سيناريوهات "الضم" بين الزاحف والمعلن

e-mail icon
سيناريوهات "الضم" بين الزاحف والمعلن
رازي نابلسي
تقدير موقف
-
الخميس, 5 كانون الثاني (يناير), 2017

(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد الباحث رازي نابلسي).

 

مقدمة

أعلن وزير التربيّة الإسرائيليّ ورئيس حزب "البيت اليهوديّ"، نفتاليّ بينيت، في اليوم الأول من العام الجديد، أنه سيقوم حتّى نهاية كانون الثاني/يناير الجاري، بمشاركة باقي أحزاب الائتلاف، بتقديم مشروع قانون لضم مستوطنة "معاليه أدوميم"[1]، المُقامة على أراضي بلدة أبو ديس شرقيّ مدينة القدس. وعلى الرغم من أن بعض الوزراء في الحكومة الإسرائيلية أعلنوا معارضتهم لمشروع القانون الذي ينوي بينيت اقتراحه[2]، إلّا أن لجنة الدستور التابعة للكنيست، وتضم أعضاء برلمان من كافة القوى السياسيّة الائتلافيّة، ناقشت يوم الإثنين الموافق 2 كانون الثاني/ يناير المقترح الذي وافق عليه كافة ممثّلي الأحزاب الائتلافيّة، باستثناء حزب الحريديم "يهودات هتوراه"، ووقّعوا دعمًا له.[3]

من المهم الإشارة إلى أنّه على الرغم من دعم ممثّلي الكتل البرلمانيّة في اللجنة الدستوريّة لمشروع القرار، إلّا أن أحدًا من رؤساء الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكوميّ لم يدعم المشروع بعد، باستثناء بينيت ذاته كرئيس لـ"البيت اليهوديّ". وبالإضافة إلى أن أحدًا من الرؤساء لم يدعم القرار بعد، فقد عارضه وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، ووزير التطوير تساحي هنغبي، المقرّب من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي قال "إن أجندة الضم هي أجندة بينيت وليست أجندة رئيس الحكومة"!

ترى هذه الورقة أن الخطوّة التي اتخذها بينيت بإعلانه طرح مقترح القانون حتّى نهاية الشهر الجاريّ ما هي إلّا أحد التجليات السافرة لسياسة فرض الأمر الواقع الإسرائيليّة الاستعماريّة، وما هي إلّا المنتوج النهائيّ للدفيئة اليمينيّة الاستيطانيّة التي شكّلها نتنياهو، ونمت داخلها وتطوّرت "الصهيونيّة المتديّنة"، صاحبة أجندة "الضم القانونيّ" للمناطق (ج) التي تشكّل 61% من المساحة الكليّة للضفّة الغربية.[4]

وفي الوقت ذاته، تعتبر الورقة أن إعلان بينيت بخصوص "الضم" جدّي ويتّسق مع رؤيته، إلّا أنه أيضًا لا يمكن تجاهل تأثير المواقف والردود الفلسطينية والعربية والدوليّة على هكذا مشروع قانون، وفرص تمريره وتنفيذه، وبالتاليّ، ترى الورقة أن حجم التحرك العربيّ والدوليّ المناهض للضم، وبخاصة في حالة تطور رد فعل سياسيّ فلسطينيّ متّسق، من شأنه إحباط مشروع القانون، لا سيما أن قسمًا ذا وزن مؤثر في اليمين والمركز في إسرائيل يعارض المشروع تخوّفًا من إسقاطاته، وليس معارضة لالتهام المزيد من الأراضي.

 من المهم التوضيح في بداية الورقة، أن منطقة (E1) التي يعني ضمّها فصل شمال الضفّة الغربية عن جنوبها، وفي الوقت ذاته تربط المستوطنات في شرقي القدس بـ "معاليه أدوميم"[5]، تقع ضمن منطقة نفوذ "معاليه أدوميم"، ومن شأن ضم المستوطنة عمليًا فصل شرقي القدس نهائيًا عن الضفّة الغربية.[6]

لتحميل الورقة أو قراءتها بصيغة PDF اضغط على هذا الرابط

تحالف أيديولوجي وصراع انتخابيّ

لا يمكن الخوض في قضيّة ضم مناطق من الضفّة الغربيّة دون رصد مدى تأثير "الصهيونيّة المتديّنة"، ممثّلة بحزب "البيت اليهوديّ" ومواقع الحزب في دوائر الحكومة الحاليّة ومدى قربه من مواقع اتخاذ القرار. فعلى الرغم من "التحالف الطبيعيّ" بين الحزب الحاكم "الليكود" و"البيت اليهوديّ" كما عبّر عنه نتنياهو، إلّا أن العلاقة ما بين الحزبين في الحقيقة هي علاقة "تحالف" و"تنافس" في الوقت ذاته. فالتحالف هو تحالف أيديولوجيّ يمينيّ متطرّف يحمل المنافسة في داخله على أصوات اليمين، وبخاصة على مخزون أصوات المستوطنين الذين باتوا يشكّلون أكثر من 11% من مجمل الإسرائيليين اليهود[7]، وربما تزيد النسبة عن ذلك وفق معطيات تشير إلى اقتراب عدد المستوطنين في الضفة الغربية من 800 ألف مستوطن.

ويتنافس الحزبان عمليًا على مخزون الأصوات ذاته، ما يجعل المنافسة بينهما كنزًا للمستوطنين لجهة تعزيز قدرتهم على فرض أجنداتهم. وهو المسبّب نفسه الذي أدّى إلى المصادقة على قانون "تبييض المستوطنات"، والصراع الذي خاضه المستوطنون مع المحكمة العليا على إخلاء مستوطنة "عمونا"، إذ تمنحهما المداولات والمفاوضات في كلتا الحالتين، مادّة دسمة لفهم قوّة المستوطنين وتأثيرهم في الخارطة السياسيّة الإسرائيليّة الآنية، ومحاولة لاستشراف مستقبل مشروع قرار "الضم".

"في العام 1977 انتُخب اليمين. ولكن، فقط في العام 2016 بدأنا نحكُم"، بهذه الكلمات علّق بينيت بعد أن صوّتت الكنيست لصالح قانون "تبييض المستوطنات" بالقراءتين التمهيديّة والأولى، في إشارة إلى هذا التنامي المضطرد في قوة وتأثير المستوطنين.

نعود للمداولات، في البداية أراد نتنياهو تأجيل التصويت على القانون ليس كونه يعارضه، بل تحسبًا من الردود الدوليّة على القانون الذي يتعارض مع القانون الدوليّ. وشاركه المعارضة للقانون وزير الماليّة موشيه كحلون الذي رأى في القانون مساسًا بمكانة المحكمة العليا. لذلك، أراد نتنياهو تأجيل عرض القانون للتصويت من خلال وجهة نظر قدّمها المستشار القضائي للحكومة، وأعلن من خلالها أنه لن يستطيع الدفاع عن القانون في المحكمة العليا بسبب عدم قانونيّته.

جاء رد وزيرة القضاء، رئيسة اللجنة الوزارية للتشريع، أييلت شاكيد، بالقول إن "الكنيست هي الحاكم، وليس المستشار القضائي للحكومة. المسؤولون عن تشريع القوانين هم منتخبو الجمهور وليس المستشار القضائي للحكومة".[8] وخرج بينيت بداية إلى الصحافة، ليعلن أن نتنياهو والليكود لا يدعمان المستوطنات، على لسان "مصدر في البيت اليهوديّ".[9] وعلى الفور، أدخل بينيت "الليكود" ونتنياهو في حالة دفاعيّة، فرد "مصدر في الليكود" قائلًا إن "رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو صوّت مع القانون في القراءة التمهيديّة، بعد أن ضمن أغلبيّة مع القانون بالاتفاق مع وزير الماليّة ورئيس الائتلاف الحكوميّ".

 

ضم "معاليه أدوميم": سيناريو مشابه؟

أثار إعلان بينيت عن نيّته تقديم مشروع قرار لضم مستوطنة "معاليه أدوميم" ردود فعل كثيرة في غالبيّتها معارضة لمشروع القرار، فوصف وزير التطوير من حزب الليكود، تساحي هنغبي القانون على أنّه "كارثة"[10]، وعارضه أيضًا وزير الإسكان، يوآف غلانت، عن حزب "كولانو".[11] ولكن في الحقيقة، فإن بينيت أدلى بهذا التصريح مباشرة مع تمرير قانون "تبييض المستوطنات" قبل نهاية العام الماضيّ خلال مقابلة أجراها مع صحيفة "مكور ريشون" اليمينيّة كجزء من خطّة عمله. وانطلقت الحملة الإعلاميّة منذ شهر تموز/ يوليو الماضي، فكان إعلان الجلسة البرلمانيّة لحزبه في المستوطنة إعادة فقط لما قاله للصحيفة.

أمّا الحملة الشعبيّة التي قادها أعضاء برلمان من كافة الأحزاب الائتلافيّة، فقد بدأت عمليًا خلال مظاهرة في تشرين الأول/أكتوبر الماضيّ، مقابل مبنى الكنيست، للمطالبة بضم المستوطنة، شارك فيها ممثّلون عن كافة الأحزاب.[12] إذًا فمن الممكن أن نكون أمام سيناريو مشابه لذلك الذي مرّ فيه قانون "تبييض المستوطنات"، وبخاصة أن "مصدرًا في الليكود"[13] قال إن "نتنياهو سيحاول منع القانون من الوصول إلى التصويت في الكنيست، لكون الليكود و"البيت واليهودي" ملتزمين للمستوطنين، ما يعني أنهما سيُرغمان على دعم القانون، وبالتاليّ سيمر القانون لأن أحدًا من أعضاء الكنيست غير معنيّ بدفع الثمن".[14]

إن التغيير الذي يقوده بينيت وشاكيد وقيادة "البيت اليهوديّ" الذي تحدّثت شاكيد عنه في مقالة لها تحت عنوان "القطار إلى الحكم"[15]، هو تغيير متوازٍ في القوانين كما هو في القضاء. لذا من الممكن أن نكون أمام سيناريو آخر يفشل نتنياهو فيه بمنع القانون من الوصول إلى التصويت في الهيئة العامّة للكنيست.

 

المعارضة الإسرائيليّة الداخليّة والمؤسسات الحقوقيّة

مع إعلان بينيت الأخير عن طرح مشروع القانون وتقديمه للجنة الدستوريّة، أعلن وزراء من الأحزاب المشاركة في الائتلاف معارضتهم للمشروع. وفي معرض التعليق على الإعلان، قال مصدر في الائتلاف الحكوميّ إنه لا يوجد أي عضو كنيست في الائتلاف سيعارض التوقيع على عريضة لضم المستوطنة ويدفع الثمن، إلّا أن هذا لا يُلزم رئيس الحكومة ورؤساء الأحزاب بدعم القانون"[16]، وهذا ما برز في معارضة ليبرمان لمشروع القانون على الرغم من توقيع أحد أعضاء كتلته البرلمانيّة عليه.

وفي الليكود، قدّر مصدر أن نتنياهو لن يتخذ أي خطوة في مشروع القانون قبل دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وفي المقابل، أعلن رئيس المعارضة إسحاق هرتسوغ معارضته للقانون، قائلًا إنه لا توجد هناك احتمالية لضم مناطق (ج)، مشيرًا إلى أن ذلك سيحول إسرائيل إلى البوسنة أو سوريا[17]. بالإضافة إلى حزب "ميرتس" الداعم الوحيد في الساحة السياسيّة الإسرائيليّة لإقامة دولة فلسطينيّة.

من الممكن أن تؤدّي هذه المعارضة، إذا استندت إلى حملة شعبيّة داخليّة إسرائيليّة تقودها مؤسسات حقوقيّة تحذّر من عواقب الضم، إلى سيناريو إحباط وصول القانون إلى التصويت في الهيئة العامّة، حيث سيُرغم الجميع على التصويت لصالح القانون بسبب الالتزام للمستوطنين، وهو ما يمكن أن يقوم به نتنياهو بحسب تصريح مصدر في الليكود.[18] أمّا الطريقة الثانية التي من الممكن أن تؤدّي إلى إسقاط مشروع القانون، فتكمن في إمكانيّة ترك أعضاء الكنيست للتصويت دون إلزام، ما قد يؤدي إلى إسقاط القانون في حال تصويت "يهودات هتوراه"، وعدد قليل من وزراء الليكود خاصة.

 

ترامب واليمين الإسرائيليّ

يبقى الحديث عن سيناريوهات الضم الإسرائيليّة للضفّة الغربيّة، أو أجزاء واسعة منها، مرتبطًا بشكل مباشر بفوز ترامب في الانتخابات الأميركيّة، وبخاصّة أن اليمين الإسرائيليّ يرى فيه فرصة لتحقيق ما لم يستطع تحقيقه خلال ولايتي باراك أوباما. فمع الإعلان عن نتائج الانتخابات الأميركيّة وفوز ترامب، انسعر اليمين الإسرائيليّ الداعيّ إلى ضم الضفّة الغربيّة مكشّرًا عن أنيابه لالتهام الأرض وتصفيّة القضيّة الفلسطينيّة. فصرّح بينيت فور فوز ترامب قائلًا "إن فوز ترامب فرصة عظيمة لإسرائيل لإعلان عودتها فورًا عن فكرة إقامة دولة فلسطين في "قلب الأرض"[19]، التي "تضرب أمننا وصدقية طريقنا، هذه رؤية الرئيس الجديد كما تظهر في طرحه، حادّة وواضحة. انتهى زمن الدولة الفلسطينيّة".[20]

في المقابل، وبعد إعلانه أن ترامب صديق حقيقيّ لإسرائيل، قال نتنياهو "آمل أن يساعدني ترامب لتحقيق حل الدولتين لشعبين".[21] وبين التصريحين، نرى وابلًا من التصريحات الإسرائيليّة التي تدعو إلى ضم الضفّة الغربيّة مباشرة بعد فوز ترامب، إذ يرى اليمين الإسرائيليّ في الرئيس الأميركي الجديد فرصة لتحقيق نهاية الوجود السياسيّ الفلسطينيّ. وفي الحقيقة، تشير غالبية التقديرات الإسرائيليّة إلى أن تصرفات ترامب غير متوقّعة، وأنّه بالنسبة إلى نتنياهو "الطريق إلى المجهول".[22]

من جهة أخرى، يرى مدير مركز أبحاث الأمن القوميّ، عاموس يدلين، أن دخول ترامب إلى البيت الأبيض سيشكّل تغييرًا وليس استمرارًا في السياسة الأميركيّة تجاه المنطقة، ولكنه في الوقت ذاته يرى تناقضًا في تصريحات ترامب، حيث التقليل من المساعدات الخارجيّة وفي الوقت نفسه عدم الحياد في الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، إلّا أنه يؤكد على وجود إمكانيّة لفتح أطر ومسارات جديدة، إذ يوصي بالنظر في أفكار جديدة من شأنها الإبقاء على "حل الدولتين" هدفًا وخيارًا قابلًا للتطبيق، ولكن مع الإقرار بغياب إمكانية التوصّل إلى اتفاق نهائي ودائم في الوقت الحاليّ. وخلاصة حديثه في الشرط الفلسطينيّ: الإبقاء على "حل الدولتين" غطاءً لاستمرار الحال على ما هو عليه.

هذه التوصيّة تتسق عمليًا مع فلسفة نتنياهو بالإبقاء على الحالة السياسيّة الموجودة، ومفاوضات بشرط عدم وجود شروط، مع الحفاظ على "حل الدولتين" بمستوى التصريح فقط، مع الاستمرار في الاستيطان في ذات الوقت، وهو ما يعني مواصلة سياسة "الضم الزاحف" دون الحاجة إلى "قوننة" ذلك بطريقة تفتح مواجهات ديبلوماسية، وربما ميدانية، غير مرغوبة في الوقت الراهن.

وعلى الرغم من أن سياسة ترامب تجاه القضيّة الفلسطينيّة غير واضحة بما فيه الكفاية، بما في ذلك موقفه من "قوننة الضم"، إلّا أن قيامه بتعيين مستشاره السابق، ديفيد فريدمان، سفيرًا للولايات المتّحدة لدى إسرائيل، يحمل داخل طيّاته توجّهًا نحو دعم الاستيطان، أو غض الطرف عنه، وتصفيّة القضيّة وحقوق الشعب الفلسطينيّ. فأكّد فريدمان في وقت سابق أن "الولايات المتّحدة لن تضغط أبدًا على إسرائيل من أجل حل الدولتين أو أي حل يتعارض مع رغبات الشعب الإسرائيليّ"[23].

إذا ربطنا هذا التصريح بـ "رغبات الشعب الإسرائيليّ"، فإن أحدث استفتاء يشير إلى أن 40% يؤيّدون ضم الضفّة الغربيّة جميعها إلى إسرائيل، و31% يؤيّدون ضم الكتل الاستيطانيّة فقط، و80% من مصوّتي الحزب الحاكم "الليكود" يؤيّدون "الضم"، بينهم 50% يؤيّدون الضم الكامل للضفّة.[24] عمليًا، لا يوجد اليوم في الساحة السياسيّة الإسرائيليّة أي من الأحزاب يدعم "حل الدولتين"، باستثناء "ميرتس" الذي لا يتعدّى تمثيله البرلمانيّ 5 مقاعد.

 

بين ضمّين!

في المحصّلة، نحن أمام سيناريو أول يدعم الضم المُعلن القانونيّ، وسيناريو ثانٍ هو معارضة الضم المُعلن مقابل استمرار الاستيطان والتوسّع، ما يعني الضم على الأرض بأقل تكاليف ممكنة من حيث المعارضة الدوليّة. ومن المهم الإشارة أيضًا إلى أنه لا يوجد في الساحة السياسيّة الإسرائيليّة جميعها من يدعم تفكيك المستوطنات ومبدأ الانسحاب من الضفّة، باستثناء "ميرتس" التي هي الأخرى لا تدعم التفكيك، بل تدعم دولة فلسطينيّة على أساس حدود العام 1967 وفق مبدأ تبادل الأراضي. فحزب العمل المُعارض لليكود مثلًا، يدعم فكرة الانفصال عن السكان الفلسطينيين عبر إحاطة المستوطنات بجدران فصل عن البلدات الفلسطينيّة، ويرفض الانسحاب من الضفة الغربيّة.[25]

إسرائيليًا، كافة السيناريوهات تصب في مصلحة الاستيطان والاختلاف الوحيد يكمن في الطريقة، كما عبّر ليبرمان في تعليقه على مقترح قرار بينيت، إذ تساءل "أي ذكاء في هذا؟" مشيرًا إلى اقتراح القانون، ومشددًا على أنه يضر بالاستيطان ذاته، وقال "ما نسمعه اليوم ليس أكثر من كلام، كل الحديث عبارة عن عناوين صحافية، ما علينا فعله هو العمل بذكاء، ولا حاجة لتحدّي الآخرين".[26]

 

خلاصة

كافة السيناريوهات التي طُرحت أعلاه في الورقة، مرتبطة بنيويًا برد الفعل السياسيّ الفلسطينيّ، الرسميّ والشعبيّ على حد سواء.

إن تصريحات ليبرمان تخوّفًا من الردود الدوليّة على مشروع قانون ضم المستوطنة، وإذا أضيف إليها تصريح نتنياهو حول مؤتمر باريس بأنه "بات جديًا"، وأن إسرائيل ستركّز فقط في "مؤتمر باريس" خلال الأسبوعين القادمين على منع تصويت آخر في الأمم المتحدة، مشددًا على أن "هذا ما سيشغلنا فقط في الأسبوعين القادمين، وسننجح"[27]؛ تضع الفلسطينيين على المستوى الرسميّ أمام فرصة لتسليط الضوء على "الضمّين".

من الممكن أن يكون مشروع القانون الذي اقترحه بينيت حافزًا لتحويله إلى ورقة قوة فلسطينية لتسليط الضوء على الوضع القائم في الضفّة من حيث الاستيطان والضم الزاحف، ودليلًا على نوايا الحكومة الإسرائيليّة ووزرائها. وفي الوقت ذاته لتسليط الضوء على هذه المستوطنة من حيث الحيّز والتوسّع الجغرافيّ الذي يقضي على أي آمال بقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا. في المحصّلة، إذا تمت الاستفادة من القدرة على فضح مخاطر وتبعات القانون جيدًا في الساحة الدوليّة من الممكن أن يتحوّل من كابوس إلى ورقة رابحة في ديبلوماسيّة الحراك الفلسطيني دوليًا.

بالإضافة إلى الساحة الدوليّة، فإن قضيّة فلسطين لا تزال مركزيّة في العالم العربيّ، ومشروع قرار "الضم" ليس مشروعًا عابرًا، بل يشكّل في صلبه تصفيّة شاملة للقضيّة الفلسطينية عمومًا، والقدس بشكل خاص. وبالتاليّ، فإن تحركًا عربيًّا واسعًا، يحفزه رد الفعل الفلسطينيّ الجدّي، وبخاصة في الفترة التي يحاول فيها نتنياهو تحقيق اختراق ديبلوماسيّ باتجاه التطبيع مع دول عربية وسط الدمار والاستقطاب الطائفيّ؛ يعد أمرًا مهمًا لإيقاف أي تحرّك إسرائيليّ.

يشكّل القرار 2334 الذي اتخذه مجلس الأمن أساسًا يمكن البناء عليه لتوسيع التضامن مع الشعب الفلسطينيّ وقضيّته، فالتصويت على القرار جاء ليدل مرّة أخرى على أن العالم لا يزال ينظر إلى فلسطين باعتبارها قضيّة حقوق، ويدين الاستيطان الإسرائيلي ويراه غير شرعي. وبالتاليّ، فإن حراكًا سياسيًّا يتجاوز التهديد اللفظي ويتضمن اتخاذ خطوات ملموسة موجعة يمكن أن تحول دون تنفيذ أي قرارات بالضم يحرج أميركا ذاتها، مهما كانت سياسة ترامب يمينيّة وتتسّق مع سياسة اليمين الإسرائيليّ. لذا، فالمطلوب عربيًا تهيئة الشارع العربيّ لمواجهة نوايا إسرائيل، والضغط على أميركا بموازة ذلك.

ولعل الأكثر أهمية هو ضرورة بناء إستراتيجية للعمل الوطني الفلسطيني تنطلق من وجوب إعادة تحديد العلاقة مع دولة الاحتلال، بما في ذلك إحباط السياسة الإسرائيلية الرامية لتكريس دور السلطة الفلسطينية كوكيل إداري وأمني واقتصادي يطيل عمر الاحتلال، كما يشكل غطاء لاستمرار سياسات الضم والاستيطان والمصادرة، ما يتطلب الخروج من مسار أوسلو وإعادة النظر في شكل السلطة ودورها ووظائفها، في سياق استنهاض مجمل الحالة الفلسطينية على أساس إنهاء الانقسام وإعادة بناء الوحدة الوطنية.

إن من شأن ذلك أن يعزز دور العامل الشعبيّ في توسيع المقاومة والمقاطعة، لا سيما أن السيناريوهات جميعها مرتبطة بالخوف الإسرائيليّ من توسيع وتطوير المقاومة الفلسطينيّة، حيث يتحوّل الفلسطينيّ إلى موجود عمليًا حين يعيق تمدّد المشروع الاستعماريّ ويجعل من "الوطن الآمن" وهمًا. وهذا ما برز مع انسحاب إسرائيل من لبنان في العام 2000، إذ شكّل الضغط الشعبيّ الإسرائيليّ الداخليّ على الحكومات بسبب الخسائر الفادحة العامل الأكثر أهميّة في قرار الانسحاب من لبنان.[28] إن الحل يكمن في التكامل، بين الرسميّ والشعبيّ، وتفعيل كليهما لتشكيل جبهة واحدة مقاومة تعيد الصراع إلى إطاره الطبيعيّ التحرّري.

 

الهوامش

[1] صفحة الوزير نفتاليّ بينيت على فيسبوك.

[2] وزير التطوير ووزير البناء والإسكان أعلنا أنهما يعارضان القانون.

[3] صحيفة معاريف، "لجنة الدستور تناقش تطبيق السيّادة الإسرائيليّة على مستوطنة معاليه أدوميم"، https://goo.gl/NnKJHL

[4] وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينيّة "وفا".

[5] بيان الخارجيّة الفلسطينيّة "البناء في E1 نهاية حل الدولتين"، https://goo.gl/d6ul10

[6] انظر: "خليل تفكجي، ضم معاليه أدوميم ينزع القدس من الدولة الفلسطينيّة"، https://goo.gl/7P7t0Q

[7] هنيدة غانم، تقرير "مدار" الإستراتيجيّ 2016، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار، 2016.

[8] موقع واينت، "شاكيد ضد المستشار القضائي للحكومة: لا يملك حق الفيتو على القوانين"، https://goo.gl/jXmGUa

[9] مصدر في الليكود: "نتنياهو يدعم قانون المستوطنات وبينيت يطلع النار داخل المصفّحة"، https://goo.gl/zpnFiw

[10] صحيفة "هآرتس"، "بينيت يطالب بضم مستوطنة معاليه أدوميم"، https://goo.gl/5XLx6C

[11] المصدر السابق.

[12] صحيفة "هآرتس"، "عشرات المواطنين من معاليه أدوميم بمشاركة أعضاء كنيست من الليكود وكولانو، تظاهروا لضم المستوطنة"، https://goo.gl/RjHWLR

[13] بشكل عام فإن "مصدر" يدل على موقف الحزب الذي لا يريد أي من أعضائه دفع ثمنه بشكل شخصيّ.

[14] المصدر (10).

[15] للاطّلاع على فحوى المقال، انظر: ورقة رازي نابلسي، "دلالات الغياب الفلسطينيّ عن مقالة شاكيد"، صادرة عن المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 2016.

[16] صحيفة "هآرتس"، مصدر في الليكود، https://goo.gl/tG4Xnd

[17] المصدر السابق.

[18] المصدر السابق.

[19] المقصود هنا هو "أرض إسرائيل الكبرى".

[20] تصريح بينيت بعد فوز ترامب، صحيفة "هآرتس"، https://goo.gl/6MueeU

[21] موقع واينت، "نتنياهو: آمل أن يساعدني ترامب على تحقيق حل الدولتين"، https://goo.gl/SLDHCC

[22] انظر مثلًا رافيف دروكر: "ترامب بالنسبة إلى نتنياهو هو الطريق إلى المجهول".

[23] فرانس 24، https://goo.gl/SWlKld

[24] القناة 20، "هنغبي: ضم الضفة الغربية كارثة"، https://goo.gl/HbWLEC

[25] انظر: "خطّة هرتسوغ للانفصال عن الفلسطينيين"، المونيتور، https://goo.gl/QTXJI7

[26] القناة الإسرائيليّة الثانيّة، ليبرمان ردًا على مقترح الضم: "ليس هناك حاجة للتحدّي بالقوة"، https://goo.gl/kEL91z

[27] المصدر السابق.

[28] "الخروج من لبنان"، للاستزادة الرجاء الاطّلاع على الرابط: https://goo.gl/urFzwv