدس غربًا، وبين مستوطنة "معاليه أدوميم" شرقًا، وتُعرف هذه المنطقة جغرافيًا وتاريخيًا بصحراء القدس. وبحسب تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التابع للأمم المتحدة يعيش ما يقارب 2300 من السكان البدو في 20 تجمعًا تقع على التلال الشرقية المطلة على القدس، أكثر من 80% منهم لاجئون، وأكثر من ثلثهم من الأطفال. وتعتمد هذه التجمعات البدوية على حرفتي تربية المواشي، والزراعة.

لقد انتهجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الحرمان من الخدمات الأساسية "الماء، الكهرباء، الصحة، التعليم" تجاه التجمعات البدوية بهدف ترحيلها وتهجيرها قسرًا. وفي المقابل سعت السلطة الوطنية الفلسطينية لتوفير الخدمات لها بانتهاج سياسات ترمي إلى تعزيز صمود تلك التجمعات. فكيف انعكست هاتان السياستان على الأرض، وما آثارهما؟ هذا ما ستتطرق إليه الورقة.

لقراءة الورقة أو تحميلها ... اضغط/ي على هذا الرابط

المشكلة

تتكون مشكلة هذه الورقة من شقين، هما:

  • الشق الأول: سياسات التهجير الإسرائيلية عبر الحرمان من الخدمات الأساسية التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق سكان التجمعات البدوية شرق القدس المحتلة، والتي تهدف من خلالها إلى التضيق عليهم بهدف تهجيرهم من أراضيهم ومناطق سكناهم الطبيعية بحجة أنهم يعيشون فيما يصطلح عليه إسرائيليًا "أراضي دولة"، وذلك بهدف الشروع في تنفيذ مشروع (E1) الاستيطاني الهادف إلى تحقيق تواصل جغرافي بين مستعمرة "معالي أدوميم" من جهة، ومدينة القدس المحتلة من جهة أخرى، وهو ما سيؤدي إلى فصل المدينة وسكانها تمامًا عن باقي التجمعات الفلسطينية في الضفة.
  • الشق الثاني: سياسات السلطة لإحباط مخطط تقطيع أوصال الضفة بالتركيز على مواجهة إستراتيجية التهجير الإسرائيلية التي مع سعيها لمواجهة المشكلة، إلا أن الحلول والخطط التي تطرحها تنقصها البدائل والحلول السياساتية، والتي من شأنها عرقلة وإيقاف سياسات الحرمان الإسرائيلية بوصفها جرائم ضد الإنسانية تنتهك القانون الدولي الإنساني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اللذين يلزمان الدولة المحتلة بمسؤولية تقديم الخدمات للسكان الخاضعين للاحتلال، إضافة إلى تجذير تعزيز صمود السكان البدو على الأرض.

 

أهداف الورقة

الهدف الأساسي:

تقديم حلول سياساتية للسلطة الفلسطينية تساعدها على مواجهة الآثار الكارثية لسياسات الحرمان الإسرائيلية من الخدمات الأساسية بحق سكان التجمعات البدوية، لتتجاوز هذه الحلول السياسات التكيفية المتبعة فلسطينيًا حتى الآن لمجابهة السياسات الإسرائيلية المجحفة.

وتهدف الحلول المقدمة إلى تعزيز صمود التجمعات البدوية، وتحميل إسرائيل المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية على انتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني ومبادئ الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، لعدم تحملها مسؤولياتها إزاء السكان الأصليين، ولتكريسها وتنفيذها سياسات حرمان تهدف لتسهيل تهجيرهم قسرًا كما حدث لكثير منهم خلال العقود الماضية.

الهدف الفرعي: اقتراح آليات وخطوات عملية يمكن للسلطة الفلسطينية استخدامها في عرقلة سياسات الحرمان الإسرائيلية، وصولًا إلى إيقافها والقضاء على آثارها.

 

السياسة الإسرائيلية: حرمان التجمعات البدوية من الخدمات وتهجير السكان

ركزت السياسات الإسرائيلية على التطهير العرقي، وهدم البيوت المقدسية، والترحيل والتهجير القسري، بهدف إقامة "القدس الكبرى" التي ستبلغ مساحتها أكثر من 600 كم مربعًا؛ تمتد من جنوب رام الله (مطار قلنديا) إلى الجنوب، حيث التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون" الواقع بين بيت لحم والخليل، وشرقًا إلى البحر الميت، وغربًا إلى غربي القدس، أو ما يطلق عليه الاحتلال غابة "بيت شيميش".

وتعمل إسرائيل في سبيل تحقيق هذا الأمر حاليًا على مصادرة المنطقة المسماة (E1) التي سيتم فيها إقامة تواصل استيطاني جغرافي وديمغرافي، يهدف لربط مستعمرة "معالي أدوميم" بالقدس المحتلة، ليفصل بذلك القدس عن محيطها العربي الأقرب في الضفة، عدا عن شطر الأخيرة إلى شطرين، الأمر الذي يتمفصل مع عملية استكمال بناء جدار الفصل العنصري شرق القدس، وهو ما يهدف في المحصلة النهائية إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة العام 1967 وعاصمتها القدس الشريف.

لقد ظهرت بواكير هذه السياسة الإسرائيلية بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة والقطاع العام 1967، إذ بدأت إسرائيل بمصادرة الأراضي التي يعيش فيها البدو تحت مبررات كونها أراضي للاستخدام العسكري أو محميات طبيعية، الأمر الذي أضّر بالنمط الرعوي لحياة التجمعات البدوية، وقلص قطعانهم من الماشية بشدة. علمًا بأن 30% منهم فقط ما زالوا يعتاشون من الرعي، بينما تمت بلترة الباقي وتحولوا إلى عمال.

وقد أخذت سياسات المصادرة والتهجير تتصاعد رويدًا رويدًا، فمنذ سبعينيات القرن المنصرم وحتى اليوم، صادرت دولة الاحتلال الإسرائيلي 48000 دونم في منطقة شرق القدس بهدف إقامة مستعمرة "معالي أدوميم"، 13000 دونم منها ضمن ما يسمى (E1)، لتقوم لاحقًا في الثمانينيات بطرد مئات البدو لمنطقة مكب القمامة التابع لبلدة أبو ديس قضاء القدس، واستمر هذا الأمر حتى في أعوام 1994 و1997 و1998، إذ طُرِد المئات من البدو بعد هدم خيامهم ومساكنهم، وبعد أن رفضت محكمة العدل العليا الإسرائيلية طلباتهم بوقف الطرد.

ويعيش البدو في تلك المنطقة في ظروف صحية ومعيشية صعبة، حيث تنتشر الأمراض، وتتهددهم الغازات القابلة للاشتعال والمتراكمة في مكب القمامة التي يمكن أن تسبب في أي لحظة بكارثة مروعة بحقهم.

كما قامت الإدارة المدنية الإسرائيلية بما يمكن تشبيهه بنوع من أنواع الشعوذة القانونية التي تتمثل بإعطاء عائلات البدو الذين تم تهجيرهم قسريًا تعويضات هزيلة لا تزيد في أفضل الأحوال عن 30000 شيكل، إضافة إلى بيت يقع على مساحة تتراوح (500 - 1500 متر مربعًا) في منطقة مكب القمامة، مقابل التنازل عن أي حقوق لهم مدعاة في الأراضي التي هجروا منها، والتي أقيمت عليها مستعمرة "معالي أدوميم" دون الأخذ بالاعتبار البطلان القانوني لآثار هذا التعويض كون البدو قد هجروا بقوة السلاح لا بإرادتهم الحرة.

وفي الوقت الحالي يتهدد ما قرابته 3000 بدوي في القدس المحتلة خطر الطرد المباشر (1400 منهم يعيشون في منطقة E1)، وتتخذ دولة الاحتلال بحقهم مجموعة من سياسات الحرمان من تقديم الخدمات الأساسية تتمثل بــ:

  • سياسة الحرمان من الماء: وتجلت هذه السياسة بهدم آبار تجميع مياه الأمطار التي يقيمها البدو، وتجفيف نبع ماء قريب من المكان يسمى بـ"بواد الحوض"، وتحويله إلى بئر ارتوازي يغذي مستعمرة "معالي أدوميم".
  • سياسة الحرمان من التعليم: تمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إقامة أي مدارس في المكان، حيث لا تتوافر للتجمعات البدوية سوى مدرسة واحدة، وهي مدرسة الخان الأحمر المختلطة التي تخدم خمسة تجمعات بدوية حتى الصف التاسع الأساسي فقط. ويعاني أطفال البدو بالأساس من الوصول إليها بسبب خطورة ووعورة الطرق التي يمرون بها جراء منع سلطات الاحتلال إياهم من استخدام الشارع الرئيسي. هذا عدا عن أن أغلب الطلاب الملتحقين بهذه المدرسة من الإناث والذكور لا يستكملون تعليمهم بسبب عدم وجود مدارس لمراحل أعلى، إضافة إلى صعوبة وصولهم إلى المدن القريبة لاستكمال التعليم المدرسي والجامعي بسبب المنع الإسرائيلي لذلك، عدا عن الظروف الاقتصادية الصعبة.
  • سياسة الحرمان من الخدمات الصحية: يعتبر مستوى الخدمات الصحية المقدمة للسكان البدو في غاية السوء، إذ تتنصل سلطات الاحتلال من مسؤولياتها، وتمنع إقامة أي عيادات صحية جديدة في المكان. وحاليًا لا يتوفر لخدمة هذه التجمعات سوى عيادة واحدة، تتسم خدماتها بالإهمال، وقلة توافر العلاجات والأدوية اللازمة.
  • سياسة الحرمان من مصادر الرزق: تقوم سلطات الاحتلال بمنع السكان من رعي الأغنام  في الأراضي الموجودة في المنطقة، وذلك بالتذرع بكونها أراضي دولة أو أراضي مصادرة لغرض التدريبات العسكرية.
  • سياسة الحرمان من طرق المواصلات: ترفض دولة الاحتلال تعبيد أي طرق للمواصلات يمكن أن يستخدمها البدو للتنقل، وتمنع سكان الخان الأحمر من المرور عبر الشارع الرئيسي، الأمر الذي يضطرهم إلى سلوك طرق وعرة وصولًا إلى غاياتهم.

تتمفصل السياسات الإسرائيلية المذكورة أعلاه مع عمليات الهدم المستمرة. وبحسب تقارير حقوقية عديدة للأمم المتحدة، تقوم الإدارة المدنية الإسرائيلية بشكل دوري بمصادرة مبانٍ مؤقتة، أو وسائط لتوليد الكهرباء عبر الطاقة الشمسية التي تقدمها بعض المنظمات الإنسانية الدولية، وذلك بهدف خلق بيئة طاردة للبدو من المكان، إذ تسعى سلطات الاحتلال لتجميعهم في ثلاثة تجمعات هي (النويعمة، فصايل، العيزرية) حسب مخطط ظهر للعلن في العام 2012، منتهجة في سبيل تحقيق ذلك سياستي الترهيب، والترغيب المتمثلة بمنح البدو منازل وتعويضات مالية شحيحة لأجل القبول بالمخطط التهجيري المذكور.

 

الآثار اللاحقة لتهجير وترحيل التجمعات البدوية

ستُلحق سياسات الاحتلال المتمثلة بالتهجير والحرمان بحق سكان التجمعات البدوية أضرارًا إستراتيجية فادحة، يمكن إجمالها في الآتي:

  • تطويق مدينة القدس المحتلة من كافة الجهات بالمستعمرات الإسرائيلية، وقطع أي تواصل جغرافي أو ديمغرافي بينها وبين المحيط الفلسطيني الأقرب في الضفة.
  • فصل شمال الضفة عن جنوبها عبر قطع التواصل الجغرافي الممتد بينهما، وبالتالي استحالة قيام دولة فلسطينية في الضفة متواصلة جغرافيًا، وتكريس نظام الأبرتهايد والمعازل العرقية، الأمر الذي يهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف.
  • تهديد القطاع الاقتصادي الزراعي الفلسطيني، فحرمان التجمعات البدوية من حرفتهم الرئيسة "رعي الأغنام وتربية المواشي" جراء منْعهم من المراعي الطبيعية، ما سيؤدي إلى خسارة فادحة في الثروة الحيوانية في الضفة الغربية.
  • تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها البدو ومصادرة أراضيهم لإقامة المزيد من المستعمرات اليهودية.

 

السياسات الفلسطينية: تعزيز صمود التجمعات البدوية

تسعى السلطة الوطنية لمواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي وإفشال كافة المشاريع الاستيطانية تجاه التجمعات البدوية، من خلال تثبيت وجودهم في أماكن سكناهم، وحقهم في العيش بأرضهم وفق نظام حياتهم ونمطهم البدوي. وقامت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بـ:

  • تقديم هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لخطة إستراتيجية فلسطينية لمجلس الوزراء، تهدف إلى تكثيف الجهود من قبل جميع الوزارات والهيئات لتوفير الاحتياجات والمتطلبات للتجمعات البدوية، ومنها: التأمين الصحي، والعيادات المتنقلة، والمياه، والطاقة الكهربائية، والتعليم، ومساعدات في إعادة ترميم البيوت، والمشاريع التشغيلية لتوفير فرص العمل ... إلخ؛ للوصول إلى حياة كريمة تعزز صمود التجمعات وقدرتها على تحدي إجراءات الاحتلال على مختلف الأصعدة الحياتية والقانونية والاقتصادية.
  • تنفيذ الزيارات الميدانية للتجمعات البدوية بهدف الاطلاع على أحوال البدو والإجراءات الإسرائيلية بحقهم، والمطالب التي يحتاجون إليها من أجل تعزيز صمودهم.
  • وعود بتنفيذ مشاريع تنموية وحيوية: صرحت السلطة في العام 2014 بوعود لمشاريع تنموية وحيوية تستهدف الأراضي المهمشة والمهددة من الجدار والاستيطان والتجمعات البدوية، وذلك لتلبية احتياجات سكانها التعليمية والصحية والزراعية والتنموية. فعلى سبيل المثال أعلن رئيس الوزراء عن حزمة من الدعم والمشاريع لهذه المنطقة، منها تخصيص 4 مليون شيكل لدعم الأعلاف، وزراعة 5000 دونم وجعلها منطقة غابات رعوية، و800 طن من البذار العلفية، وتخصيص مبلغ 2.5 مليون شيكل للتطعيم ضد الأمراض، وتوفير سيارة إسعاف وعيادتين بيطريّتين تخدمان هذه المنطقة، بالإضافة إلى الاستمرار في برنامج تعويض المزارعين المتضررين من الاستيطان، وتأهيل وبناء العديد من الآبار الزراعية، إلى جانب الاهتمام بقطاع التعليم والعديد من المشاريع.

ويلاحظ أن الإجراءات التي قامت بها السلطة الفلسطينية أو التي تخطط للقيام بها مستقبلًا على إيجابيتها إلا أنها لا تشمل خطوات تزيد القدرة على عرقلة سياسات الحرمان الإسرائيلية، كما أنها لا تحاول استغلال الأبعاد المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني والنضال الجماهيري لمواجهة إجراءات الاحتلال.

 

مطالبات التجمعات البدوية

بناء على مقابلات ميدانية مع عينات من السكان البدو المهددين بالتهجير شرق القدس، فقد تركزت مطالبهم وتوقعاتهم من السلطة الفلسطينية في:

  • انخراط الشعب الفلسطيني بكل شرائحه في حمل قضية التجمع، بصفته همًّا وطنيًا، يستدعي ضرورة وضع إستراتيجية نضالية متكاملة، تحمل في طياتها المحافظة على الطابع الفلسطيني البدوي للتجمعات، وفي نفس الوقت ترفع الظلم الواقع عن كاهل ساكنيه.
  • الشروع في حملات إعلامية تفضح سياسات الاحتلال، وتجرم بطشه بحق مواطني التجمعات.
  • تشكيل لجان شعبية تتصدى لاقتحامات الاحتلال المستمرة، وتعرقل سيره.
  • ضرورة تنظيم لقاءات ثقافية وترفيهية تُدعى إليها وفود رسمية وشعبية لزيارة الموقع، والتعرف إليه عن قرب، والاستفادة من جمالية المكان لاستقطاب السياحة الداخلية لتلك المنطقة.
  • الشروع في استصلاح الأراضي المحيطة بالتجمعات من خلال زراعتها.
  • الخروج عن المألوف بالتعامل مع الاحتلال، من خلال تنفيذ مشاريع خاصة بالتجمع، تشمل تعبيد الطرقات، ومد شبكات المياه والكهرباء، وتنظيم دورات تثقيفية وترفيهية ورياضية على أرض التجمع لأهالي المنطقة، وفرض سياسات أمر واقع على حكومة الاحتلال، مع ضرورة إضفاء الطابعين الرسمي والشعبي على الزيارات، وتسليط عدسة الإعلام على التجمع.

ويمكن في هذا السياق الاستفادة من تجربة المقاومة الشعبية الإبداعية والمتمثلة في قرية "باب الشمس" الرمزية التي أقامها قرابة 120 ناشطًا من المقاومة الشعبية الفلسطينية على الأراضي المهددة بالمصادرة شرق القدس، تيمنًا  برواية الأديب اللبناني الياس خوري، وذلك بتاريخ 1/1/2013. وهدف المنظمون إلى تسليط الضوء على مخططات إسرائيل المتمثلة بمصادرة أراضي المنطقة من أجل بناء حزام استيطاني عليها لعزلها عن محيطها العربي والفلسطيني.

ونجح المنظمون جزئيًا في هدفهم، إذ حظيت التجربة بتغطية إعلامية واسعة ومشاركة فعالة كشكل إبداعي جديد من أشكال المقاومة الشعبية الفلسطينية. لكن حدث إخفاق في الاستفادة من الزخم الذي وفرته ونقله للتجارب الأخرى اللاحقة، مثل قرى "أحفاد يونس" بالعيزرية، و"باب الكرامة" ببيت اكسا، و"كنعان" جنوب الخليل، و"الصمود والتحدي" قرب جنين، إضافة إلى وجود نوع من التنافس الحزبي والسياسي على تجيير التجربة المذكورة من حيث التنظيم والأهداف، وهو ما أثر على إمكانية الاستمرارية وفعاليتها.

  • استغلال المناسبات الوطنية الفلسطينية وتركيز حشد المواطنين إلى تلك المناطق، لكسر قرارات الاحتلال وشحذ همم مواطني التجمع، مع عدم تغييب أهالي التجمع عن تلك الفعالية، وهذا كله يترجم من خلال تعاون ومشاركة فعلية بين القوى والأحزاب الفلسطينية النشطة في منطقة شرق القدس، والمؤسسات الوطنية وأهالي التجمعات.

 

الجانب القانوني في قضية تهجير وترحيل التجمعات البدوية

تُناقضُ مخططات الإدارة المدنيّة الإسرائيلية أحكامَ القانون الإنسانيّ الدوليّ، التي تحظر نقل السكان المحميّين قسرًا إلا إذا جرى الأمر من أجل سلامتهم وأمنهم أو لغاية عسكريّة. وحتى حين يستوفي الإخلاء هذين الشرطيْن، يجب أن يتمّ بشكل مؤقت فقط. ومن الواضح أن هذين الشرطين غير قائمين في حالة التجمعات البدوية. وزيادة على ذلك، فالسلطات الإسرائيليّة، بصفتها قوة الاحتلال، تتحمّل واجب السعي من أجل مصالح سكان المنطقة ورفاهيتهم.

يقع على عاتق إسرائيل، باعتبارها دولة احتلال حربي، التزامات تجاه الفلسطينيين كسكان أصليين لإقليم تم احتلاله، فهي ملزمة بتوفير خدمات التعليم والصحة والأمن، وغيرها من الخدمات التي يحتاجها المواطنون، وإن عدم توفير هذه الخدمات وحرمان السكان منها جريمة حرب مستمرة، كما وصفها لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام السابق لمحكمة الجنايات الدولية، حين تحدث عن التحقيق الذي يجريه مكتب الادعاء العام في المحكمة حول ملف الاستيطان والتهجير القسري للسكان الفلسطينيين من مناطق سكناهم بطرق مختلفة، على اعتبار أن ذلك يشكل انتهاكًا قانونيًا واضحًا لميثاق روما، ولقواعد القانون الدولي التي تحظر على قوة الاحتلال تهجير السكان بشتى الطرق، سواء كان ذلك بفعل الإيجاب والتدخل المباشر بالتدمير والإخلاء، أو بالسلب منعًا للخدمات وصولًا إلى التضييق الخانق.

وتنتهج إسرائيل منذ زمن أساليب تهجير مختلفة مع السكان البدو تجعل من ظروف الحياة قاسية لا تطاق، إذ تجبر السكان معها في نهاية المطاف على ترك منازلهم والانتقال إلى مناطق أخرى، إضافة إلى انتهاج أسلوب تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم بموجب قوانين عنصرية تعزز التوسع الاستيطاني على حساب حق المواطن الفلسطيني في أرضه والاستقرار الطبيعي فيها.

لقد جرّم القانون الدولي ما تقوم به إسرائيل بحق التجمعات البدوية من خلال نص المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب لسنة 1949، وجاء فيها "حظرت قيام دولة الاحتلال تدمير أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات".

إضافة إلى ذلك، فإن القانون الدولي حظر على دولة الاحتلال تهجير السكان الأصليين واستبدالهم بسكان آخرين، إذ نصت المادة رقم 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على "لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءًا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها"، وعلى الرغم من وجود استثناء على الحالة السابقة ينص على أنه يجوز لدولة الاحتلال نقل السكان الأصليين مؤقتًا لدواعي الضرورة الحربية، أو ضمان سلامتهم وأمنهم من خطر محدق بهم، إلا أن ذلك لا ينطبق على حالة التجمعات البدوية.

إن ما تقوم به إسرائيل من خطط منظمة تجاه التجمعات البدوية وحرمانها من الحقوق الأساسية يحمل مؤشرات واضحة وقوية على هدف الاحتلال الأساسي، وهو تهجير السكان الأصليين من قراهم وأماكن سكناهم لاستكمال المخطط الاستيطاني، وربط شرقي القدس بباقي المناطق التي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

يعتبر القانون الدولي إقامة المستوطنات ونقل سكان دولة الاحتلال إلى الإقليم المحتل مخالفًا للمواثيق والأعراف الدولية، وعلى وجه الخصوص: لائحة لاهاي الرابعة لسنة 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949، وميثاق هيئة الأمم المتحدة لسنة 1945، والعهدان الدوليان لسنة 1966، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي بشأن عدم شرعية المستوطنات وتفكيكها في المناطق المحتلة.

وبالنظر إلى كون الأراضي الفلسطينية تندرج حكمًا وقانونًا ضمن نطاق ومفهوم الأراضي المحتلة، فهنا، تصبح في مثل هذه الأحوال اتفاقية جنيف الرابعة المرجعية القانونية التي تنظم تواجد قوات الاحتلال. وينظم القانون الدولي الإنساني ما يجب على المحتل والتزاماته تجاه الممتلكات العامة والخاصة، والموارد، وثروات الأراضي المحتلة. كما ينظم حدود ونطاق الاستيلاء، ومصادرة الأراضي، أو الانتفاع بالأملاك العامة، أي أن القانون الدولي أوجد جملة من الضوابط والمعايير القانونية الواجب على المحتل احترامها والالتزام بها حال شروعه في ممارسة واستخدام ما وضع لمنفعته من حقوق حيال الأعيان العامة والخاصة في الأراضي الخاضعة لسيادته وإداراته، فالمادة 47 من لائحة لاهاي الخاصة بالاتفاقية الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية تنص على أنه "يحظر السلب حظرًا تامًا"، أما المادة 49 من نفس اللائحة فقد أكدت "عدم جواز قيام المحتل بنقل وترحيل سكانه المدنيين"، وهو أيضًا ما تنص عليه القاعدة 129 من قواعد القانون الدولي العرفي.

ولا بد من الجزم قانونًا بأن أعمال الاستيطان الجارية بإشراف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ودعمها وتمويلها، تتناقض وتتعارض بوضوح مع نص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة. كما أنّ المادة 147 من نفس الاتفاقية تعتبر الممارسات التي تتلازم مع الاستيطان كأعمال التدمير والتخريب والمصادرة بطرق تعسفية من المخالفات الجسيمة التي يعاقب عليها القانون الدولي.

ويضاف إلى ذلك بأن الانتهاكات الإسرائيلية جراء الاستيطان الجاري لم تتوقف عند أحكام القانون الدولي الإنساني، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بعدم انصياعها إلى قرارات الشرعية الدولية المتمثلة بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة. وقد أصدرت الأمم المتحدة قرارات عدة حول الاستيطان، ومنها:

  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2851 لسنة 1977: أدان القرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.
  • قرار مجلس الأمن رقم 446 لسنة 1979: أكد القرار على أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية غير شرعي.
  • قرار مجلس الأمن رقم 452 لسنة 1979: يقضي القرار بوقف الاستيطان حتى في القدس وبعدم الاعتراف بضمها.
  • قرار مجلس الأمن رقم 465 لسنة 1980: دعا القرار إلى تفكيك المستوطنات.
  • قرار الأمم المتحدة بخصوص الجدار بتاريخ 21/10/2003:

جاء هذا القرار على خلفية شروع الحكومة الإسرائيلية في إقامة الجدار العازل، إذ دعاها إلى "وقف وإزالة الجدار المقام في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك أجزاء داخل القدس الشرقية". واعتبرت الأمم المتحدة بناء الجدار انتهاكًا للحقوق الفلسطينية العامة، وأنه يشكل قاعدة للتفرقة العنصرية من خلال السيطرة التي تمارسها لصالح المستوطنات التي ضمها الجدار على حساب الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد عرّفت الاتفاقيات الدولية التفرقة العنصرية على أنها "نظام مؤسس قائم على التفرقة العنصرية من أجل ضمان سيطرة مجموعة عرقية على مجموعة عرقية أخرى وقمعها".

كما يمثل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية العام 2004، بشأن الآثار القانونية لإنشاء الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مرجعية قانونية مهمة في التأكيد على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، وذلك باعتبار أن الجدار أُقيم على أراضي الضفة.

وهذا الحكم جازم ولا لبس فيه، حيث يحظر النقل/الترحيل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أيًّا كانت دواعيه. وتشكّل مخالفة هذه الأحكام انتهاكًا جسيمًا وفقًا للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة) كما تشكل بالتالي جريمة حرب بموجب أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، إذ يتطرق هذا النظام إلى هذه الجريمة بصورة مسهبة في أحكام المادة 8 (2) (ب)، التي تحظر: "قيام دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة، أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها".

فحسب هذه الصيغة التي تعالج عبارة مباشر أو غير مباشر ليس الوضع الذي تقوم فيه دولة الاحتلال بنقل السكان بصورة فعلية وحسب، وإنما تدل على الوضع الذي لا تتخذ فيه دولة الاحتلال التدابير الفعالة التي تحول دون وقوعه. وبناءً على ذلك، ومن أجل إثبات الاستنتاج القاضي بارتكاب جريمة الحرب المحددة التي تنطوي على النقل/الترحيل القسري للسكان.

يتضح مما تقوم به القوة القائمة بالاحتلال) إسرائيل) أنها تحتفظ بالسيطرة التامة على إجراءات التنظيم والبناء ،بدءًا من إعداد السياسات ذات الصلة، وانتهاءً بإنفاذها وفرضها على أرض الواقع. ويشكل هذا الوضع انتهاكًا مباشرًا لأحكام المادة 43 من لائحة لاهاي، والمادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة، إذ تحظر هذه المادة في أحكامها سنَّ تشريعات جديدة أو تعديل التشريعات السارية في الإقليم المحتل ما لم تُستوفَ شروط صارمة في هذا الأمر.

وبناءً على ذلك، لا يجوز إنفاذ مثل هذه الإجراءات إلا إذا كانت تسهم في استعادة النظام العام، أو المحافظة عليه، أو إذا كانت تسهم في ضمان الأمن الحقيقي للقوات المحتلة، أو إذا كانت تساعد القوة القائمة بالاحتلال على الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان أو كليهما، أو إذا كانت تلك الإجراءات تسهم في تحسين حياة السكان المحميين ورفاههم في ظل الاحتلال طويل الأمد.

ومن الناحية الموضوعية، لا يمكن القول بأن تهجير البدو الفلسطينيين رغمًا عن إرادتهم من داخل منطقة E1 يستوفي الشروط التي يقررها أي استثناء من الاستثناءات المذكورة أعلاه.

ويشكل مخطط طرد البدو من بيوتهم وفرض ظروف سكنية كما يحدث مع سكان التجمعات البدوية حين (تمسّ مصادر أرزاقهم، وتعيق عيشهم وفقًا لنهج حياتهم، وتخطيط مجتمعاتهم المحليّة، وتشييد منازلهم بشكل قانونيّ، وربطهم بالبنى التحتيّة وتوفير خدمات الصحة والتربية لهم) انتهاكًا لهذا الواجب، وهو يهدف بشكل واضح إلى دفع مآرب سياسيّة لا تمتّ بأيّ صلة لواجب قوة الاحتلال.

اليوم، تنظر الحكومة الإسرائيلية للتجمعات البدوية في محيط القدس على أنها عقبة أمام تنفيذ مخطط E1 الاستيطاني. ولتنفيذه، ستعمل إسرائيل على ترحيل هذه التجمعات من أماكن تواجدها، وإعادة موضعتها في مناطق أخرى محددة جغرافيا، لذا فهي تحاول خلق ظروف غير مناسبة لحياة الأسر البدوية وغير متوافقة مع ثقافتها، قد تجبرهم على الاضطرار إلى التخلي عن نمط الإنتاج والحياة التي يعيشونها للبحث عن سبل أخرى للعيش لا تتفق مع ثقافتهم، وبالتالي تحويلهم إلى العمالة الرخيصة في المستوطنات الإسرائيلية، بدون حقوق، أو إلى عاطلين عن العمل.

إن المآرب السياسية تكمن في خطورة مخطط E1، إذ باتت معروفة وواضحة، وهي تتضمن تقويض أي فرصة في أن يعيش الفلسطينيون في دولتهم المستقلة، ذات سيادة على كامل أراضيها ومتواصلة جغرافيًا، فهذا المشروع ومعه التجمعات الاستيطانية الكبيرة في شمال الضفة ووسطها وجنوبها، سيجعل من الضفة مجموعة من الكنتونات المغلقة وغير متصلة جغرافيا، ومعزولة عن القدس، وبالتالي تكون فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل فكرةً غير ممكنة، بما يكرس كيانًا فلسطينيًا هشًّا وضعيفًا، ومجتمعًا يعتمد في الحد الأدنى من معيشته على المعونات الدولية.

بناء على ما تقدم، وجب على الجانب الفلسطيني محاربة تلك السياسات بسياسات مقابلة، من خلال تعزيز صمود المواطن، ونقل المعاناة لأروقة المحاكم الدولية، والابتعاد عن المحاكم الإسرائيلية التي تعتمد على نصوص من أنظمة الطوارئ التي لديها، وعلى قوانين منذ زمن الانتداب البريطاني كقانون أملاك الغائبين والأوامر العسكرية التي تسهل سرقة وسلب أراضي الفلسطينيين اللاجئين.

 

البدائل السياساتية المقترحة

أولًا: معايير اتخاذ البدائل

لإيجاد بدائل ناجعة تساعد على تعزيز صمود سكان التجمعات البدوية ومواجهة سياسات الحرمان والتهجير الإسرائيلية، ستعتمد هذه الورقة على المعايير الآتية:

  • واقعية أي خطوات ستتخذ لأجل مواجهة سياسات الحرمان والتهجير الإسرائيلية بحق السكان البدو.
  • واقعية أي خطوات ستتخذ لتعزيز صمود السكان البدو.
  • جذرية الخطط والحلول المقدمة من حيث مساهمتها في حل المشكلة.
  • ديمومة الحلول المقدمة وقابليتها للاستمرارية.
  • ملائمة الخطط المقدمة لاحتياجات السكان ومطالبهم.
  • قابلية الحلول والخطط المقدمة للتنفيذ.

 

ثانيًا: البدائل السياساتية

تقدم الورقة مجموعة من البدائل المقترحة التي يُعول بأن تُشكل في مجموعها حلولًا نوعية يمكن أن تساعد على مجابهة السياسات الإسرائيلية من جهة، وتعزيز صمود السكان البدو من جهة أخرى.

البديل الأول: اعتماد خطة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لدعم وتعزيز التجمعات البدوية المعلن عنها مؤخرًا مع تعديلات طفيفة، إذ إن الخطة تحتوي الكثير من العناصر الإيجابية والوعود بالعمل على تقديم الخدمات الأساسية من تعليم وصحة، إضافة إلى دعم قانوني وخلافه، وبذلك فهي تتناسب مع المطالب المعيشية التي يطالب بها السكان البدو وتساعدهم على تعزيز صمودهم. وتتمثل التعديلات المطلوبة على الخطة بـ:

  • ضرورة حصر الدعم القانوني المقدم من قبل محامي الهيئة للدفاع عن البدو أمام المحاكم الإسرائيلية في محاولة عرقلة الإجراءات الإسرائيلية وإيقافها، لا الدخول في أي صفقات أو مساومات قانونية، لأن ذلك يمثل اعترافًا بشرعية محاكم الاحتلال في البت بمثل تلك القضايا. كما يجب الاتفاق مع السكان على هذه الخطوة بشكل واضح.
  • ضرورة إضافة بند إلى الخطة ينص على ضرورة إرسال مربين ومثقفين للعمل في أوساط البدو، وخصوصًا لدى الأجيال الصغيرة، لنشر الثقافة الوطنية وتجذير انتمائهم لقضيتهم كقضية سياسية وطنية في المقام الأول لا كونها شخصية. فانعدام التعليم، والعزلة التي تفرضها دولة الاحتلال تهدفإلى عدم تبلور وعي وطني منظم للبدو بقضيتهم الوطنية بأبعادها المختلفة.

الفاعلية: مع أن البديل فعال، إلا أنه يجيب أكثر على سياسة تعزيز الصمود، وتقديم الدعم والخدمات على حساب مواجهة السياسات الإسرائيلية

الكفاءة: البديل كفء من جوانب عدة، إذ إنه يلبي أغلب الاحتياجات الخدمية التي يحتاج إليها السكان البدو لتعزيز صمودهم.

إمكانية التطبيق: البديل قابل للتطبيق بشكل جيد، وإن كانت احتمالية مواجهته كبيرة من الاحتلال، فبالإمكان التغلب عليها من خلال التعامل مع الخطة كسيرورة مستمرة بغض النظر عن إمكانيات عرقلتها، وفضحها إعلاميًا بشكل كبير، والتركيز على الانتهاكات الإنسانية التي يرتكبها، إضافة إلى التنسيق مع السكان البدو والمنظمات الإنسانية لإيصال الخدمات إليهم.

المرونة: يحتوي هذا البديل على درجة عالية من المرونة، نظرًا لإمكانية اختيار أيٍّ من عناصر الخطة الأقرب للتطبيق حاليًا، ومن ثم تهيئة الأجواء إعلاميًا.

الوعي العام: هنالك تأييد وإجماع واسع محلى ودولي لمثل هذه الخطوات كونها تمس جانبًا إنسانيًا وحقوقيًا حساسًا، عدا عن حساسية الأمر سياسيًا وأثره على مآلات الصراع العربي الإسرائيلي.

البديل الثاني: التوجه بملف تهجير بدو شرق القدس وحرمانهم من الخدمات الأساسية إلى المحاكم الدولية المختصة، مثل محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية، بهدف مقاضاة الاحتلال الإسرائيلي كدولة وكمسؤولين على ذلك، كون التهجير القسري للسكان يمثل جريمة حرب في القانون الدولي الإنساني، عدا عن سياسات الحرمان التي تمثل انتهاكًا له، كونها تنتهك حقوق الإنسان وتشكل سياسة عقاب جماعي، كما أنها تمثل تنصلًا من قبل القوة المحتلة لمسؤوليتها الخدمية الإلزامية قانونيًا بحق السكان الخاضعين للاحتلال.

الفعالية: يعتبر هذا البديل فعالًا لدرجة كبيرة كونه يواجه جذور المشكلة ويكشف أبعادها القانونية والسياسية، كما أنه يُظهر الصلة بين قضية السكان البدو وبين مجمل القضية الفلسطينية، ولا يسمح للاحتلال الإسرائيلي بممارسة لعبة تجزئة المواضيع وفصلها عن بعضها البعض ليسهل له التعامل معها وفق خططه ومصالحه.

الكفاءة: هذا البديل كفء لدرجة كبيرة كونه يفضح سياسات الاحتلال وانتهاكات القانون الدولي الإنساني التي يرتكبها، إضافة إلى أنه يحمل في طياته استدعاءً لعقوبات معينة يمكن أن تطبق عاجلًا أم آجلًا، رسميًا وشعبيًا، بحق دولة الاحتلال.

إمكانية التطبيق: توجد بعض الصعوبة في التوجه الآني باتجاه اعتماد هذا البديل بسبب طبيعة المناخ الدولي بعد صعود إدارة ترامب وتطابقها مع السياسات الإسرائيلية، وبسبب انشغال الدول العربية بمشاكلها الداخلية، إضافة إلى ضرورة الاستعداد لردود الفعل المتوقعة إزاء هذا القرار دوليًا وإسرائيليًا. وبالتالي يمكن حاليًا الاستعداد قانونيًا بشكل تام لاستخدام هذا القرار، والتوجه لاستعماله فور قيام سلطات الاحتلال بعرقلة جهود السلطة لتنفيذ خطة هيئة مقاومة الجدار، وذلك بعد حملة إعلامية وسياسية دولية ضخمة.

المرونة: قليلة جدًا، إذ إن التلويح بهذا البديل مرارًا وتكرارًا يفقده قوته، الأمر الذي يتطلب عند استخدامه التحضير الجيد له، سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا، والذهاب به إلى النهاية، لأن التراجع يضر بشكل خطير بصورة النضال الفلسطيني وبالحقوق الوطنية.

الوعي العام: هناك قبول واسع لهذا البديل فلسطينيًا، ولكن توجد له معارضة قوية دوليًا من قبل الدول المتنفذة الداعمة لإسرائيل، وإن كان يتمتع بدعم واسع من قبل مناصري القضية الفلسطينية في مختلف دول العالم.

البديل الثالث: تفعيل العمل الجماهيري المقاوم لسياسات الاحتلال في المناطق التي ينوي الاحتلال تهجير البدو منها، على غرار نموذجي نعلين وبلعين، وتغطية انتهاكات الاحتلال وتوثيقها بشكل مستمر وواسع، والعمل على فضحه إعلاميًا في أوساط الرأي العام الدولي، وربط عملية التهجير والحرمان والفصل العنصري التي يقوم بها بحق البدو بعمليات التهجير والإبادة التي حدثت استعماريًا بحق شعوب أخرى، مثل سكان الأميركيتين الأصليين، وسكان أستراليا الأصليين (الأبروجينيلز)، وأحداث الاسترقاق في أفريقيا، ونظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، وملاحقة اليهود والغجر وغيرهما من الجماعات في أوروبا.

الفعالية: بديل فعال من حيث كونه يحافظ على القضية مشتعلة، ولا يسمح لدولة الاحتلال بتمرير مخططاتها بالخفاء والاستفراد بالسكان البدو، ويشعر البدو بأن أبناء شعبهم الفلسطيني معهم قولًا وفعلًا، ولكن لا يتوقع من هذا البديل وحده أن يساهم في تعزيز صمود البدو.

الكفاءة: بديل كفء كونه يزيد الوعي الشعبي بالقضية، ويُشعر الاحتلال بأن هناك أثمانًا إعلامية وسياسية سيدفعها، كما أنه يجذّر القضية بين البدو ويظهر أبعادها الوطنية العامة لا الذاتية فقط.

إمكانية التطبيق: قابل للتطبيق التدريجي بدرجة جيدة، ولكن يجب أن تسبقه عملية توعية واسعة في أوساط البدو، إضافة إلى ضرورة رفد هذه البؤرة المقاومة بناشطين فلسطينيين وأجانب، وضرورة الحفاظ على الطابع الشعبي للمواجهة بهدف تجنب إتاحة الفرصة للاحتلال لإطلاق قوته العسكرية الكاملة للقمع.

المرونة: قليلة كونه بديل مبدئي غير قابل للمناورة، ويتطلب عند البدء به الاستمرار حتى النهاية بغض النظر عن المتغيرات.

الوعي العام: هناك دعم واسع لهذه الخطوة في أوساط الرأي العام الفلسطيني وأحرار العالم.

 

المفاضلة بين البدائل

تقترح هذه الورقة الأخذ بالبدائل الثلاثة المقترحة معًا، إذ إنها تصب جميعًا في حل أبعاد مختلفة للمشكلة، وتوصي بأن يكون تطبيق البدائل وفق التسلسل الآتي:

البدء بتطبيق البديل الأول والثاني بشكل متتالٍ، إذ وفور قيام الاحتلال بعرقلة تنفيذ خطة هيئة الجدار والاستيطان، يتم تفعيل المقاومة الشعبية لمواجهة الاحتلال من جهة، وتسليط الضوء على القضية وفضحه إعلاميًا على المستوى المحلى والدولي من جهة أخرى. وبعد مرور فترة من الوقت ونضج القضية إعلاميًا، وفضح إجراءات وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للقانون الدولي بحق السكان البدو، يتم تقييم سلوك الاحتلال من حيث الزيادة والنقصان والبيئة الدولية الحالية، وبعدها يتم اتخاذ القرار بنقل الملف إلى المحاكم الدولية المختصة ومقاضاة الاحتلال على هذه القضايا.

 

المصادر والمراجع

  1. خطة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لدعم وتعزيز التجمعات البدوية 2017.
  2. القدس الشرقية: مخاوف إنسانية أساسية، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، 2012.
  3. تقرير منظمة بيتسيلم، حزيران 2013.
  4. جريمة تهجير الفلسطينيين، تقرير مقدم إلى لجنة التحقيق الدولية المشكَّلة بموجب القرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة رقم (21/1)، مركز بديل (المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة)، كانون الثاني 2015.
  5. الترحيل القسري للبدو من أجل مخطط E1 الاستيطاني، تقرير صادر عن مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، تشرين الأول 2014.
  6. عبير قبطي، المقاومة الشعبية: نجاحات وإخفاقات (باب الشمس نموذجًا)، مجلة الدراسات الفلسطينية، صيف 2013.
  7. مقابلات مع بعض سكان التجمعات البدوية المهددة بالمصادرة شرق مدينة القدس المحتلة.
  8. مقابلة مع عبد الله أبو رحمة، مدير عام المحافظات والعمل الشعبي ودعم الصمود، هيئة الجدار والاستيطان.
  9. مقابلة مع منال أبو زيادة، مستشارة الوزير للعلاقات الدولية في هيئة الجدار والاستيطان.
  10. مقابلة مع أعايد مرار، الدائرة القانونية في هيئة الجدار والاستيطان.

 

[1] التجمعات البدوية عبارة عن عشائر بدوية هاجرت من موطنها الأصلي في "بئر السبع" و"تل عراد" بفعل المجازر اليهودية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في العام 1948، واتجهت إلى ضواحي المدينة المقدسة في أراضٍ تعود ملكيتها إلى هذه العشائر البدوية، ولكنها تصنف حسب اتفاق أوسلو بمنطقة (ج).