سيناريوهات الحلول المرفوضة

e-mail icon
سيناريوهات الحلول المرفوضة
خليل شاهين
مقالات
-
الأحد, 8 آيار (مايو), 2011

ينطوي كل من السيناريوهات المتعلقة بمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على عناصر مقلقة للأردن وفلسطين، وبعضها يصنف في خانة «التهديد الإستراتيجي» من وجهة نظر مصالح كل من الكيانين «الشقيقين»، وتطلعاتهما في ما يخص تجسيد وحماية الهوية الوطنية على وجه الخصوص. واللافت أن السيناريوهات الأكثر إثارة للقلق على مستوى صانعي القرار السياسي في البلدين، ربما تكون أقلها إثارة للقلق على مستوى فئات وقطاعات من الشعبين قد تتقاطع مصالحها في دعم هذا السيناريو أو ذاك، حتى وإن لم يكن من بين الخيارات المحبذة ضمن السياسات الرسمية.

 

لكن حتى السيناريوهات المرغوبة لبعض الفئات ضمن التركيبة السكانية على ضفتي النهر الشرقية والغربية (حل الدولتين، الدولة الواحدة، الفدرالية أو الكونفدرالية..)، قد تكون غير مقبولة من فئات أخرى، وليس فقط من مستوى الحكم وبعض مكونات النظامين السياسيين القائمين على ضفتي النهر. وهو ما يضفي مزيدا من التعقيد على إشكالية العلاقة بين الأردن وفلسطين، أو ما يطلق على البعض «خصوصية» العلاقة بين الطرفين، وهي علاقة تقرأ على أية حال بصفتها علاقة حكمت تاريخيا - ولا تزال - مستويات من المصالح المتقارية، أو المتباعدة، بين مجتمعات، أو تجمعات سكانية، ما فتئت تبحث عن عن إجابات لسؤال الهوية الوطنية، في ظل نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية وديموغرافية لمتغيرات داهمتها على حين غرة، مرات عدة، منذ العام 1948، دون أن تعطيها فسحة كافية من التاريخ لبناء هويتها المشتركة وفق بنية مستقرة لتطور علاقات الإنتاج على ضفتي النهر، بعيدا عن تداعيات حقبة الاستعمار أو الانتداب الاستعماري في النصف الأول من القرن الماضي، وتأثيرات العامل الإسرائيلي طيلة العقود الستة الماضية.

ولعل العوامل الأكثر تأثيرها في تحديد مستوى تشابك أو افتراق المصالح بين هذه المجتمعات السكانية، والمجتمعات السياسية المعبرة عن مستوى تطورها، هي نتاج المشروع الصهيوني نفسه الذي لا يزال مفتوحا منذ ما قبل العام 1948، مرورا بهزيمة حزيران عام 1967 واحتلال الضفة الغربية، التي كانت تحت الحكم الأردني، إضافة إلى قطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان. لذلك، يؤدي عدم إغلاق المشروع الصهيوني حتى اليوم، أو الأقل السعي الإسرائيلي إلى محاولة إغلاقه في المرحلة المقبلة وفق مصالح نظام الفصل العنصري، إلى استمرار تأثير هذه العوامل المتغيرة على مستقبل الفلسطينيين والأردنيين وآفاق تطور العلاقة بين الطرفين.

كان من بين النتائج الكارثية لاستمرار فتح المشروع الصهيوني على أهداف لا تزال إسرائيل، بحكوماتها المتعاقبة، تسعى لتحقيقها، تكريس حشر الفلسطينيين على أرض وطنهم التاريخي في كانتونات وغيتوهات عدة تنفذ مخططات عدة لترسيمها نهائيا في أراضي 48، والضفة الغربية، وقطاع غزة، فيما يتخبط الأردن في جدل الهوية الوطنية في بلد يشكل فيه الأردنيون من أصل فلسطيني غالبية السكان، إضافة إلى اللاجئين (النازحين) إثر هزيمة 67 ممن لا يحملون الجنسية الأردنية. وهذه النتائج الديموغرافية، بأبعادها الجغرافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، هي ما يغري اتجاهات سياسة وأيديولوجية ذات وزن في الخارطة الحزبية الإسرائيلية بطرح سيناريوهات لحلول سياسية، بالترغيب أو الترهيب، ليس فقط على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، بل وأحيانا على حساب حق الشرق أردنيين في أن يكونوا أردنيين في دولة تسهم في تنمية هويتهم الوطنية وتعبيراتها السياسية، لاسيما من خلال طرح سيناريو «الوطن البديل» تحت شعار «الأردن هو فلسطين»!

عير أن هذا السيناريو هو الأكثر رفضا من قبل شتى التجمعات السكانية في الكيانين الفلسطيني والأردني، إذ يتناقض مع مصالحها جميعا، ويشكل التوافق على إحباطه عامل توحيد مشترك على ضفتي النهر، في حين تبرز التباينات بين هذه التجمعات والقيادات السياسية في الأردن والأراضي السياسية في النظرة إلى طائفة من السيناريوهات المتعلقة بأفق تطور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الأمر الذي ينعكس في بروز تباينات أيضا في الخيارات المعتمدة ضمن السياسات الرسمية فلسطينيا وأردنيا، بما يترتب عليها من حالات انسجام أو توتر تبعا لسناريوهات التسوية السياسية الأكثر تداولا بين فينة وأخرى.

يمكن أن يتضح هذا المنسوب من التوافق أو الافتراق في العلاقات الأردنية الفلسطينية لدى تناول أبرز هذه السيناريوهات لمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من حيث مستوى قبولها أو رفضها أردنيا وفلسطينيا، وليس بالضرورة من حيث مدى واقعيتها في ظل المعطيات الراهنة. وقد اعتمدت «مجموعة التفكير الإستراتيجي الفلسطيني» في وثيقة «نحو إستراتيجيات جديدة للتحرر الوطني الفلسطيني»، المعلنة في تموز 2011، منهجية يمكن الركون إليها في تحديد السيناريوهات المقبولة لدى معظم أو قسم كبير من الفلسطينيين، وكذلك السيناريوهات غير المقبولة، إضافة إلى ستة خيارات لتحقيق الغايات الإستراتيجية الفلسطينية في ظل وصول مسار المفاوضات الثنائية إلى طريق مسدودة. غير أن بعض السيناريوهات التي تبدو مرغوبة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بهذا القدر أو ذاك، قد لا تبدو كذلك في أوساط فئات من الشرق أردنيين، حتى وإن حظيت بقبول في أوساط فئات واسعة من الأردنيين من أصل فلسطيني، بل إن بعض هذه السيناريوهات قد لا تكون مرغوبة حتى في أوساط فئات واسعة من الفلسطينيين في أراضي 48.

وحسب الوثيقة، تتلخص السيناريوهات المقبولة لدى معظم أو قسم كبير من الفلسطينيين بما يلي:

1) دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود عام 1967 عاصمتها القدس، مع «تسوية عادلة» تنجز حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض. وهو سيناريو ما زال يحظى بدعم معظم الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وإن كانت درجة الثقة بمدى واقعية تحقيقه تتراجع كلما حقق مشروع الاستيطان والتهويد مزيدا من التقدم في سحب جغرافيا الدولة الفلسطينية من تحت أقدام الفلسطينيين. لكن هذا السيناريو يجابه بمشاعر تتراوح بين القلق والرفض في أوساط فئات واسعة من اللاجئين في بلدان الشتات ممن يخشون أن يؤدي هذا السيناريو إلى مقايضة الدولة «ضمن» أراضي 67 بحق عودتهم إلى الديار التي هجروا منها، وكذلك في أوساط فلسطينيي أراضي 48 ممن يخشون أيضا أن يضاف إلى هذه المقايضة موضوع الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية على حساب حقوقهم كسكان أصلانيين في وطنهم التاريخي. في المقابل، فإن الأردنيين من أصول من شرق وغرب النهر يخشون أن يفضي هذا السيناريو إلى توطين اللاجئين في الأردن، وهو أمر يثير جدلا محتدما أصلا على مستويات مختلفة في الأردن، بشكل يعتبره البعض عنصرا يمس بوحدة مجتمع يعاني أصلا من عدم تماسك نسيجه المجتمعي، كما ينطوي على تهديد للهوية الوطنية الأردنية.

2) دولة واحدة ثنائية القومية للإسرائيليين والفلسطينيين. وهو سيناريو ترى غالبية الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 67 أنه أكثر صعوبة مما يسمى «حل الدولتين»، في ظل الإجماع الصهيوني على رفضه، وإن كانت فئات واسعة من فلسطينيي 48 تحبذه كأحد الحلول لمشكلة الاضطهاد وعدم المساواة في دولة عنصرية يشكلون أقلية فيها، كما يصون حق الفلسطينيين في تنمية والتعبير عن هويتهم الوطنية في إطار الدولة ثنائية القومية. ومثل هذا الحل لا يبدو أصلا وقعيا في نظر الأردن الرسمي والشعبي على حد سواء، ومن شأن طرحه على أجندة النقاش العام أن يثير الأسئلة ذاتها حول مستقبل الأردنيين من أصل فلسطيني وحق عودتهم إلى دولة ثنائية القومية.

3) دولة واحدة ديمقراطية «ليبرالية» تعامل جميع المواطنين بمساواة أمام القانون. وهو سيناريو ملتبس في نظر الكثير من الفلسطينيين الذين يتبنون تفسيرات متباينة لمفهوم الدولة الواحدة يتراوح بين دعمه كحل على أنقاض الدولة العبرية، او في إطارها مع تحقيق مبدأ «دولة لجميع مواطنيها»، فضلا عن الأسئلة المتعلقة بالبعد العروبي للهوية الوطنية الفلسطيني. لكن ماذا عن حق عودة اللاجئين في الشتات إلى الدولة الواحدة وتقرير المصير؟ فيما لا يبدو بالنسبة للأردن أن هناك إجابات تتعلق بمستقبل علاقته مع مثل هذه الدولة، سياسيا واقتصاديا، وتأثير وجودها على دوره الإقليمي وأمنه القومي وغير ذلك.

4) اتحاد كونفدرالي بين الأردن ودولة فلسطينية مستقلة. ورغم أن هذا الحل سبق أن طرح في مواجهة «مشروع المملكة المتحدة»، إلا أنه يثير على المستوى الفلسطيني خلافات بشأن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، دون أن يتعارض مع حق الفلسطينيين أينما كانوا في نطاق فلسطين التاريخية والشتات في تقرير مصيرهم، كما يثير خطر عدم ممارسة حق العودة، وتوطين اللاجئين في الأردن حتى وإن منحوا حق التصويت لبرلمان الدولة الفلسطينية في إطار الاتحاد الكونفدرالي، وهي مخاوف ينظر إليها الأردن، لاسيما الشرق أردنيين، بجدية، حتى وإن حظي هذا السيناريو بقبول قسم كبير من الأردنين من أصل فلسطيني.

في المقابل، فإن السيناريوهات غير المقبولة للفلسطينيين، حسب الوثيقة ذاتها، تجابه بمواقف أكثر تشددا في رفضها على الجانب الأردني، وتتلخص فيما يلي:

1) استمرار الوضع الراهن وما يتضمنه من مفاوضات مفتوحة ومتقطعة توفر غطاءً لمواصلة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية وتكريس الاحتلال.

2) دولة فلسطينية بحدود مؤقتة ومحدودة السيادة تحت السيطرة الفعلية الدائمة لإسرائيل.

3) فصل أحادي الجانب من قبل إسرائيل يفرض حدودًا من طرف واحد، وقيودًا على حركة الفلسطينيين.

4) أي أفكار تتعلق بإلحاق غزة بمصر، وإلحاق الضفة الغربية بالأردن، أو غيرها من الترتيبات المشابهة.

لا تقتصر السيناريوهات المطروحة على ما سبق، فهناك طروحات إسرائيلية ينشط تداولها إعلاميا وفي نتاج مراكز بحثية إسرائيلية، ومنها الدعوة لحل للمسألة الفلسطينية شرق النهر، من خلال فكرة «الوطن البديل» كما سبقت الإشارة، لكن الأكثر أهمية في سياق معالجة إشكالية العلاقة الفلسطينية الأردنية بارتباطها بمستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يتمثل بتحفيز الخلافات والمخاوف في أوساط المجتمعات الفلسطينية والأردنية على هويتها ومصالحها انطلاقا من تداعيات سيناريوهات لا يبدو تطبيقها في متناول اليد في المدى المنظور مثل «حل الدولتين، أو الدولة ثنائية القومية، أو الدولة الواحدة، أو حتى الاتحاد الكونفدرالي، بل في تحفيز عوامل التوافق المشترك على التصدي، رسميا وشعبيا، للسيناريوهات المرفوضة على ضفتي النهر، والتي تشكل تهديدا استراتيجيا للأردن وفلسطين معا، بدءا من بقاء الوضع الراهن على حاله، مرورا بالدولة الفلسطينية ضمن حدود مؤقتة، أو الفصل أحادي الجانب من قبل إسرائيل، أو إلحاق قطاع غزة بمصر، وإلحاق الضفة الغربية بالأردن.

إن علاقات سياسية وثيقة بين الكيانين الفلسطيني والأردني في المرحلة القادمة لا تبدو عسيرة التحقيق إن استندت إلى حوار سياسي بين مكونات المجتمع السياسي في البلدين يقوم على تحديد سياسات واتخاذ إجراءات لدرء المخاطر التي تهدد حق الشعبين الفلسصطيني والأردني في تقرير المصير وتنمية الهوية الوطنية، وهي مخاطر تكمن في سيناريوهات تسعى إسرائيل من خلالها إلى استكمال المشروع الصهيوني المفتوح على مخططات تنطوي على تهديد وجودي لآفاق تطور الكيانين والهويتين الأردنية والفلسطينية.