سيناريوهات تبدد «فكرة الدولة»

e-mail icon
سيناريوهات تبدد «فكرة الدولة»
خليل شاهين
-
الخميس, 16 كانون الثاني (يناير), 2014

لا يبدل استمرار المفاوضات الثنائية، برعاية أميركية، من القناعة بوصول هذا الخيار إلى طريق مسدودة، من حيث قدرته على تحقيق تسوية سياسية تفضي إلى تحقيق ما يسمى «حل الدولتين» وفق رؤية برنامج منظمة التحرير الفلسطينية للدولة المستقلة ذات السيادة على الأراضي المحتلة منذ الرابع من حزيران 1967. ويعزز هذا الاستنتاج الأفكار التي يطرحها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في سياق سعيه للتوصل إلى اتفاق إطار يشكل «مرجعية» لمفاوضات لاحقة، ويتضمن إقرارا فلسطينيا معلنا بعدم الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967، حتى دون تحديد نسبة لتبادل الأراضي، وتصفية قضية اللاجئين من خلال عدم عودتهم إلى ديارهم في أراضي 48، وتوزيعهم ما بين التوطين في بلدان الشتات، والعودة المقيدة لقسم منهم إلى «الدولة» الفلسطينية، والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، والقبول بإشراف دولي على البلدة القديمة من القدس، مع إمكانية «تقاسم» الشطر الشرقي المحتل من القدس منذ عام 1967 ما بين أحياء فلسطينية وأخرى يهودية، والإقرار بنتائج المشروع الاستيطاني على الأرض كمقدمة للقبول بدولة في البقايا مقطعة الأوصال في الضفة الغربية، تكون بلا سيادة وتتحدد وظيفتها الأساسية تحت سقف ترتيبات أمنية لصالح إسرائيل. وبينما ينشغل كيري والطواقم الأميركية المساعدة له في وضع الصياغات «المقبولة» في اتفاق الإطار، وفي حشد التأييد لها من أطراف الخارطة الحزبية الإسرائيلية من داخل الائتلاف الحاكم ومن خارجه، وكذلك تجنيد أوسع ضغط دولي وعربي على الرئيس محمود عباس للقبول بما يحظى بتزكية حكومة بنيامين نتنياهو، يمكن التنبؤ بانتهاء فترة الشهور التسعة لجولة المفاوضات الحالية عند أحد السنياريوهات التالية:


(أ) استمرار الوضع الراهن
بموجب هذا السيناريو لا يتوقع حدوث تغيير جوهري في الوضع القائم، إذ تستمر المفاوضات الجارية حاليا حتى نهاية الفترة «الافتراضية» المحددة بتسعة شهور، مع إمكانية تمديدها لفترة أطول، دون إعلان فشل المفاوضات، وكذلك دون حدوث اختراق في المسار السياسي باتجاه أي اتفاق دائم أو انتقالي، لكنها تسهم في الحفاظ على الوضع القائم. وسيؤدي هذا السيناريو إلى بقاء السلطة الفلسطينية دون أي تغيير في شكلها ودورها ووظائفها، ويقطع الطريق على البدائل والخيارات الأخرى، في ظل التعهد الفلسطيني بعدم التوجه إلى الأمم المتحدة، وعدم الانسحاب من المفاوضات، بما في ذلك توسيع وتفعيل أشكال المقاومة بالاستناد إلى برنامج وطني توافقي، أو تحقيق المصالحة، مع إمكانية اللجوء إلى أشكال من التنسيق وإدارة الانقسام بين السلطتين في الضفة والقطاع، وكذلك عدم اللجوء إلى تفعيل دور مؤسسات منظمة التحرير. 


(ب) انهيار المفاوضات 
يفتح سيناريو انهيار خيار المفاوضات الثنائية، كنتيجة للفشل في التوصل إلى أي اتفاق نهائي أو انتقالي، الباب أمام احتمالين: الأول، اعتماد خيارات فلسطينية جديدة تتضمن استكمال التوجه إلى الأمم المتحدة وتفعيل المقاومة الشعبية والمقاطعة وملف المصالحة الوطنية، وهذا من شأنه أن يقود إلى مجابهة فلسطينية - إسرائيلية يمكن أن تؤدي إلى انهيار السلطة وحالة من الفوضى، أو قد تدفع نحو إعادة النظر في شكل السلطة ودورها ووظائفها لمصلحة إعادة إحياء وتفعيل دور المنظمة. والثاني، محاولة إسرائيل تنفيذ سيناريوهات أحادية الجانب دون تنسيق مع الجانب الفلسطيني، تستند إلى فكرة ضم مساحات واسعة من الأراضي في الضفة. 
(ج) تقدم المفاوضات

كلينتون ونتنياهو لياسر عرفات: لا دولة

كلينتون ونتنياهو لياسر عرفات: لا دولة

يستند هذا السيناريو إلى التقدم في المفاوضات وفق عدة احتمالات، من بينها التوصل إلى حل نهائي بين الطرفين، وهو أمر مستبعد جدا في ظل الفجوات الكبيرة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي، أو إلى حل انتقالي مغطى بـ«إعلان مبادئ» جديد، تحت مسمى إقامة دولة ذات حدود موقتة، وهو ما يرفضه الجانب الفلسطيني، الذي يحبذ التوصل إلى حل نهائي على أساس حدود عام 67، مع استعداده للقبول بتطبيقه على مراحل وفق جدول زمني محدد. لذلك، يبدو من بين الاحتمالات الأخرى المتاحة، المقاربة التي يعمل عليها كيري حاليا، والتي تنطلق من محاولة التوصل إلى اتفاق إطار يدفع الجانب الفلسطيني ثمنا باهظا مقابله دون أن يكلف إسرائيل ثمنا يذكر، ويشكل مرجعية جديدة لعملية تفاوضية قد تمتد لعام إضافي وتوظف كغطاء سياسي لاستمرار الوضع القائم على الأرض، والحيلولة دون تمكين الفلسطينيين من التحول باتجاه إستراتيجية وطنية بديلة. على الرغم من التباين بين كل هذه السيناريوهات، غير أن المشترك فيها جميعها أنها لا يمكن أن تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 67، وعاصمتها القدس، ناهيك عن ضمان عودة اللاجئين إلى ديارهم. ومع ذلك، فإن انغلاق أفق التسوية السياسية التفاوضية القائمة على مبدأ «حل الدولتين»، لا ينتقص من حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، لكنه يعني أن الفلسطينيين يقتربون أكثر من النقطة التي يتوجب فيها اختيار أحد سيناريوهين إستراتيجيين: الأول، ممارسة حق تقرير المصير بما يشمل تحقيق الاستقلال في دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس، وهو السيناريو الذي يصبح مع بقاء الوضع الراهن على حاله أقل واقعية يوما بعد آخر، وإن كان لا يزال الأكثر تفضيلا لدى المجتمع الدولي. والثاني، ممارسة حق تقرير المصير، دون أن يشمل تحقيق الاستقلال في دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس. 


يفتح السيناريو الثاني أفق التفكير الاستراتيجي الفلسطيني على إعادة تعريف مضمون حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني أينما وجد داخل وطنه وخارجه، بعيدا عن «فكرة الدولة» في الضفة والقطاع، والتركيز على تبني إستراتيجيات للتحرر الوطني تركز على التمسك بخطاب الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني، وعدم شرعية نظام الاستعمار والاستيطان والتمييز العنصري، والكفاح في سبيل هزيمته وتفكيكه، وبما يفتح الأفق أمام التفكير في السيناريوهات الإستراتيجية المتداولة في بعض الأوساط، سواء فيما يتعلق بالدولة الواحدة أو الدولة ثنائية القومية أو الكونفدرالية. غير أن مثل هذا التحول الإستراتيجي يفرض البحث في معادلة دقيقة لا تخلط بين الممكن والمرغوب، وتنطلق من الأمر الواقع باتجاه تغييره وليس تكريسه، على أساس حسابات دقيقة للمصالح وموازين القوى، والبناء على المكتسبات الفلسطينية في كل مرحلة. والأهم في هذه السياق هو إدراك حقيقة أن أيا من «حل الدولتين»، أو حل «الدولة الواحدة» (العلمانية أو ثنائية القومية أو الإسلامية) ليس في متناول اليد، في المدى المنظور، ما يعني عدم إضاعة الجهد الوطني في افتعال معارك وهمية بين سيناريوهات الحلول المتداولة.


إن المتاح في المدى المنظور هو التركيز على الهدف الاستراتيجي للمشروع الوطني الفلسطيني، المتمثل في إنهاء الاحتلال والاستيطان والعنصرية وضمان ممارسة الشعب الفلسطيني أينما وجد لحقه في تقرير المصير، بصرف النظر عن النتائج التي سوف تترتب على ذلك مستقبلا (دولة مستقلة، دولة واحدة أو ثنائية القومية... إلخ). ويتطلب ذلك أيضا التركيز في المرحلة الراهنة على دراسة سيناريوهات تطور الصراع وموازين القوى والعوامل المؤثرة فيه، مرورا بدراسة واقع منظمة التحرير والحركة الوطنية ومتطلبات إعادة بنائهما، ومركبات وأهداف المشروع الوطني الجمعي، واستراتيجيات المقاومة الأكثر جدوى وفق خصائص وظروف كل من التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات. ويمكن توزيع هذه العناوين ضمن مصفوفة من الخيارات والسياسات المفضلة فلسطينيا لاستعادة زمام المبادرة في سياق الصراع، من أبرزها:


أولا: تبني مفهوم الصراع المفتوح
إن استمرار فتح المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري على مآلات لا تزال قيد التشكل بقوة الوقائع المفروضة على الأرض بات يفرض استمرار فتح الصراع نفسه، واستبعاد فرضية التوصل إلى تسوية سياسية ضمن موازين القوى القائمة، تكفل تحقيق مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 4 حزيران 1967، وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وممارسة حق تقرير المصير. 


ليست هناك رؤى واضحة أو تنبؤات في شأن نقطة النهاية التي سوف يغلق عندها المشروع الصهيوني، لاسيما في مستويات تقدمه على الأرض الفلسطينية، بصفتها عنوان الاستهداف الأبرز لهذا المشروع منذ ما قبل نكبة 48. غير أن هذه العملية بحد ذاتها في ظل ضعف أو غياب إستراتيجيات مواجهة فلسطينية فعالة، ومواقف عربية ودولية مؤثرة في مجريات الصراع، تحمل معها مزيدا من الاختلال في ميزان القوى لصالح استمرار تقدم المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، وإمكانية تطور سيناريوهات مختلفة تطرحها تطورات الأمر الواقع على حساب حقوق الشعب الفلسطيني. ويترتب على رفض الفلسطينيين التسليم بهذه السيناريوهات في ظل انسداد الأفق أمام سيناريو إقامة الدولة المستقلة على حدود عام 1967، التحول باتجاه تبني مفهوم الصراع المفتوح القائم على الكفاح متعدد الأشكال والأدوات، وفق ظروف مختلف التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، من أجل إحداث تغيير في ميزان القوى الذي يتحكم حاليا بمعادلتي الصراع والتفاوض معا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة في المرحلة الراهنة التخلي «المعلن» عن شعار إقامة أو تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كشعار «اعتراضي» في المحافل الدولية على تقدم المشروع الصهيوني الاستيطاني. 


ثانيا: إعادة بناء المشروع الوطني والحركة الوطنية
يتطلب مفهوم إبقاء الصراع مفتوحا التوافق على إستراتيجيات كفاحية وسياسية واقتصادية واجتماعية شاملة قادرة على تحقيق الهدف الإستراتيجي للمشروع الوطني الذي ينطلق في جوهره من طابعه الجمعي المعبر عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، والتي ينبغي أن تشكل إطارا ناظما لركائز المصلحة الوطنية العليا (الميثاق الوطني)، وللبرنامج السياسي المتوافق عليه في إطار منظمة التحرير بعد إعادة بناء وتفعيل مؤسساتها كإطار جبهوي يعتمد مبادئ الانتخابات حيث أمكن، والشراكة السياسية دائما. وفي هذا السياق، فإن تحقيق المصالحة بما تعنيه من إعادة بناء الوحدة الوطنية بالاستناد إلى «تسوية تاريخية» يتم التوافق على أسسها الموجهة بين التيارات والقوى الوطنية والديمقراطية والعلمانية والإسلامية، ينبغي أن يندرج في سياق عملية إعادة تعريف القضية الفلسطينية بصفتها قضية تحرر وطني تعبر عنها منظمة التحرير كإطار تمثيلي حقيقي يرفع راية تحقيق المشروع الوطني الجمعي.


ثالثا: السلطة بعد 20 عاما على أوسلو

لجنة بيل وتقسيم فلسطين (1937)

لجنة بيل وتقسيم فلسطين (1937)

إن تبني إستراتيجيات الصراع المفتوح يعني من حيث الجوهر تغيير المسار السابق بما يقتضيه من إدخال التغييرات الملاءمة على شكل ودور ووظائف السلطة الفلسطينية المتشكلة تحت سقف اتفاق أوسلو وملحقاته، بعد سقوط الرهان على إمكانية تحويل السلطة القائمة إلى دولة مستقلة، بل وأصبحت ببنيتها ووظائفها وصلاحياتها المحدودة احدى أهم الأدوات للإبقاء على الوضع الراهن بما ينطوي عليه من ميزات لصالح دولة الاحتلال، وعبئا على تبني إستراتيجية كفاحية يكون من بين أبرز أهدافها تركيز الصراع على امتلاك الحيز العام بالمعنى الجغرافي والديموغرافي، وعدم السماح باستمرار بقاء الوضع على حاله.


رابعا: استراتيجيات المقاومة
إن إدراك جوهر الصراع «المفتوح» مع المشروع الصهيوني في ظل انسداد أفق التسوية السياسية، وعدم وجود حل وطني قريب للقضية الفلسطينية، يعطي أهمية كبرى للتوافق على إستراتيجيات مقاومة ومواجهة تركز على إحداث تعديل في ميزان القوى، وتشمل أشكال المجابهة السياسية والديبلوماسية والمقاومة الشعبية والعنيفة، وسياسات دعم صمود وبقاء الشعب الفلسطيني على أرض وطنه سواء في أراضي 67 أو 48، والتصدي للمشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، وبخاصة في جوهر استهدافه للأرض.


في هذا السياق، لا بد من تطوير استراتيجيات المقاومة لتشمل بلورة أشكال ذات طابع مبادر ومبتكر أكثر اتساعا من مفهوم «الصمود على الأرض» ضمن الحيز المتبقي للفلسطينيين، وتعطي الأولوية لتطوير استراتيجيات «الصراع على الجغرافيا والديموغرافيا/ الأرض»، بما يعنيه ذلك من سعي لتعزيز الصمود والبقاء أولا، وبلورة سياسات مبادرة وإبداعية لتوسيع امتلاك الحيز العام ثانيا، كأساس لفرض الأمر الواقع الفلسطيني على الأرض في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع الإسرائيلي عبر الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والسيطرة على الموارد تحت الأرض وفوقها. ويمكن البناء على التحولات التي بدأت بداياتها بالظهور خلال العام المنصرم من حيث منظومة أنماط المقاومة الشعبية، والتي تتصدرها مجموعات الحراكات الشبابية الناشطة في كل من أراضي 1967 1948، وتتسم بتنفيذ مبادرات مبتكرة وذات طابع هجومي يمكن البناء عليها وتطويرها، في سياق تطوير مفهوم وأشكال الصراع على الجغرافيا، من بينها نموذج إعادة بناء قرية العراقيب في النقب بعد هدمها 63 مرة حتى الآن، والحراك المتصاعد لإسقاط مخطط «برافر» في النقب، وكذلك إقامة قرية «باب الشمس» شرق مدينة القدس، ومن ثم إقامة قرية «باب الكرامة» على أراضي قرية بيت إكسا شمال شرق القدس، وقرية «كنعان» شرق يطا جنوب الخليل، و«حي المناطير» على أراضي قرية بورين جنوب نابلس، إضافة إلى مبادرات أخرى لإعادة بناء مساكن هدمتها قوات الاحتلال في مضارب البدو في عدد من المناطق، أو لدعم صمود سكان الأغوار والمزارعين.


إن بلورة إستراتيجية وطنية شاملة تنطلق من الصراع على امتلاك الحيز العام وفرض الوقائع على الأرض في مواجهة النظام الصهيوني الاستيطاني العنصري، لا ينبغي أن تتجاهل مرعاة خصائص التجمعات الفلسطينية في الضفة والقطاع وأراضي 48 والشتات، بل توظفها في خدمة النهوض الوطني الجمعي المستند إلى التمسك بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في وطنه. إذ أن بلورة إستراتيجيات ذات طابع محلي في كل تجمع فلسطيني للحفاظ على حقوق وتطوير أوضاع الفلسطينيين في كل تجمع على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يفترض أن تصب في خدمة تحقيق الهدف الجمعي للاستراتيجية الوطنية الشاملة في إنهاء الاحتلال والاستيطان والعنصرية وضمان ممارسة الشعب الفلسطيني أينما وجد لحقه في تقرير المصير.

مدير البحوث في المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية - مسارات، رام الله.